على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

على أخطاء النساء.. عينُ المجتمع "واسعة"

20 تشرين ثاني / أكتوبر 2017
تعبيرية
تعبيرية

غزة _ هدى بارود _ خاص بوابة الهدف

اثنا عشرَ عامًا مرت تقريبًا على مقتلِ الشابة سارة "ب" ذبحًا بالسّيف، إثرَ اكتشافِ عائلتها حملَها "غير الشرعيّ"، وهي الفتاةُ المُطلقةُ بعدَ أربعة أشهرٍ من الزواجِ فقط، والحبلى بالشهر الثاني بعدَ نحوِ عامٍ على طلاقها.

والدةُ سارة، التي تردّدت كثيرًا قبلَ أن توافق على إجراء لقاءٍ مكتوبٍ مع "بوابة الهدف" حولَ ظروف مقتل ابنتها العشرينيّة، قالت إنّ والدَها وشقيقَها حاولا خنقها بعدَ اكتشاف حملها، ولمّا تمكنت من الهرب إلى أرضٍ زراعيةٍ قربَ المنزل، تمتلكُها العائلة، لحِقاها بالسيفِ وجزّا عنقَها.

سارة زُوّجت رجلًا يكبرُها بأكثرِ من عشرين عامًا تقريبًا، وطُلّقت لأنها كانت تسرق غسيلَ الجيران، وبعدَ طلاقها بسبعةِ شهورٍ تفاجأت العائلة بأنّ ابنتهم حبلى، قالت الأم "ذهبَت ابنتي إلى مركزٍ صحيّ للتأكّد ممّا إذا كانت حاملًا بالفعل أم لا، ولما تبيّنَ حملُها طلبتُ منهم أن يجهضوها، فاتصلَ عاملٌ من المركز على والدِها وأخبرَه بما حدث، وفي اليوم نفسِه، قُتلت".

والد جَنينِ سارة كانَ رجلًا متزوًجا، وعلى علاقةِ صداقةٍ بعائلة الفتاة، ولما قُتلت واُكتشفت جريمتُه تركته زوجته وهجرت المنزل، لكنّه أعادها بعدَ فترةٍ بتعهدٍ منه بألّا يعرفَ نساءً أخريات على زوجتِه مرة ثانية، وأنجبَ بعدَ ذلك طفلين منها، وفقَ والدةِ سارة التي قالت بحُرقة "كان يجب أن يقتل هذا الرجل قبلَ ابنتي لأنّه شريكُها".

الحكمُ بالموتِ على سارة، في مجتمعٍ يدّعي أن الدينَ يحكمه "ليسَ شرعيًّا" البتّة، ففي حالتها، تنصّ الديانة الإسلامية، على أنّ حُكمها الجلْدُ، بينما حكمُ والدِ جنينِها، الذي فلتَ بجريمته، هو القتلُ.

المحاميةُ في مركز شؤون المرأةِ، سهير البابا، قالت لـ"بوابة الهدف"، إنّ عدداً قليلاً من القضايا التي اتُّهمت فيها النساء بالزّنا، حُكِم بأمرها في المحاكم، فعادةً ما تقتُل العائلات بناتهنّ، مرتكبات هذه الجناية، بدون الرجوعِ للقانون.

وتابعت البابا "من الصعبِ إعطاءُ إحصائيةٍ بعدد النساء اللواتي أُجبرن على العودة لمنازلهنّ بعدَ خيانة أزواجهنّ لهن -على سبيل المثال- أو حصرِ عددِ حالات الطلاق التي نجمت عن خيانة الزوجات لأزواجهنّ، فقضايا كهذه إن كانَ الرجلُ هو المخطئُ فيها، تُحلّ أغلبها بواسطة رجال الإصلاح وتعود المرأة للمنزل، أو تُطلّق النساءُ المخطئاتُ ولكن بحجة قانونية الخيانة الزوجية لا تكون أحدها بسبب عادات وتقاليد مجتمع غزة المحافظ".

