على مدار الساعة
أخبار » آراء

الافتراء على عبد الناصر وغزل السيسي بنتنياهو

28 تشرين أول / سبتمبر 2017

افتراء ما بعده افتراء هذا الذي فجرّه الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى، بما أورده في مذكراته، التي احتفل بإصدارها قبل أيام تحت عنوان «كتابيه»، حول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

لقد تحدث موسى في مذكراته عن سيرته الذاتية في الدبلوماسية والحياة السياسية المصرية، وذكر من ضمنها عدة وقائع تخص الرئيس الراحل. وقال موسى: إن عبد الناصر كان يستورد طعاماً خاصاً له من الخارج، وتحديداً من سويسرا، لاهتمامه بنظام غذائي يؤدي لخفض الوزن، وكان يرسل من وقت إلى آخر من يأتي له بأصناف معينة من الطعام الخاص بالريجيم من سويسرا. وقال موسى: إنه خلال عمله بسفارة مصر في سويسرا، كان رجل ضخم الجثة يأتي لاستلام الطعام، وكان موسى هو المسؤول عن تسليمها له. ووصف موسى جمال عبدالناصر بالديكتاتور الذي قاد مصر للهزيمة، مضيفاً أن مظاهرات التنحي مسرحية، وأن عبد الناصر اختصر مصر في شخصه، فكل ما هو جيد له جيد لها. هذا غيض من فيض عن التهم التي كالها من أفل نجمه السياسي ليعيد الأضواء إلى شخصه.

بداية، فكل المصادر المعنية تشير، إلى أن الرئيس عبدالناصر عاش حياة البساطة كرئيس، وأنه توفي وكان في حسابه البنكي ثلاثة آلاف جنيه. حاولت المخابرات المركزية الأمريكية والصهيونية والغربية أن تجد ثغرة واحدة في مسلكيته الشخصية، فلم تجد ومعروفة هي حادثة إهداء مليون دولار لعبدالناصر من أمريكا، وقد سلمها حينها إلى الحكومة لتؤسس بناء برج القاهرة، وفي أول خطاب له بعد الحادثة تحدّث عبدالناصر عنها . ولو كان جمال عبدالناصر يستورد فعلا طعاما خاصا من سويسرا، كما يفتري الأمين العام السابق للجامعة العربية، لتحدثت عن هذه القضية كل المصادر الغربية. أنصح عمرو موسى بقراءة مذكرات دايان وغولدا مائير وليندون جونسون وهشام شرابي، عن المحاولات الأمريكية الحثيثة لإيقاع الزعيم عبدالناصر من أجل إسقاطه. أما القاصي والداني فيدرك أن المظاهرات العارمة التي طالبته بالعودة بعد تنحيه عام 1967 إثر الهزيمة، فكانت في منتهى العفوية.

كثيرة هي إنجازات الزعيم الخالد: تأميم قناة السويس، الوقوف في وجه العدوان الثلاثي، اقتطاع الأراضي من الإقطاعيين وتقسيمها بين الفلاحين الفقراء، تصنيع مصر وتسليحها، كسر احتكار السلاح، الطبابة، التعليم، الضمان، بناء السد العالي، قيادة حركة التحرر الوطني العربية، مساندة الثورات العربية والإفريقية والأمريكية اللاتينية ضد الاستعمار، إنشاء كتلة دول عدم الانحياز. عبدالناصر صعد بمصر، لتكون القاهرة عاصمة التحرر العربي، الآسيوي الإفريقي، والأمريكي – اللاتيني. صحيح أن للرجل أخطاءه، التي لا ندافع عنها، لكنه يخطئ كأي بشر، ذنبه أنه لم يتابع قادة الجيش من عبدالحكيم عامر وشمس بدران وصولا إلى القائد العسكري الصغير، غير أنه من الإنصاف القول، إنه في زمنه، تمت إعادة تسليح الجيش المصري، وجرت حرب الاستنزاف، وبالأسلحة التي عوضها الاتحاد السوفييتي، خاض السادات حربه التحريكية لا التحريرية، التي انتهت باتفاقيات كمب ديفيد المشؤومة، التي أخرجت مصر من دورها العربي والإقليمي والعالمي.

عمرو موسى، رأس وزارة الخارجية المصرية في عهد الرئيس حسني مبارك، الذي قزّم مصر ليضعها في مصاف الدول الصغيرة. عمل في وزارة الخارجية المصرية في عهدي السادات وحسني مبارك، وكان عرابا للثنائي صفوت الشريف وحبيب العادلي لتوريث جمال مبارك بعد والده. أما عن دوره في جامعة الدول العربية، أتمنى لو يورد أحد القرّاء إنجازا واحدا لعمرو موسى على صعيد الجامعة العربية يكفيه (فخرا) أن الدول العربية في عهده انقسمت إلى محاور، وشكّلت رئاسته بداية الانقسام العربي، وتقزيم الدور العربي لمصر. افتراءات عمرو موسى على الزعيم الخالد هي حلقة صغيرة في سلسلة من الهجمات التآمرية على الزعيم الخالد، التي ابتدأت في عهده، وبعد وفاته، وصولا إلى اللحظة الحالية وفي المستقبل، لكن عبدالناصر كان وسيظل أكبر من كل المؤامرات والاتهامات لشخصه ومسلكيته.

