على مدار الساعة
أخبار » آراء

أبي وهو يستنبت الأمل في دفيئة الحياة

30 حزيران / أكتوبر 2017
كميل أبو حنيش
كميل أبو حنيش

بقلم / كميل أبو حنيش

اعتذر والدي عن القدوم لزيارتي معللاً ذلك بأسباب صحية وأعباء العمل التي تثقل كاهله، وهو الذي ينال تصريحاً سنوياً لزيارتي، لم أعتب عليه لأنني أفهم شخصية والدي الذي يعشق الأرض، ويدمن الالتصاق بها؛ فمعظم أيام العام وشتى الفصول كلها أيام عمل بالنسبة إليه، وكأنه خلق فقط ليعمل دون كلل أو ملل، وسيمضي حياته متنقلاً بين الأغوار حيث بيارته وزراعته الحديثة وبين القرية حيث زراعة القمح ومواسم قطاف الزيتون وما بينهما من حراسة وبذار وتقسيم وقطاف للمحاصيل، وهي مهنة أدمنها والدي ولا يكاد يتقن أي مهنة سواها.

أعود بذاكرتي مع هذا الوالد الطيب الملتصق بالأرض وبالأغوار تحديداً حيث بيارات البرتقال والسواقي والبلابل والحساسين وبيوت الطين والشوارع الترابية وبساطة الحياة، وهي حياة تترك بصمتها بسكان ذلك المكان الذين انصهروا مع الطبيعة وصاروا جزءاً منها، وهناك تغدو العلاقات الإنسانية على طبيعتها لا تلوثها المصالح والأحقاد وتعقيدات الحياة.

 وأهالي الأغوار عموماً هم المنزرعون بأراضيهم وبياراتهم، يعيشون ظروف حياة بائسة في سقائف من الطين والخيم والباصات لأن الاحتلال يضيق عليهم الخناق ويمنعهم من بناء البيوت، وهذه المنطقة تشكّل سلة غذاء الضفة، ويحاول الاحتلال بكل السبل الاستيلاء عليها وتهجير سكانها.

أذكر في بدايات الانتفاضة الأولى حين اضطر والدي إلى اقتلاع مساحة من بيارته لزراعة الخضراوات إلى جانب الحمضيات لكي ينوع من مزروعاته في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية في تلك المرحلة، وكنا حينها نعتاد النزول في فصول الشتاء والربيع والخريف لمساعدة الوالد حيث نتكدس جميعاً في سقيفة الطين على ضوء السراج وكانون النار وحكايات لأمي لأخوتي الصغار قبل ذهابهم للنوم.

أذكر تلك الأيام البائسة وكانت بدايات العام 1988 وفي ذروة الانتفاضة، وكان اليوم الأول مع زراعة الخضار، وكان شتاءً قاسياً وفوجئنا بموجة صقيع أتلفت المزروعات اليانعة وتعرض لوالدي للخسارة، ولكنه لم يستسلم وهذا تكرر ثانية في الربيع، وكنا في تلك الأيام نهلك من شدة التعب، وبعد اقتراب موعد القطاف انخفضت أسعار الخضار ووصلت إلى الحضيض، وتعرضنا للخسارة ثانية، مرض أبي يومها وكثرت المشاجرات بينه وبين الوالدة التي حملت أبنائها وعادت بهم إلى القرية، ولكنه رفض الاستسلام وكان عنيداً ومثابراً على البقاء، وتشبث بالأرض فهو يعتبرها القيمة والغاية والوسيلة، وليس مهماً لديه الخسائر المادية المهم أن يبقى منزرعاً بالأرض، لم يحظَ والدي بنصيبه من التعليم لكن لديه ثقافة بسيطة تشكّل خليطاً من الأفكار القومية الناصرية والشيوعية الرومانسية، ويصارع المحتل بموقفه الوطني العام في تشبثه بأرضه، ويدرك أنه في حال ترك الأغوار سيبتلعها الاستيطان، ويصر أبي على الزراعة، فهو وعشرات الفلاحين البسطاء يتشبثون بالأغوار كأنها قلعة حصينة وكانت خسائرهم ماثلة للعيان في كل عام، وإن تحققت بعض العوائد المادية فهي بالكاد تكفي لمصروفاتهم الشخصية.