ولفتت إلى أن النساءَ اللواتي ترتكبنَ جنايةَ الخيانةِ ويُحاكَمنَ، يخرجنَ منبوذاتٍ من المجتمع والعائلة، ويفقدن فعليًا حقهنّ في متابعة حياتهنّ بشكلٍ طبيعي، في حين أنّه بإمكان الرجل المُرتكب لنفسِ الجناية مواصلة حياته، بدون تحمُّل أيّة تبعات اجتماعية مُرهِقة، ناهيك عن استعجال العائلات بقتل بناتهنّ، مرتكِبات المُواقعة غير المشروعة وفقَ القانون، مقابل التجاوز عن شُركائِهنّ!".

(أمل .ش) طُلقت حديثًا من زوجها لأنه اكتشفَ رسالةً بينها وبين زميلها في الجامعة، يُذكّرها فيها بعلاقة الحبّ التي كانت بينهما ولم يُكتب لها أن تكتمل. قالت لـ"بوابة الهدف": منذُ طُلِّقت، لم أبكِ على زوجي، ولا حتى على زميلي الجامعي الذي راسلني ليُذكّرني بأمرٍ انتهى قبلَ الزواج، ولكن ما يُبكيني فعلًا هو أن زوجي الذي اتّهمني بالخيانة هجرتُه أكثرَ من عشرين مرةٍ في سنوات زواجنا التسع، لاكتشافي بأنّه على علاقاتٍ غراميةٍ بفتيات على الانترنت.

تابعت "كُنتُ في كلّ مرةٍ أصادف فيها محادثاته، أو حتى أفتش عنها، أترك المنزل وأحمل معي طفليَّ، وأُقسم بأنّني لن أعود له مرةً ثانية، وفي كل مرة كان رجال العائلة والمُصلحين الاجتماعيّين يأتون ويتعهّدون لي بأنّه لن يُعيد الكَرَّة، وبأنّ عودتي له أفضلٌ لي، وبدونها فإنّي أخربُ بيتي بيدي. ولمّا اكتشفَ زوجي رسالةِ زميلي الجامعيّ، وقفَ الجميعُ معَه في أمرِ طلاقي"، وتساءلت ساخرةً "كيفَ يُبقى رجلٌ بصفاته امرأةً خائنةً مثلي في منزله؟!".

المُختار أبو خليل صبرة كانَ شاهدًا على "ردّ" عدّة زوجات إلى منازلهنّ بعدَ اكتشافهنّ خيانة أزواجهنّ لهنّ، قال لـ"بوابة الهدف": ضغطنا على عشراتِ النساء كي يُعدن إلى منازلهن بعدَ تعرضهنّ للخيانة أو الضرب والإهانة من قِبَل أزواجهنّ، ولم نتمكن في بعض المرات من إعادة زوجاتٍ مُخطئات لأزواجهنّ، لأنّه جرى العرفُ بأنّ تقبل العائلات عودة ابنتها لرجلٍ خانها مع نساء أخريات، فيما ترفض عودةُ الرّجل لزوجته إن خانته مع غيرِه، حتى لو تابت عن ذلك".

يسعى حالياً عددٌ من رجال الإصلاح والمخاتير إلى إعادة زوجيْن، افترقا لأن الرّجل يُريد من زوجته أن تخدم أصدقاءه اللذين يتعاطون معه المواد المخدرة داخل المنزل، عن هذه الحادثة قال المختار صبرة "أنا أرفض عودة هذه الزوجة، لأنها سبق أن عادت إليه بعدَ انفصالٍ غير رسميّ وتعهّدٍ بأنه سيقلع عن تعاطي المخدرات، إلّا أنّه لم يفعل، كما أنّه ما ينفكّ يضربها". مُتسائلًا "لماذا نُجبر بناتنا على العودة إلى حياة تعيسة كهذه، وهل كان أحدٌ سيقبل بأن يعود الرجل لزوجته إن كانت هي من تتعاطى المخدرات؟!".

وأضاف "أذكر قصةً لرجلٍ تزوج من شابة بعد وفاة زوجته الأولى، رغمَ نصائح الناس له بأنها سيئة السلوك، حاول تعديل سلوكِها، إلّا أنّها لم تستجِب حتى اضطرّ لطلاقها"، مُشيراً إلى أنّ الرجل حاول تحدّي المجتمع بالمحافظة على زواجه غير أن سلوك زوجته السيئ و"كثرة كلام الناس" دفعاه لإنهاء الزواج.

(علا. ح) فتاة تبلغ من العمر 29 عامًا، بدأت بالتدخين قبلَ ثلاثة سنواتٍ إثر مشكلة "عويصة" صادفتها في عملها، وفقَ قولها. ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع عن التدخين، لقناعتها بأنّه خيارٌ شخصيّ، وإذا ما فكّرت بتركه، سيكون هذا وفقَ رغبتها هيَ، لا رغبة المجتمع.

تُخفي الفتاةُ السمراء أمرَ التدخين عن والدها وشقيقيْها المدمنين عليه، فهي على ثقةٍ أنها ستتعرضُ للضربِ والحبسِ في المنزل إن اكتشفوا أمرَها. تابعت في حديثها مع "بوابة الهدف": اعتدْنا على أنّ التدخينَ خاصٌ بالرجال فقط، وصدرت الكثير من القرارات بمنع الفتيات من التدخين وشرب الشيشة في الأماكن العامة، وكنتُ ألاحظ كيفَ ينظر لي بعض مُرتادي المقاهي التي أزورها باحتقار لأنّني أُدخّن، وكيف كانوا ينفثون دخان سجائرهم بقرفٍ لرؤيتي".

أضافت علا، الحاصلةُ على شهادة الماجستير في الصحة النفسية، مُتهكمةً "تعرّفتُ على مجموعةِ فتياتٍ يشاركنَنِي الجريمة –في إشارة للتدخين-، وها نحن نخشى من اكتشاف أمرِنا من مرتكبي الجريمة نفسها من الرجال، ففي الوقت الذي نُخفي فيه علبة السجائر في جيوبٍ سحريّة داخل حقائبنا، يتفاخرون هُم بانتفاخ جيوبهم من علبِ السجائر".

فلماذا يعاقبُ المجتمعُ في غزة المرأة على أخطاءٍ تُماثلُ أخطاءَ الرجل، فيما تُطلَق يدُ الأخير لارتكاب المزيد من الأخطاء والجرائم بدون حسابٍ، وفي أفضل الأحوال، بحسابٍ أقلّ وطأةً.

المختصُّ النفسيّ والاجتماعيّ زهير ملاخة، قال لـ"بوابة الهدف": إنّ العادات والتقاليد تتحكم في محاسبة المجتمعِ للنساء، ففي المجتمعات العربية التي تعتبر الرجل هو المسؤول الأول عن العائلة، يمكن له أن يتجرّأ على ارتكاب أخطاءٍ تتناسب مع ذكوريّته، كالتدخين على سبيل المثال - باعتباره خطرٌ على الصحة ومُهدرٌ للمال- بينما يجب على المرأة، وفق قوانين المجتمع ذاته، أن تلتزم بالحياء العام، الذي يرى أن السيجارة في يدها خدشٌ له، بالإضافة إلى الرّبط الدائم بينَ سلوك النساء وكرامة وسمعة ذويها من الرجال".

وتابع ملاخة "إنّ الخطأَ خطأٌ أياً كان مُرتكبُه، والتمييزُ في المحاسبةِ على نفس السلوك بينَ الرجال والنساء مرفوضٌ، ويجب أن يتصدّى له المجتمع، وأن يُعيد تقييم الثقافة المحلّية في غزّة ويعمل على إحلال القواعد والمعاملات الإنسانية والأدبية الصحيحة، وهذا أمرٌ ليس سهلًا بالمطلق".

متعلقات
انشر عبر