Menu
حضارة

المشروع الكردي.. إلى أين؟!

المشروع الكردي.. إلى أين؟!

بقلم / محمد صوان

يأتي على رأس الحركة الكردية في سوريا حزب الاتحاد الديمقراطي, الذي يتزعمه صالح مسلم وأسيا عبد الله, إضافة إلى فصائل اخرى تمثل المكونات الموجودة في الشمال السوري... ويتبع لقوات سورية الديمقراطية ((قسد)) وحدات حماية الشعب, ووحدات حماية المرأة, التي تحارب الأن ضد (داعش) ويلاحظ أنه لا توجد ضمن تسميات قوات سورية الديمقراطية أي إشارة للمكون الكردي, وذلك انسجاماً مع ما توصل إليه عبدالله أوجلان أخيراً من داخل معتقله, بأن (هذا العصر ليس عصر الدولة القومية, بل هو عصر الأمة الديمقراطية), لذلك نجد مختلف مكونات شمال سورية منضوية في إطار حركة المجتمع الديمقراطي من (أكراد, وعرب, وسريان, وشركس وأرمن وأشوريين وتركمان... إلخ).

عند دراسة فكر أوجلان قبل وبعد الاعتقال, يلاحظ أن انقلاباً كاملاً في توجهاته قد حدث خلال سنوات سجنه التي تجاوزت حتى اليوم, العقد ونصف من الزمان. فقبل أن يتم اختطافه في نيروبي, ومحاكمته في تركيا ووضعه في سجن انفرادي في جزيرة ايمرلي التركية, كانت أفكاره تتلخص في أن(كردستان مستعمرة دولياً), وأنه لابد من تحريرها من مستعمريها (الترك, الفرس, العرب).

وأن النضال يجب أن يتوجه لمختلف أرجاء كردستان... فخلال سنوات السجن التي وصلت حتى اليوم إلى سبعة عشر عاماً, حدثت التحولات الفكرية لأوجلان, والتي سجلها في (11كتاباّ) قدمت جميعها إلى محكمة حقوق الإنسان الأوربية.

وفي هذه المرافعة الضخمة, يطرح أوجلان افكاره النظرية في جميع الأمور الحياتية, والتي يتبناها أنصاره على الفور بشكل مطلق. وما يهمنا هنا هو ما توصل إليه أوجلان حول أن(العصر الراهن لم يعد عصر الدولة القومية, بل عصر دولة الأمة الديمقراطية) ويرى أوجلان أن الأمة الديمقراطية هي (الحل الاجدى لمشاكل الشرق الأوسط. وللوصول إلى ذلك الهدف، ينبغي العمل على ( فك الارتباط بأنظمة الاستبداد التي ترى في الشرق الأوسط مطيّة لتناقضات مذهبية مجسمة بالمشاكل المعدة لتنفجر في اللحظة التي تريدها تلك الجهات. ويتطرق أوجلان إلى تعريف الأمة، فيعرفها بأنها ((الدولة التي تمثل وتجسد مصالح جميع مكونات الأمة)). وهي أمة التعددية التنوع والقانون والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة (وهي مجموع القوميات والمذاهب والطوائف التي يوحدها عقد اجتماعي في مجتمع ديمقراطي مشترك يكون جميع افراده أحرار، والمجموعات الحرة بإرادتها الذاتية هي القوة الدافعة والموحدة للمجتمعات المتطورة). وقد مرت الحركة الكردية في سوريا بنقلات نوعية عديدة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الأن.. ولأن العلاقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني معروفة جيداً ومن الصعب انكارها، لذلك كان التخوف التركي من هذا التحول، مما دفع مسعود البارزاني إلى ترتيب لقاء بين السلطات التركية وصالح مسلم, وطمأنتهم فيما بعد، ومع تعقيدات المشهد السوري وإطالة أزمته، ذهب حزب الاتحاد خطوة أبعد بإعلان الفيدرالية في شمال سوريا، وأطلق عليها(فيدرالية روج آفا) ليس هذا فحسب، بل أعلن حزب الاتحاد من طرف واحد أن (الدولة السورية أصبحت دولة اتحادية)، بينما هي لا تزال مركزية بموجب دستورها.... ولم يتوقف حزب الاتحاد عند ذلك، بل ذهب بعيداً فأعلن عن عقد اجتماعي لتلك الفيدرالية - دستور- . أما في شمال العراق فالمشهد مختلف، حيث الدعوة صريحة إلى الانفصال وإقامة الدولة التي تبناها بالكامل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني. ولقد تم اجراء استفتاء على (حق تقرير المصير والاستقلال) يوم25/9/2017 وكانت نتيجته بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال، وصلت إلى أكثر من (90%)...

سبق لمنظمات المجتمع المدني في شمال العراق أن نظمت استفتاء مشابهاً وغير رسمي عام 2005، وذلك إبان الاستفتاء على الدستور العراقي، حيث وضعت تلك المنظمات صناديق خارج المراكز الانتخابية، وكانت النتيجة (98%) لمصلحة حق تقرير المصير والانفصال. ولكن النهاية السعيدة لم تكتب لهذه الاستفتاءات!... ولم تقوم الدولة الكردية المستقلة حتى اليوم؟!... لأن الانفصال عن العراق وإقامة الدولة الكردية يتطلب توافق بين عوامل داخلية وإقليمية ودولية كما يتطلب أيضاً التوصل إلى حل للمشاكل البينية والعقدية مع بغداد، وأهمها مشكلة المناطق المتنازع عليها، كما يتطلب التوصل إلى حل ما مع حزب العمال الكردستاني المسيطر على المنطقة، التي يضخ عبرها نفط الشمال العراقي (المورد الرئيسي) إلى المواني التركية على البحر الأبيض ، ومن هناك إلى أوربا.

 قدر هذه المنطقة أنها صندوق مغلق، وهي محاطة بدول سواء في الحاضر أم الماضي، وربما في المستقبل، لم يحدث معها وفاق، وبالتالي من الممكن أن تصبح تجربة (دولة جنوب السودان ) الفاشلة قابلة للتكرار كما جاء في حديث بعض المعترضين داخلياً على الاستفتاء الاخير أما فكرة (الأمة الديمقراطية ونبذ فكرة الدولة القومية لمكون احادي ) فنجاحها يعتمد على مدى صدق وجدية التوجه ومدى نجاح التطبيق العملي على أرض الواقع، والأمر يحتاج إلى سنوات.

وأما الطرح الذي يقدمه اكراد سوريا، ولا يزالون ، فيقف ضد دعوات الانفصال إنهم متمسكون بوحدة سورية أرضاً وشعباً. كما جاء في ديباجة العقد الاجتماعي للفيدرالية.. ونحن بطبيعة الحال لا نفتش في النوايا وليس لنا سوى التسليم بصدق التوجه، ما داموا مع دولة الأمة الديمقراطية وربما في هذا الكلام قدر من الطوبوية والأمنيات, نأمل أن تثبت الأيام صحتها.