 وتمضي السنوات وأبي يعاني ويصارع وحده للبقاء، اشترى باصاً بدلاً من سقيفة الطين وزرعه في قلب بيارته وهذا يعني أن أحواله قد بدأت بالتحسن، لم يعبئ بوجود الكهرباء فقد كان لديه مذياعاً متوسط الحجم يدمن الإصغاء إليه ومن خلاله كان يعرف كل ما يدور في أرجاء العالم، ونحن كبرنا  وأشغلتنا حياتنا وأعمالنا وجامعاتنا وظل وحده يعاند ويتشبث بأرضه كلما  تقدمت به الحياة.

 أما أنا من سجني أخذت أتابع حياة الوالد الذي يمضي معظمها في الأغوار، كان يغمرني الحنين المتدفق في تلك المناطق الخضراء الساحرة، وفي كل عام كان ثمة ما هو جديد لدى الوالد وحكاية غرامه مع الأغوار، وخلال سنوات أسري الخمسة عشر سيكون والدي قد بنى بركة كبيرة وطوّر نظام الري في مزرعته، وسيضطر لاقتلاع مزيد من الأشجار ليقيم مكانها بعض البيوت البلاستيكية ويتحسن انتاجه الزراعي، والأهم من كل ذلك سيتمكن والدي من بناء غرفة اسمنتية مجازفاً بإمكانية هدمها على أيدي الاحتلال.

ومع الوقت الغرفة صارت غرفتين ثم ثلاثة وبذلك تمكن والدي من بناء مملكته الصغيرة متربعاً على عرشها، وانتصر أخيراً بطريقته الخاصة متشبثاً بالأرض وحمايتها من وحش الاستيطان والمصادرة، وعندما كبر بالسن أقنعه اخوتي بالعودة للقرية وحتى يرتاح من هذا العناء، وأن يؤجر بيارته ومزروعاته، وعاد للقرية لكنه لم يألف الحياة الجديدة وخلال ثلاث سنوات دخل المستشفى عدة مرات، ليجري خلالها عملية قلب مفتوح، ومع أول فرصة توفرت له وبعد أن تشاجر مع المستأجر عاد إلى مملكته الصغيرة، عاد إلى أشجاره ومزروعاته وحياته البسيطة، وبعد أن اقتنع الجميع بأن ثمة مردود جيد من وراء الزراعة صار الجميع يهرول وصولاً إليها.

 وهناك في الأغوار تحسنت صحته وعاد قوياً يعمل دون كلل أو ملل، يعيش عزلته الخاصة بين أشجاره ومزروعاته وبيته الصغير ولديه أصدقاء قدامى لم تلوثهم مظاهر الحياة، وهناك حافظ على ذاته ونقاء سريرته وصفاء روحه، وأهاتفه بين الحين والآخر يضحك حين يستمع لصوتي وأعاتبه مراراً على بقائه، وخصوصاً في شهر الصيف في هذا المكان شديد الحرارة، لكنه لا يعبئ بالعتاب ويكتفي ببساطة الإجابات والانهماك بالعمل، وذلك العمل الذي لا ينتهي بالنسبة إليه.

 أسأله عن عدد المحطات الفضائية التي لديه بعد أن غدى لديه كهرباء وثلاجة وتلفاز، وأداعبه بالسياسة، واسأله عن الكهرباء، وإن كانت قد قطعت لديه، ويجيبني ساخراً " إنها أفضل من الكهرباء في بيروت"، في إشارة إلى انقطاع التيار الكهربائي الدائم في لبنان.

أسأله عن العمال لديه، وأداعبه بأنه قد صار برجوازياً يمتص شقائهم، وأنني سأحرضهم للمطالبة بتحسين أجورهم، فيضحك ويسخر لأنه يعمل مثلهم وربما يتقاضون أجوراً أكثر من عائداته، ذات مرة هاتفته وكانت والدتي في زيارة عنده لمدة أسبوع، وكانت هي الأخرى سعيدة وصحتها تتحسن في ذلك المكان، سألته يومها ماذا تفعل، أجابني ساخراً " أصنع قهوة لحضرة أمك" وكانا يومها في احدى مشاجراتهما الاعتيادية، أما صنع القهوة لها فهي إشارة بمصالحة بعد مشاجرة طالما هي في ضيافته، وفي يوم الزيارة يا أبي جاءت أمي وأخي فؤاد لتلك الزيارة التي اعتذرت عنها، تحدثنا عنك قليلاً يومها ويبدو على أمي الانزعاج، إنها كانت تدافع عنك وحدها وهي من يحب انتقادك فقط.

 لا لم أعتب عليك يا أبي لأنك لم تأتِ لزيارتي لأني أعرف سر ارتباطك بالأرض، إنها حياتك ومملكتك الصغيرة في تلك العزلة الجميلة، بين زهور الليمون والبرتقال، وتغريد البلابل والحساسين وخرير الماء بين السواقي والجداول، وأدرك بعمق أنك تصارع الوجود، وسيعرف الجميع أنك كنت على حق، وسينزل عندك الزوجة والأبناء والأحفاد، وهناك لن تسمح لأحد بأن يعكر صفو حياتك، حتى الأعداء الصهاينة عندما أرسلوا لك قبل شهر إخطار عن البيت الجديد، الذي شيدته رغم أنوفهم، فسارعت لإثبات ملكيتك للأرض، وتفاديت مصائبهم، فأزعجهم صمودك وأنت تتشبث بالأرض وتزرعها وتواصل رحلة البقاء والشقاء، لم تخطئ يا أبي بعودتك للأرض والتشبث بها، وكنت مقاوماً بطريقتك الخاصة، لم تطلب من أحد من أي جهة، ولم تتسول مساعدة من أي دائرة حكومية، لأنك لا تعرف النفاق، ولا تحرك ماء وجهك على أبواب الدجالين الذين يتشدقون ليل نهار بالوطن، وهم لم تتلوث ثيابهم يوماً بوحله وترابه، وستواصل رعاية أشجارك ومزروعاتك، ولن أعاتبك لأنك اقتلعت الأشجار الغالية عليك لصالح الزراعة الحديثة، لأنني أعرف أنني سأنكئ جرحاً عميقاً داخلك، ستقول لي لأنك تريد المناورة لكسب الوقت، لإقناع الجميع بجدوى الزراعة، وبهذا فإنك جمعت بين التقليدية والحداثة في الزراعة.

 ومن حولك يا أبي المحتل وقطعان مستوطنيه فعلى الجبل قبالتك معسكراً كبيراً للجيش، ومن خلفك مستوطنة حمراء وأنت بينهما تقاوم ولم تحفل يوماً بإجراءاتهم وممارساتهم وبالماء القليل الذي تبقى بعد أن سرقوه، تواصل رحلة الصمود ومزاولة رحلتك الأزلية، فهي القيمة والغاية والوسيلة بالنسبة لك، ولن يفهم أحد أنك امتداد لذلك التاريخ الطويل من الشقاء الإنساني، الذين اعتاد اللصوص والتجار على سرقة ثمرة عرقهم وشقائهم وجهدهم، وستظل يا والدي العزيز تعشق رائحة التراب، ولن تحفل بما سيقول التاريخ عنك، لأنك تنتمي لذلك الجمهور الصامد ، والمعذب في أرجاء المعمورة وعلى مدار التاريخ، وكم هي الصور والذكريات التي ترتبط بعالم الأغوار الساحر، ويظل يتكرر في ذاكرتي في ذلك اليوم البعيد، حين كنت في الرابعة من عمري، وكان شتاءً ماطراً بغزارة، وعند الصحو أخذتني يا أبي مع أمي لنرى فيضان الوادي وقطعنا مسافة بين البيارات، إلى أن وصلنا أسفل بيارتنا حيث بهرنا منظر الوادي، وحينها قلت يومها أنه يشبه البحر، ويومها كان البحر جارفاً وهائجاً، وسأعود وحدي في اليوم التالي لأرى البحر وأضيع يومها يا أبي بين البيارات، وستبحث عني طويلاً إلى أن وجدتموني تائهاً، وعندها هتفت منبهراً بأنني قد حققت انجازاً لقد رأيت البحر، وسأجزع يا والدي حين أخبرتني قبل سنوات أنه لم يعد هناك وادٍ فقد أصابها الجفاف، فحزنت حينها وتذكرت الطاهر وتار في رواية "اللاز" حين يكرر " ولا يبقى في الوادي إلا الحجارة"، أين اختفى الوادي يا أبي؟! أين اختفى الوادي الساحر يا أبي بمياهه وعصافيره وأشجار البوص على جانبيه؟!.