على صعيد آخر، وصف الرئيس المصري، قاتل الأطفال الفلسطينيين والعرب، بنيامين نتنياهو بالآتي: «إنه زعيم له قوة جبارة لا تمكنه فقط من قيادة دولته إسرائيل، بل وتعزيز وتطوير المنطقة كلها والعالم»، وقالت صحيفة «معاريف» الصهيونية، إن الزعماء اليهود الذين التقوا السيسي خلال الأسبوع الماضي، نقلوا لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وصف الرئيس المصري له. في المقابل، قال نتنياهو للقيادات اليهودية الأمريكية: «كل دولة عربية في الشرق الأوسط، عدا سوريا التي لم تعد دولة كما كانت، مهددة من قبل الإسلام المتطرف»، مضيفًا: «دول عربية تغير مواقفها الآن، فهي لا ترى إسرائيل عدوا، إنما حليف، خاصة ضد الإسلام المتطرف». وتابع: «هناك علاقات مع الدول العربية، كثير منها سرية، وجزء منها علني، هناك من يقولون إذا حدث تقدم في المسار مع الفلسطينيين، فإن هذا سيؤدي إلى منظومة علاقات طيبة مع العالم العربي، وأنا لا أتفق مع هذا، ففي رأيي أن علاقات طيبة أكثر مع العالم العربي ستجعل الفلسطينيين شركاء سلام». هذا عدا عن لقائه الضاحك برئيس الوزراء الصهيوني في الأمم المتحدة.

لا ندري لمَ يتغزل السيسي بنتنياهو ويتضاحك معه؟ هل لقتله للفلسطينيين لمجرد الشك؟ هل لتنكره لحقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة؟ هل لتأييده هجمات المستوطنين على الأقصى؟ هل لتهويده القدس ومصادرته الأراضي الفلسطينية للاستيطان؟ هل لسياسة الاغتيال والاعتقال التي يمارسها نتنياهو وحكومته الخ؟ هل للمجازر الصهيونية بحق الفلسطينيين والعرب؟ أنَسيَ السيسي مجزرة بحر البقر؟ أنسيَ دفن الكيان الصهيوني للأسرى المصريين أحياءً في رمال سيناء عام 1967؟ أنسيَ التآمر الصهيوني على القطن المصري، والتجسس على مصر وتصدير العاهرات المصابات بالإيدز إليها؟ أينسى السيسي تهديد الوزير في حكومة نتنياهو ليبرمان بتدمير السد العالي؟ أنسيَ تحريض الكيان الصهيوني لأوغندا كي تبني سدّاً تقلل من حجم مياه النيل، التي تحتاجها مصر؟ مصر في عهد السيسي دولة تُقاد ولا تقود. منذ أن جاء إلى السلطة في غفلة من الزمن وبطريقة مريبة قزّم السيسي دور مصر وأنزله إلى الحضيض من سمع تغزل السيسي بنتنياهو وأنه زعيم عظيم، باستطاعته تطوير المنطقة» يعتقد، أن السيسي سيعينه مستشارا له في رئاسة مصر، أو «سيستعين بتجاربه وحكمته الفذّة».

وقد قالت القناة العاشرة الإسرائيلية: إن الرئيس المصري أعرب للقيادات الصهيونية، التي التقاها في القاهرة، عن التزامه بالمصالح بين إسرائيل ومصر، كما تحدث بشكل إيجابي عن التزامه باستمرار المصالح المشتركة بين القاهرة وتل أبيب. من جانبها، قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن لقاءات سرية عديدة جمعت نتنياهو مع السيسي، وإنهما يحافظان على اتصالات وثيقة بينهما، وأشادت بسعي السيسي الدائم لتحسين العلاقات الأمنية بين إسرائيل ومصر. وفي مقال بصحيفة «إسرائيل اليوم» قال الباحث العسكري شاؤول شاي، إن اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل يعتبر كنزا إستراتيجيا لكلتا الدولتين، «وفي ظل رئاسة عبد الفتاح السيسي توثقت علاقات القاهرة مع تل أبيب، لاسيما في جانبها الأمني». وتوقع موقع صحيفة «هآرتس» أن يركز الاجتماع على « تعزيز الجهود المبذولة لمحاربة التطرف». نسأل الرئيس السيسي أخيرا، هل في نظرك أن نتنياهو معتدل؟ ألم تقرأ عن الكتب الكثيرة والأبحاث التي لا تعد ولا تحصى، والتي أثبتت دور الكيان الصهيوني في إنشاء ومساندة المنظمات الأصولية الإرهابية المتطرفة؟ من جانبه قال الجنرال الإسرائيليّ المُتقاعد، آفي بنياهو، إن الرئيس المصريّ المُشير عبد الفتّاح السيسي، يعتبر هدية شعب مصر لإسرائيل، لافتًا إلى أن تصدّي السيسي للديمقراطية في مصر، يضمن استقرار المنطقة، وهذه مصلحة استراتيجية لإسرائيل. ختاما، رحم الله جمال عبدالناصر، وصدق المَثَل العربي القائل «اللي استحوا ماتوا». 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

د.فايز رشيد

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر