على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

بين المأمول والممكن.. كيف يمكن تقريب "البعيد" في ملف الأمن؟!

25 تشرين ثاني / أكتوبر 2017
أرشيفية
أرشيفية

غزة_ بيسان الشرافي_ خاص بوابة الهدف

دوريةُ أمنٍ فلسطينيّة تُصادف جنديًا صهيونيًا "تاه"، فتُعيدُه إلى جيش الاحتلال على الفور. مشهدٌ يتكرّر في مناطق الضفة المُحتلة، آخرُ حدثٍ مُشابه وقع منذ ثلاثة أيّام، في بيت أُمّر شمال الخليل. وفي مشهدٍ مُقابلٍ، لا تزالُ المقاومةُ في غزّة تُحكمُ قبضَتها على 3 جنودٍ صهاينة، أحدهم برُتبةِ ضابطٍ، ما انفكّت طوال ثلاثة سنواتٍ تتغنّى بتمكّنها من أسرِهم، واستبسالها في الصمتِ عن أيّة معلوماتٍ عنهم "بدون ثمن"، في الوقتِ الذي تتلهّف فيه لأيّةِ فُرصةٍ أخرى كي تأسِر المزيد.

مشهدان مُتقابلان مُتناقضان، يعكسُ كلٌ منهما "عقيدةً أمنيّةً" مُغايرة عن الأخرى، في التعامل مع الاحتلال الصهيوني. فتلك التي في الضفّة عقيدةُ التنسيقِ الأمني مع سلطات الكيان والارتباط بكل ما هو مُوقعٌ معها من اتفاقيّاتٍ في هذا المجال، في حين أنّ "عقيدةَ غزة" الأمنيّة، هي المقاومة والمقارعة الدائمة للعدو الصهيوني "فإن لم تكُن تستعرُ الآن، فغدًا لا محالة".

"العقيدةُ الأمنية" مُصطلحٌ تكرّر في تصريحات حركتيّ فتح وحماس، مُؤخًرًا، وتحديدًا حول مدى اختلافها وتناقضها، ما بين غزة والضفة.

تصلّب في المواقف

رئيس حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار، وخلال لقائه مع الشباب في غزّة، بتاريخ 21 أكتوبر الجاري، أرجع سبب "تفجّر الخلاف" في ملفّ الأمن خلال حوارات القاهرة مع حركة فتح إلى "اختلاف العقيدة الأمنية لأجهزة الضفة عن عقيدة الأجهزة في غزة". لافتًا إلى أنّ حركته "لم تعد تناقش فكرة الاعتراف بـإسرائيل من عدمه"، مُتجاوزةً هذا إلى "نِقاشها كيفية انتزاع الكيان وسحقه من الوجود".

سبق هذا بخمسة أيّام، ما قاله عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مسؤول ملف الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية، حسين الشيخ، بأنّ "إنهاء الانقسام الفلسطيني رهنٌ بتمكين حكومة الوفاق في قطاع غزة،..، ومُفتاح هذا التمكين هو الأمن، بما يعنيه من: أمن واحد وعقيدة واحدة، هي عقيدة المؤسسة الأمنية للسلطة الفلسطينية". مُشدّداً، في مُقابلة بثّها تلفزيون "فلسطين" مساء 16 أكتوبر الجاري، ضمن برنامج ملفّ اليوم، على أنّ "اللّعب بهذه المؤسسة الأمنية وعقيدتها غير مسموح".

وسط هذا التباعد بين التصريحيْن، تُطرح تساؤلاتٍ كثيرة، تتعلّق بشكلِ الحلول التي يُمكن التوافق عليها في ملفّ الأمن، وخاصةً قضيةُ دمجُ الأجهزة الأمنية في كلٍ من غزّة والضفة، بعقيدتيهما المختلفتيْن، وما يرتبط بهذه الحلول من سيناريوهات ستُحدّد بالضرورة ملامح المرحلة المُقبلة في تاريخ الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي". يرتبطُ هذا بلا شكّ بعلامات استفهامٍ أخرى تطرق باب قضية "مصير سلاح المقاومة".

اتفاق المُصالحة الأخير الذي وقّعه وفدا فتح وحماس بالقاهرة، بتاريخ 12 أكتوبر، لم يُشفِ غليل فئاتٍ واسعة من الجماهير الفلسطينية، لإرجائه بحث قضايا عدّة "مصيريّة"، الأمرُ الذي فتح الباب على مصراعيْه أمام تخميناتٍ وتساؤلاتٍ عبّأت المشهد من جهة، وتخوّفات على مصير هذا الاتفاق من جهةٍ أخرى.