 وهذا الجفاف يا أبي هو من ألهمني بكتابة رواية الكبسولة، لقد أعدته للحياة وأسست نصوص الرواية بالشعر وبهذا استعدت ... الوادي بأبطاله الحقيقيين من خلال رواية تغني للحياة وتلعن مرحلة الجفاف ، إنه عصر الجفاف جفت عيني التي كانت تسقي الأغوار وتزود الوادي بالماء ، كيف تسنى لكم أن تسقوا محاصيلكم بعد هذا الجفاف، فهل أبوح بسرك يا أبي وأعلن كيف تسنى لك مقاومة الجفاف والانتصار على الحياة وعلى أعداء الحياة؟، فيا من علمتني سر ذلك لعلك تذكر يوم جئتك بحبة برتقال كنت قد اقتطفتها لك من بيارتنا وكنت يومها مريضاً وقلت لك أنها ليست من بيارتك تأملتها يوماً وأجبت حينها ببساطة الفلاح كأنك تقول شعراً "بلى إنها من بيارتي أشم رائحة عرقي عليها"، ولعلك تذكر ذلك الثعبان الذي ربيته لمطاردة الفئران التي كنت تكرهها . حدث ذلك حين أرهقك ذلك الفأر الذي كان يقطر خبزاً والذي اعتاد أن يخرب لك حاجيات بيتك، حاولت مراراً الإيقاع به، ولكنه كان ذكياً في تفادي المصائد إلى أن جاء ذلك اليوم وكنت مستلقي على سريرك داخل الباص وتدخن بإفراط حائراً في كيفية الإيقاع به وتحدق به وهو يتقافز أمامك، وفجأة يتسلل ذلك الثعبان الأسود إلى الداخل، ويطارد الفأر مطاردة شاقة وطويلة إلى أن تمكن منه، وعندها ابتهجت وغدى ذلك الثعبان صديقك تمر من جانبه ويمر من جانبك دون أن يؤذي أحدكما الآخر، وحين زارتك أمي صرخت مستنجدة وهي ترى الثعبان يتكوم داخل البيت فأجبتها بهدوء " دعيه وشأنه إنه صديقي" ولفت انتباهي يا أبي أنني كلما تجولت بين أشجار البرتقال فإن الحمام يطير من أعشاشه بينما لا يفعل ذلك يا أبي إذا تجولت أنت وسألتك يومها لماذا لا يطير الحمام إذا رآك يا أبي؟ وكنت تضيق ذرعاً بأسئلتي الشاعري وتكتفي بالإجابة بأنك لا تدري. لكنني سأحتاج إلى أكثر من ثلاثين عاماً لأعرف لماذا لا يطير الحمام انه سر الطبيعة والعلاقة معها قلبك منسجماً كان مع من حولك تتعاطف معها وتأمن إليك، وآه لو تعلم يا أبي كم سأتوق إلى ذلك المكان الساحر بجماله وبساطة حياته وكم ستحزن إذا أخبرتك أننا كنا في السجن لا نرى سوى الأسمنت وأسوار الحديد، وستجد من وضع عرق نعناع أخضر وحبة بطاطة أو بضعة حبات من العدس في صحن صغير يتغذى على القطن المبلول ليكون بوسعنا أن نرى اللون الأخضر، ونعوض ذلك الحرمان.

 وكم أتمنى يا والدي العزيز أن تتلوث ثيابي بالتراب وأنا أشم زهور الأغوار، حتى العصافير والحمام باتت مسجونة مثلنا داخل قفص في ساحة السجن وباتت تألفنا وبتنا نألفها، وهكذا تعلمت سر الألفة بين الكائنات إنها تبدأ في القلب وتنتهي بالقلب، وهكذا تعلم أبو فراس الحمداني قبلنا منذ أكثر من ألف عام هذا السر وهو في سجنه حين قال" أقول وقد ناحت بقربي حمامة. أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟" وسأكتب أنا قصيدة مطولة لحمامة سعيدة لفتت انتباهي أقول فيها " هدلت بقربي بالصباح حمامة وأنا بنافذتي، فهوى بذهن أبا فراس قائلاً يا جارة لو تعطفين بحالي". مهلاً فتى حمدان كيف عرفت أن حمامة ناحت بسوء الحال فلربما كانت تغازل بعلها مفتونة بتغنج ودلال، أو قد سحرها بريق الغيب على أمل الإياب في رحلة أعيتني، إذ أنها كانت تصلي إذ رأتك مزنر الرصغين بالأغلال، مهلاً فتى حمدان ليس الطير إلا منبهاً خيراً وخير الفأل. ولم أقل لك يا أبي أنني أشم رائحة يدك كلما سمعت صوتك وأشم رائحة الطبيعة.. أعشابها وأشجارها وترابها ولن يطول بنا الوقت حتى نعانق الحرية وهناك سنلتقي تحديداً تحت الشمس وبين الأشجار، وهناك سيألفني الحمام ولن يطير عن الشجر بعد أن أدركت سر الطبيعة.

 لقد انتصرت يا أبي في قلعتك التي شيدتها بالعرق والشقاء، وتجذرت بأرضك متحدياً أطماع المستعمرين الغرباء وستسخر حين ترى المتشدقين وهم يدينون الاستيطان وسرقة الأرض على الفضائيات والذين لا يكون بوسعهم منع دق مسمار استيطاني جديد، وحدك يا والدي ومن هم على شاكلتك من البسطاء وملح الأرض من سيحمل الأرض ويدافع عنها، وسيتشدق المتشدقون في دفاعهم عن الأغوار وستسمع عند دعم المزارع وتعزيز صموده ولم يسألك أحدهم كيف تسقي مزروعاتك بعد أن سرق العدو المياه، فإن ما يمنح امتيازات حفر آبار ارتوازية لبقايا عائلات الاقطاع الذين يبيعونك الماء بأسعار عالية، لم يسألك أحدهم كيف تسوق منتوجاتك، وهم يفتحون أسواقهم للمنتجات الزراعية الاستيطانية والمدعومة من حكمة الاحتلال، كما سيتشدق الذين يعلكون المفردات من خطاب اليسار وسيضعونك في خانة البرجوازي الصغير الذي يمتلك المزارع والبيارات، أولئك الذين لم يعملوا يوماً واحداً وسيستخدمون العمال والفلاحين كمفردات خطابية تؤسس أبحاثهم ومقابلاتهم التلفازية، ولا يعرفون أنك تبيت جائعاً في معظم الليالي، وأن الموسم يكون خاسراً في تلك السنوات، وأنك ستمضي عمرك في تسديد القروض للجمعيات والمؤسسات التي تدعّي أنها جاءت لدعم المزارع بينما تخفي غاياتها الربحية والاستغلالية، ستستمع لهذا وذاك عن دعم المزارع وتعزيز صموده وستسخر منهم وتشتمهم كعادتك وستحمل بعدها رفشك على كتفك ومقص تقليم الشجر وترتدي قبعتك وتحمل سجائرك وقهوتك وتعود للعمل، ولن تعبئ بأحد وتظل تعمل زتقاوم غطرسة المحتل ومستوطنيه، وتقاوم جشع سماسرة الأسواق وتقاوم آراء الأبناء وتذمراتهم الدائمة، وحدك ستعرف ما معنى الجوع وانقطاع السجائر والكهرباء في تلك المناطق النائية، لم يعرف أحداً كيف تكون درجة الحرارة في الصيف في تلك المناطق سوى من نشرات الأحوال الجوية.

