Menu
حضارة

بلفور محاولة قراءة وتحريض هادئة

وليد عبد الرحيم

بلفور محاولة قراءة وتحريض هادئة

إن بعض ما سأقوله هنا، في مئوية بلفور الكارثية، لا ينفي مطلقاً الطبيعة الجرمية التاريخية والانسانية والسياسية والأخلاقية الكبرى لتصريح – رسالة- وزير الخارجية البريطاني الذي يمثل سياسة حكومة نازية استعمارية مجرمة، لكنه قد يلامس ضمناً تقصيرنا في آلية محاسبة بريطانيا المجرمة.

لم يولد تصريح أو وعد بلفور يتيماً، ففي العام 1907عقد في لندن مؤتمر الدول الاستعمارية الأوروبية يوم 15 ابريل نيسان حتى يوم 14 مايو أيار، أي أنه عقد لمدة شهر كامل !

ضم المؤتمر الدول الاستعمارية " بريطانيا ،فرنسا، إسبانيا، البرتغال، هولندا، بلجيكا، ، إيطاليا،" مستعيناً بخبراء في كافة المجالات ومثقفين وأكاديميين ، وصدر في نهايته التقرير النهائي لمؤتمر الدول الاستعمارية الكبرى ما يعرف حالياً باسم تقرير بانرمان –رئيس وزراء بريطانيا آنذاك- و ذكر التقرير في متنه منطقة "شمال إفريقيا" و "شرق البحر المتوسط" -أي الوطن العربي – باعتبار أنها هي الوريث المحتمل للحضارة الحديثة  بعد أفول الغرب الاستعماري! وعقب ذلك تم الانتباه إلى الأهمية الاستثنائية الحضارية والاستراتيجية والثقافية والاقتصادية والجغرافية والدينية لفلسطين، كما وبعدها بعشر سنوات كان وعد بلفور.

... بنيت على أساس التقرير الخبيث وملحقه السري الضخم سياسة ممنهجة سرية وعلنية نتجت عنها لواحق خطيرة كاتفاقية سايكس بيكو 1916 + رسالة - وعد بلفور عام 1917 + مؤتمر فرساي عام 1919 ،وسان ريمو عام 1920، ومؤتمر سيفر عام 1920 ومؤتمر سان ريمو الثاني في العام 1923. وهكذا تم احتلال واستلاب فلسطين وتمزيق الوطن العربي إلى دويلات خوفاً من وحدته وقوته بعد خروج العثمانيين.

فيما يخص بلفور بدايةً، فقد تمت ترجمة نص وعد بلفور بطريقة مجتزأة بفعل فاعل من قبل الدوائر الصهيونية و تبنتها الأنظمة العربية المرتبطة، وإن قراءةً بعين موضوعية ستفضي إلى تفسيره بطريقتين، أو لنقل حاملين أساسيين، بُنيت الرسالة- الوعد عليهما:

  1. التآمر لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، حرفياً " للناس اليهود"، وليس " للشعب اليهودي"

ذلك أن People" " بالإنكليزية تعني في فحواها " الناس" وليس "الشعب" فاليهود ليسوا شعباً بل أتنباع ديانة، و جاء في نص الرسالة- الوعد " the Jewish people" أي اليهود أو الناس اليهود، لا الشعب كما يُروج، فالشعب ينتمي لأرض وليس لفكرة فلسفية، وهي الترجمة التي أسست لها النازية الصهيونية بحنكة بادعائها " الشعب اليهودي" وروجتها الأنظمة العربية نقلاً بقصد أو عن جهل، ومن هنا فهي تنطلق – أي الصهيونية- وتدعم أي تأويل فكري يُجمع على أساس ديني أو عرقي أو طائفي ليكوًن بالتالي إطاراً مؤسساتيا سياسيا، " أمة بوذية، أمة مسيحية، أمة إسلامية، سنية شيعية...." فذلك يبرر ضمناً فكرتها الأساس، وبالتالي فهي تنحي في الوقت ذاته مقولة" دولة بوذية، دولة مسيحية، دولة إسلامية"، وتكتفي لنفسها بهذا التحديد باعتبار أن اليهود هم أتباع الدين الوحيد الذي يتشكل من " فكرة إيمانية واحدة+ شعب و تاريخ واحد+ دولة واحدة مبنية على وعد إلهي من قبل رب اليهود النفعي يهوه "

فوعد بلفور السيء الذكر يتحدث عن الأفراد اليهود مجتمعين لمساعدتهم على بناء " قومية" غير موجودة،و وطن قومي لهم على أرض فلسطين، فلو كانوا شعباً أو أمة لكان لهم بلد -وطن، ولما كانوا بحاجة لأي دعم استعماري امبريالي لتحقيق ذلك.

  1. عدم المساس بحقوق الفلسطينيين: تنص الرسالة- الوعد حرفياً: "... على أن يفهم جلياً أنه لن يُؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى" وهذا يعني ضمناً بأن التهجير القسري والهيمنة وتغيير المعالم وانتهاك الحقوق المدنية يقوض اعتراف القوى الاستعمارية وتحديداً بريطانيا التي نفذت وعدها للصهيونية فيما يخص سلب اليهود لفلسطين، و الحفاظ على الشق- الشَّرطي الذي يتعلق بعدم المساس بالفلسطينيين، هو ما يدين الحكومة البريطانية سواء أيام الانتداب على فلسطين أو في الوقت الراهن الذي تتمسك فيه بالوعد البلفوري،وهو ما ينفي مشروعية الكيان الصهيوني ويقوض الاعتراف به، وأيضاً يتيح بالتالي للفلسطينيين الطلب بمحاكمتها دولياً وتجريمها وتحملها المسؤولية لأمور عدة أهمها تهجير الفلسطينيين بالقوة- انتهاك الحقوق المدنية للفلسطينيين، سلب وتدمير المؤسسات والمالية والجنيه الفلسطيني ورصيده الذهبي الضخم، كما مسؤولية استمرار معاناة الفلسطينيين وتشريدهم والتنكيل بهم، والمجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية والقتلى والجرحى، والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين عاشوا أيتاما، وكل ما يتعلق بتغيير السكان واستبدال المواطنين بمستوطنين، وتدمير الدولة الفلسطينية، وهذه الحقوق كلها مجتمعة أو متفرقة لا تسقط بالتقادم بناء على اعتبارات القانون الدولي والمنظمات العالمية كافة

هذا ما عنيناه في البداية من مقاصد تهويم الترجمة والتفسير، والقصد منه الابتعاد عن الحقيقي العميق وعدم الغوص في لب القضية، وتبني ما روجته الأنظمة العربية الناشئة بريطانياً وفرنسياً التي ليست بعيدة من حيث بنائها السلطوي وتوليها القُطري عن نص هذا الوعد، أهم هذه الترويجات الاستعاضة عن السياسي والقانوني بالمقولات المحنطة وأشهرها " وعد من لا يملك لمن لا يستحق"، " بلفور المشؤوم" وهكذا....

إن الاستعاضة عن المواجهة القانونية بالخطاب الرنان المسجوع ساهم من قبلنا كعرب وكفلسطينيين بتكريس الوعد الإجرامي، وهو ما برزعند فضح بعض خفايا بلفور من قبل جورج غلوي، وكان آنذاك نائباً في البرلمان البريطاني فقد نادى بتحمل مسؤولية اللاجئين، فقامت عليه الاستخبارات والحكومة البريطانية مهددة ومتهمة إياه بالعمالة للفلسطينيين والعرب وأنه لا يدرك بأن كلامه هذا "سوف يكلف بريطانيا المليارات من التعويضات إن عرف الفلسطينيون استغلاله"!.

... لم يولد وعد بلفور لحظة إطلاقه، بل كان حصيلة اجتماعات وتحضيرات سرية طويلة بين القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية ورجال المال والبنوك والحاخامات الصهاينة من يهود ومسيحيين وبخاصة البروتستانت، وبالتالي كان التصريح – الرسالة مجرد تثبيت لما اتفق عليه سابقاً، وهو مدفوع الثمن من قبل الصهاينة الذين يمثلهم في بريطانيا اللورد ليونيل روتشيلد.

إليك النص الإنكليزي حرفيا:

Foreign Office
November 2nd, 1917

Dear Lord Rothschild,

I have much pleasure in conveying to you, on behalf of His Majesty's Government, the following declaration of sympathy with Jewish Zionist aspirations which has been submitted to, and approved by, the Cabinet.

"His Majesty's Government view with favour the establishment in Palestine of a national home for the Jewish people, and will use their best endeavours to facilitate the achievement of this object, it being clearly understood that nothing shall be done which may prejudice the civil and religious rights of existing non-Jewish communities in Palestine, or the rights and political status enjoyed by Jews in any other country."

I should be grateful if you would bring this declaration to the knowledge of the Zionist Federation.

Yours,
Arthur James Balfour

وهذه ترجمته:

وزارة الخارجية

الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد                                                                           

يسعدني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد تم عرضه على الوزارة وأقرته.                                

إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى                

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح                              

المخلص

آرثر بلفور

الوعد إذن يقر بفلسطين كأرض ودولة وشعب، وهذا يعني جريمة احتلال بلد وتغيير اسمه ووضعه الديمغرافي والتاريخي لصالح أناس لا يمتون لهذا البلد بصلة فالقول فلسطين يعني وجود بلد بهذا الاسم وشعب بالضرورة ووجود حقوق مدنية ودينية، وليس" في الأراضي المقدسة كما في بعض الترجمات! وأن فلسطين" تتمتع بها المواطَنة الفلسطينية " الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين" بحقوق، ويمكن الانتباه بعناية إلى عبارة في فلسطين communities in Palestine وهو اعتراف بفلسطين كبقعة جغرافية سياسية مصنفة مأهولة بشعبها وكبلد مستقل محدد أيضاً.

لقد كان الفعل الفلسطيني والعربي بخصوص احتفال الإجرام العالمي في لندن بذكرى مئوية بلفور باهتاً، وهو ما يشي بعدم إدراك أهمية التحرك دولياً وقانونياً ضد من ساهم في مأساة وقضية فلسطين بكافة أشكالها وتفرعاتها، ومن المنطقي أن النضال الوطني الذي يبدأ بالكفاح المسلح يجب أن يتبعه نضال على كافة المستويات وفي كافة المحافل صغر شأنها أو كبر على أن يقوم بذلك مختصون وليس السفراء أو ممثلو المنظمة أو السلطة أو مجرد مسؤولين، كما يجب العمل الفوري على محاكمة الجريمة والإجرام البريطاني والصهيوني وطلب التعويضات المالية التي لا تعني أو تمس أو تنتقص من حق العودة، والممتلكات والمؤسسات، واسترجاع الرصيد المالي للجنيه الفلسطيني ورصيده الذهبي المحفوظ في لندن تحت يد اللصوص حتى اليوم، وفي هذا السياق لابد من ذكر أن منظمة التحرير كانت تعد ملفاً مع بداية القرن الحالي لتغريم بريطانيا بمئات مليارات الدولارات كتعويضات متنوعة لصالح فلسطين وشعبها.

... برلمانيون من مجلسي اللوردات والعموم البريطاني وجهوا نداءً متزامناً مع مئوية بلفور  يطالب حكومة بريطانيا بالاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة والالتزام بجميع بنود وعد بلفور وتحقيق " السلام المنشود" باعتبار أن بريطانيا تزعم أن الحقوق المتساوية للجميع تحت سلطة القانون هو أهم مبادئها.

لكن رئيسة الحكومة تيريزا ماي أصرت على الاحتفال بمئوية الجريمة ودعوة المجرمين إليها، وهو ما كان بفعل الضعف الفلسطيني والعربي، إلا أن بوريس جونس وزير الخارجية كتب مقالة تناقلتها الصحف البريطانية واصفا نفسه بـ" صديق إسرائيل" ومن ضمن ما قاله: " التحذير المهم في وعد بلفور، الذي كان يهدف إلى حماية الطوائف الأخرى، لم يتحقق" مضيفاً بأنه تأثر بقوة " بمعاناة المتضررين والمطرودين من فلسطين" وهذا ما يمكن عده أول اعتراف بمسؤولية بريطانيا عن طرد الفلسطينيين من بلدهم فلسطين، كما يمكن التأسيس القانوني عليه فهذا يعتبر أول اعتراف بريطاني رسمي صريح بنقض وعد بلفور وإبطاله.

الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله طالبت بريطانيا بالتعويض والاعتذار عن جريمتها التاريخية، والجبهة الشعبية طالبت بريطانيا بتحمل مسؤولياتها في مجمل الجريمة ووقف دعم دولة الاحتلال ومحاسبة كافة المتورطين في الجريمة.

فعاليات سياسية ومدنية وشعبية فعلت الأمر ذاته بتعبيرات شعبية وثقافية، وهذا كله توجه جيد، لكنه يجب تفعيله والعمل بجدية وعمق عليه، خاصة وأن من يعلم حقيقة السياسات الامبريالية يدرك أن تحقيق إدانة واعتراف من قبل المجرمين وفرض التعويض قد تتم في حال إنجازه مقايضته بإعادة اللاجئين إلى وطنهم أو حتى جزء منهم، دون المساس بكافة الحقوق أو التقاعس عن النضال بكافة أشكاله وكلها أشكال مشروعة حتى زوال الكيان الصهيوني وإعادة بناء فلسطين على كل ترابها.