Menu
حضارة

عربة القطار المتوقفة في غازي عنتاب

د. هيفاء حيدر

لم يعد يخفي على أحد أن ثمة من يضع صخوراً أمام أية بارقة للحل السياسي في سوريا، تصل حجم الجبال، وخاصة من أولائك اللذين إستنعموا برودة الربيع وحرارة  صيف غازي عنتاب الذي إزدحمت فنادقه  من كل من هب ودبَ من "الثوريين" الحالمين بالدولة المدنية والعدالة والحرية على الطريقة الأمريكية، منصبين انفسهم زعماء في اطلاق "الحكم الثورية"، التي لم تخطر على بال لا لينين ولا حتى ماوسيتونغ ، معتقدين هؤولاء "الثوريين" الممتطين صهوة التغيير والفعل الثوري أن المعارض السوري تركي الجنسية الخوجة سينتشلهم من قاع ظلمات الدكتاتورية، الى قمة هرم الحرية القادمة من اسطنبول أو باريس سيان من أين تأتي حتى لو كانت قادمة من صحراء الحجاز، وهم أنفسهم  عتاد المعارضة من "الثوريين" يعرفون بقرارة أنفسهم أن لا حاضنة جماهيرية لديهم ، ولا معرفة واقعية بما آلت اليه أحوال البلاد اليوم ، إلا ما يأتيهم مما يسمى "أراضي محررة"، فلو كانت محررة فعلاً فلما لا يتفضل قادة الفعل الثوري بالنزول والعيش بها مع ما تبقى من جماهيرهم الغفيرة هناك، أم أن الأذن من العصابات التي تصول وتجول قتلاً وتدميراً هناك لم يصدر بعد؟
وحتى لؤي حسين الذي كان يتنعم بالتيار المدني ونضاله السلمي مع عدد لا يتجاوز العشرات المعدودات  من المؤيدين اللذين ما إن سمعوا خبر فراره خارج البلاد حتى سارعوا الى تقديم استقالاتهم رفيقاً تلو الآخر، وهو قائد تيار المدنية فضل اللجوء الى الخارج، وبدل أن يبحث عمن هو أقرب اليه في يساريته التي يتحدث بها، فضل أن يكون إئتلاف اسطنبول للخوجا ملاذاً أمناً له من جور وقمع النظام الذي ذاق به درعاً، فكيف لنا أن نثق بهم ، كيف لمن فضل البقاء في الداخل السوري ومواجهة آلات القتل والدمار للآلاف من المرتزقة المدعومين من قبل عواصم الغرب والعرب على السواء ، كيف لهم أن يلتقوا من جديد ويناقشوا سبل الحل المرتقب، والأنكى من ذلك هي تلك اللغة الثورية عالية الوتيرة وذات النبرة التي يخال لسامعها أن جبال السييرا مايسترا وسهوب فيتنام تعلمت منهم لغة الحديد والنار، وهم لا يعرفون أننا نعرف تماماً أن ثمة أجهزة أعلى منهم وأكبر من حجمهم تدير لهم وتحدد على أي جنب عليهم أن يناموا ليس هذا وحسب بل وأكثر من ذلك ، هم لا يملكون ثمن مناماتهم وتغطية مصروفات فنادقهم وسكناهم ووقود سياراتهم المملوكة منها والمستأجرة لعناصر الحماية لهم، فكيف لهم أن يعتقدوا أنهم جزء من الحل أو من القرار ، وهم لا يملكون شروى بعير حتى ولو كان مربوطاً في ساحة المرجة، غريب أمر هذه المعارضة التي لا ترى سوى بعين عوراء،  ترى فقط خطايا النظام إنها لا تغتفر، يغضون الطرف عن ولاءاتهم وانتماءاتهم وتمويلهم ودعوتهم لغزو تراب بلدهم ويبررون تعاملهم مع العدو ومن حذى حذوه،   من مشيخات وممالك متهالكة في داخلها وأنظمتها وتشبثها بسياسات المحاور والتحالفات القادمة من وراء البحار لتدمير مقدرات بلد عربي كان حتى الأمس القريب أخاً شقيقاً وبات بين ليلة وضحاها إبن سفاح قدم من جارية لم تعتق رقبتها بعد، على طريقتهم في تحليل الأمور وكما يحلو لهم العيش في غياهب العصور الوسطى.
على المعارضة "الثورية" تلك أن تتذكر إن نفعت الذكرى لها هي ومن يدور في فلكها من صبرا وكيلو ومالح وباسط وغيرهم، أن ساعة واحدة يجلسها السيد الأمريكي جون كيري مع نظيره  لافروف الروسي ستكون كافية بأن تعبر عربات قطار التسوية السورية دولاً وقارات دون أن تتوقف لا في  غازي عنتاب ولا حتى ما كان يسمى مربط خيلنا باريس، هما السيدان الوحيدان اللذين بيدهم رسن الفرس وصافرة القطار التي ربما سيكون عتاد "الثوريين " من السوريين النبهاء ينتظرون على الدور لإلقاء التحية على باب الخليفة أياً كان ويكون  في مملكة الرمال أو عند الباب العالي ، بينما سيكون ياسمين دمشق يزهر حباً بمن بقي من مؤيدين ومعارضين عند سفح قاسيون ، ميممين شطر وجوههم نحو حماية استقلال سوريا ووحدة ترابها وقوة وصمود جيشها، لأن الرغبة اليوم أمام الراعي الذي حمل عصاه ووجد البلد عاصي عليه، الرغبة اليوم لديه باتجاه الحل السياسي قوية جداً، إذ أن الحل العسكري قد قلب السحر على الساحر.
وحيث ستكون ثلوج مدينة سوتشي الروسية  على شواطئ البحر الأسود ،حيث عقد لقاء كيري ولافروف  باردة جداً على الرؤوس الحامية في غازي عنتاب  وغيرها من أماكن يآوي اليها الهاربون.