المُتحاورون في القاهرة، وبعد وُصولهم في عدّة جلسات لطُرق مسدودة في النقاش، أجّلوا بحث ملفّ الأمن بالكامل لما بعد شهر نوفمبر، الذي من المقرر أن ينعقد في أواخره لقاءُ الفصائل بالعاصمة المصرية.

الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجيّة، اللواء رُكن المُتقاعد واصف عريقات، رأى أنّ "حل القضايا العالقة في ملفّ الأمن مُمكنٌ، على قدرِ ما في ذلك من صعوبة"، راهنًا الأمر بمدى توافر الإرادة السياسيّة لدى الأطراف المُتحاورة، للتّغلب على كافة العراقيل.

عريقات أوضح أنّ الحلّ "يبدأ بدراسة مُعمّقة، تقوم بها لجنة أمنية يتم تشكيلها، تدرس الواقع على الأرض بالضفة أو غزة، تمهيدًا لتقديم اقتراحات لإعادة بناء وتوحيد وهيكلة الأجهزة الأمنية على أساس عقيدة أمنية وقتالية مُحدّدة، وسياسات أمنيّة تحكم العمل". على أن تُحدّد هذه السياسات تبعًا لـ "من هم الأعداء، المخاطر الداخلية والخارجية، الأهداف الأمنية الآن ولاحقًا".

"ويجب الأخذ بعين الاعتبار وجود اتفاقيات بين السلطة والإسرائيليين، وكذلك معايير دولية لعمل المؤسسات الأمنية الفلسطينية، سواء كانت شُرَطيّة أو قوات أمن وطني، كما أنّها محكومةٌ بماهيّة السيناريوهات المُحتملة لتطوّر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".

وتحدّث عريقات عن سيناريوهيْن يُحدّدان بالضرورة شكل الحلّ الذي يُمكن التوصّل إليه وتطبيقه فعليًا، في الملف الأمني، وهما: سيناريو المواجهة "بما يعنيه الابقاء على سلاح المقاومة مشرعاً في وجهة الاحتلال"، وسيناريو  الاستمرار في تنفيذ الاتفاقيات الامنية مع الاحتلال ورؤية السلطة فيما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية.

"نرفض الدمج أو الإبقاء".. والحل؟

الشيخ، الذي عبّر عن تصلّب حركته خلف موقفها الرافض للحلّ القائم على الإبقاء على الأجهزة الأمنية بغزّة، ودمج 3000 موظف جديد فيها، قال إنّ ما يجب أن يحدث هو "إعادة بناء وهيكلة المؤسسة الأمنية بغزة لتتبع العقيدة الأمنية لأجهزة السلطة بالضفة". وهو ما يُخالف نصوص اتفاق 2011، الذي شكّل الأساس لاتفاق المُصالحة الأخير في القاهرة. كما أنّ تصريحات غالبية فصائل المقاومة في قطاع غزة رفضت ، صراحةً وضمنًا، عدم قبولها اتّباع "عقيدة التنسيق الأمني" التي تتبعها السلطة في الضفة المحتلة.

أحدث تلك التصريحات أدلى بها السنوار، الثلاثاء 25 أكتوبر، خلال لقائه النقابات المهنية بغزّة، إذ قال "لا يمكن أن نعترف بإسرائيل أو نتنازل عن سلاحنا أو أي ثابت من ثوابتنا"، رافضًا كل الشروط "الإسرائيلية" حول المصالحة.

السنوار أضاف أنّ حماس "جاهزة للتنازل وطنياً وداخلياً لأبعد حد، أمّا أمام العدو فلن تتنازل"، مُشدّدًا بالقول "شعبنا لا يزال في مرحلة تحرير وطني، لا يمكن أن نستغني عن سلاحنا، وسلاحنا بالتأكيد يجب أن يكون تحت مظلة وطنية جامعة يشارك فيها الكل الفلسطيني، وهي مظلة منظمة التحرير".

وعودةً لرأي الخبير الأمني واصف عريقات، فإنّه عزا موقف الحكومة المُتعنّت إلى "اتّباعها قوانين ناظمة وتعليمات وسياسة محددة، مُستمدّة من الرئاسة، والوضع السياسي الفلسطيني العام،..، لكنّ فيما يتعلّق بالعقيدة والسياسات الأمنية وتحديد الأعداء والمخاطر، يجب أن يكون هناك استراتيجية وطنية، متفق عليها، تتأتّى من خلال عقد اجتماعات متكررة ومتلاحقة بين الفصائل الفلسطينية".

عقيدتان؟ .. سيناريوهان!

"هذا السؤالُ محكومٌ عند رأس الهرم الفلسطينيّ في غزّة، ورأسه في الضفة، وبما سبق الإشارة إليه حول ضرورة تحديد السيناريو المُحتمل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، ردّ اللواء ركن واصف عريقات.

وأوضح أنّه إنّ كان المُرجّح هو سيناريو المواجهة، فإن هذا يعني أن يتمّ تأهيل وإعادة بناء قدرات وسياسات الأجهزة الأمنية على هذا الأساس. أمّا إن كان السيناريو المُحتمل هو سيناريو الاستمرار في التقيد بالتنسيق الامني، فهذا يحتاج سياسةً ومنهجيةً مُختلفةً تماماً.

"ما سيتمّ التوصّل إليه ليس حلًا نتمنّاه جميعًا، إنّما حلًا وسَطًا؛ فالموضوع ليس سهلًا وهو معقّد ومركّب".

ماذا عن إمكانية دمج السيناريوهيْن؟!، رأى الخبير الأمني أنّه "من المهم وجود مُرونة في تغيير الخُطط، فمثلًا إنْ كان التوجّه سلميًا، فلدى الفلسطينيين تجاربٌ كافية ووافية، بدلالة أنّ العمل قبل سنوات الانقسام كان مشتركًا بين الضفة وغزة، في كافة المؤسسات الأمنية، وكانت الاستراتيجية تقريباً واحدة، إنّما بعد الانقسام، حدثَ الشرخُ في أداء الأجهزة هُنا والأجهزة هُناك"، مُجدّدًا التأكيد على أنّه رغم هذا التباعد فإنّ "التوافق ممكنٌ".

فهل يكون السيناريو الثالث هو "الحل السحري" لهذه القضيّة؟ ما يُمكّن من تشكيل ورقتيّن رابحتيْن تعملان معًا: قوة عسكريّة في القطاع، وقوة دبلوماسية في الضفة المحتلة.

وهذا يُعيدنا لما بادرت حماس لعرضه على الرئيس محمود عباس حول سعي السلطة لاستخدام ورقة غزة "الرابحة"، فقال السنوار "إذا فكّر أبو مازن أن يُدير عملية سياسية استنادًا إلى هذا السلاح –سلاح المقاومة- فسيُحقّق إنجازات كبيرة"، لافتًا إلى أنّ ما وُرّد لغزّة من السلاح خلال العاميْن الماضيين يفوق ما وُرّد إليها خلال 10 سنوات. 

لكنّ يبدو أنّ "بُعبع" الباب المُغلق ما ينفكّ يُلاحق كل طرحٍ في هذا الملف الصعب، فجاء ردُّ الرئيس على تصريحات السنوار هذه بأنّه "لن يقبل".

وفي ظلّ هذا التناقض، لم يستعبد الخبير الأمني أن يتم اللّجوء للتعديل على نصوص اتفاق 2011 فيما يتعلّق ببند الأمن "فلا يُوجد نص ثابت، إذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، من أجل الوصول لحلول قابلة للتنفيذ،..، لكن يجب على كافة الأطراف واللجان المُختصّة الأخذ بعين الاعتبار أنّنا محكومون بسياسات واتفاقات وإمكانيات، ومعايير دولية، وسيناريوهات مُحتملة".

يُشار إلى أنّ البند المُتعلّق بعقيدة قوى الأمن في اتفاق 2011 ينص على التالي "تنطلق عقيدة الأجهزة الأمنية وفق ما نص عليه القانون الأساسي (المادة 84) مع إضافة جملة "وحماية حقوقه المشروعة".

وتختصّ المادة (84) بـقوات الأمن والشرطة، وتنص في بندها الأول على أنّ "قوات الأمن والشرطة قوة نظامية وهي القوة المسلحة في البلاد وتنحصر وظيفتها في الدفاع عن الوطن وخدمة الشعب (وحماية حقوقه المشروعة) وحماية المجتمع والسهر على حفظ الأمن والنظام العام والآداب العامة وتؤدي واجبها في الحدود التي رسمها القانون في احترام كامل للحقوق والحريات". وفي بندها الثاني "تنظم قوات الأمن والشرطة بقانون".

دمج الأجهزة.. أين المُعضِلة؟ 

عريقات بيّن أنّ هناك مُحدّدات ومعايير مُعيّنة للدمج، مُشيرًا إلى أنّ كلًا من: أجهزة الشرطة والدفاع المدني والأمن الوقائي، والأمن الرئاسي والقوة التنفيذية للشرطة، لا خلافَ عليها، فمهامُها واضحةٌ ومعروفةٌ في حفظِ الأمنِ وسيادة القانون، وعليه لا مشكلة في دمجها وهو أمرٌ هيّن. إنّما العقدةُ تكمن في قوات الأمن الوطني "بمعنى الجيش والاستخبارات العسكرية"، وهذا بحاجة لاستراتيجية وطنية وعقيدة قتالية وأمنية يتم التوافق عليها.

"يُمكن التوصل لهذه الاستراتيجيّة بتشكيل قيادة مؤسساتية تُشكل مرجعية لهذه المؤسسات الأمنية، قادرة على أن تقوم بعملية إعادة فرز العاملين، وتحديد مواصفاتهم وطبيعتهم، وإعداد الأشخاص الملائمين لتنفيذ المهام المُلقاة على عواتقهم، وتنظيم خطة إعادة تأهيل وبناء. في هذه المراحل الثلاث يُمكن تنظيم العملية برمّتها، وهي المَهمة التي من المقرر أن يقوم بها الوفد المُنتظر قدومه لقطاع غزة، من قيادات الأجهزة الأمنية بالضفة، كما يُمكن إشراك مؤسسات المجتمع المدني، وهذا يمكن أن يُسهّل على هذه القيادة التوصّل لحلول، إذ سبق للمجتمع المدني أن قدّم رؤية صائبة ونافذة" حسب عريقات.

لكنّ، يبقى هذا المُقترح من اللواء عريقات مُقتصرٌ على محاولات حلِّ ما هو "فوق الأرض" في ملفّ الأمن، كما اصطُلح على تسميته في حوارات القاهرة، فيما يظلّ التساؤل قائم حول شكل الحلّ لما هو "تحت الأرض".

فعلى النّقيض ممّا قاله السنوار، في السطور أعلاه، جدّد حسين الشيخ التأكيد على رفض السلطة قطعيًا الحديث عن سلاح آخر عدا "السلاح الشرعي" وهو سلاح الأجهزة الأمنية للسلطة، مُعتبرًا أنّ أي طرحٍ آخر حول وجود سلاح آخر سيكون بمثابة "حديثٍ عن ميليشيات وتعدّد سلطات وقوانين وقرارات، وليس حكومة واحدة، وهو الشرط الأساس لتطبيق اتفاق المصالحة".

كما أشار الشيخ إلى أنّ "قرار الرئيس محمود عباس بفتح باب التجنيد في غزة يُدلل على التوجّه الإيجابي والقوي نحو تنفيذ اتفاق المصالحة، وهو يهدف لإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية". في الوقت الذي يرى فيه مُراقبون أنّ هذا القرار ما هو إلّا "محاولة من السلطة فرض سيطرتها على القطاع عبر باب الأجهزة الأمنية، في خطوةٍ استباقيّة لأي حلول توافقيّة".

الحل
ولفتح هذا الطريق المُلغّم بالعراقيل والتناقض، قال واصف عريقات: تجبُ الإجابة على تساؤلٍ واحدٍ مُركّب، وهو: من نحن، وماذا نريد، وكيف نُحقق ما نريد؟، الإجابة على هذه الأسئلة تُحدد كيفية وجود هذا السلاح.

"السلاحُ الفلسطينيّ يجب أن يبقى، وهو موجودٌ في الضفة لكنّه محكوم بتعليمات إدارية وبقوانين واتفاقيات، كما أن السلاح الموجود في غزة، محكومٌ، لكنّ سقفَه أعلى من سقف "سلاح الضفة". قال عريقات، ورأى أنّه يُمكن "توحيد السقوف إذا ما تمّ التوصل لاستراتيجية وطنية واحدة، وهو مرتبط بما سبق ذكره من ضرورة تحديد السيناريوهات المُحتملة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي".

وختم بالقول "إنّ الحلّ ممكنٌ، والنّفوس قبل النصوص" في إشارة إلى أنّ الإرادة السياسية الحقيقيّة الجادّة لدى المُتحاورين في الرغبة للتوصّل لحلّ جذري ونهائي لمأساة الانقسام الفلسطيني، هي التي ستمكّن من الوصول بالفعل إلى هذا الحلّ، ومن ثمّ تطبيقه.

تبقى هذه أمنياتٌ وتلكَ تحليلات، وما بينهما مصيرُ مجهولٌ لفلسطينيين، ما ينفكّ مُستقبلهم يُرهن لتواريخٍ ووقائع تُحدّدها السياسة ويفرضها السياسيّون وحدَهم.  

متعلقات
انشر عبر