 وكعادتك لن تتذمر ولن تشكوا لأحد، وستكون سعيداً ولن ترضى بالتقاعد كما أنك لن تتباهى بابنك الأسير لأنك تعتبر النضال ضريبة يدفعها الأحرار عن طيب خاطر، ولا زالت عازفاً عن المشاركة في حملات تكريم الأسرى وعائلاتهم، وستحزن بصمت وأنت ترى كيف يتم إهداء المناضل مجرد درع خشبي يقدم له في المناسبات، وستأنف يا أبي من عهد القطط السمينة التي حوّلت النضال لمهنة، مهنة مقاومة الجدار، مهنة مقاومة الاستيطان، مهنة العمل التطوعي، مهنة العمل الخيري، كل شيء بات مهنة لها وزارات ورتب ورواتب ومؤتمرات عالمية، وعندما عينتك أحد الجمعيات الزراعية رئيساً لإحدى اللجان الزراعية اعتبرت ذلك واجباً وطنياً وانسانياً ووزعت مشاريع النحل على المزارعين، ورفضت أن يكون لك نصيب من هذا المشروع، لأنك تعتبر ذلك فساداً، وحين منحك أحد المزارعين قليلاً من العسل الطبيعي ركضت به إلى سجن أريحا حيث يقبع أحمد سعدات ورفاقه هناك لتهديه له، وسيظل يذكر أبو غسان هذه الهدية، لكنك أنت لا تذكر لأن سندك العطاء، لن تذكر كم أهديت الناس من برتقالك وليمونك وخضراوتك لأنك تتصرف بتلقائية الطبيعة التي خلقت لتعطي، ويا أبي دامت لك الحياة ودمت لها لأنك تستحقها ودامت لك أرضك لأنك تزرعها، وهناك في أرضك ستظل تعمل وستنسى أن تصلي وتصوم رمضان تلك طقوساً جديدة عليك وستنقل لي الوالدة أثناء الزيارة بطريقة ساخرة اختراقك الدائم للطقوس الدينية، ومن سيفهم أن العمل في الأرض صلاة وعبادة، وفي الزهد في الحياة وريائها ومظاهرها أعظم الصيام، وتظل يا أبي شوكة في حلق المستوطنين الذين ينعمون بالماء والأراضي الخصبة ودعم المال والآلات والبذور والتسويق، وسيواصلون سرقة الأرض والماء ويضيقون عليك الخناق، ويمنعون الماء عن أشجارك ومزروعاتك، ثم يعوي " بنيامين نتنياهو" متبجحاً بأن دولته هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وسيصفق له جمهور الدجالين في هذا العالم، ثم يسألوننا بغباء لماذا تحملون السلاح وتقاتلون هؤلاء القوم اللطفاء! ووحدك يا أبي ومن هم على شاكلتك من يمتلكون الإجابة على هذا السؤال لأنك تعرف معنى الوجع والمرارات العميقة، ومعنى أن يسقي الفلاح شجيراته بعرق الجبين. دمت لنا يا أبي وأطال الله في عمرك وانتظرني لأني سآتي إليك في مملكتك الصغيرة بين الجداول وبيارات البرتقال وشجيرات التفلة والبلابل والحساسين وسنستمع لفيروز وهي تغني " أعطني الناي وغني وكأنها تغني لك وحدك" وحدك من بقيت يانعاً في عصر الجفاف ودافئاً في عصر الجليد، ووحدك من يمتلك بلاغة الحياة والتشبث بمعناها العميق.

( انتهى)

  • أحد أبرز قيادات الحركة الأسيرة، مسئول فرع الجبهة الشعبية في سجون الاحتلال.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر