Menu
حضارة

«مئوية بلفور» وحقائق الصراع

علي جرادات

في الذكرى المئوية لوعد بلفور، جريمة العصر بلا منازع، عِوَضَ أن تستجيب بريطانيا الرسمية للمطلب الفلسطيني؛ الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والإقرار بخطئها التاريخي، والاعتذار عنه، اختارت التفاخر، على لسان رئيسة وزرائها، تيريزا ماي، ووزير خارجيتها، بوريس جونسون، ب(دور بريطانيا في تأسيس «إسرائيل»). بل ونظمت احتفالاً حضره كبار مسؤولي الحركة اليهودية و«إسرائيل». إن الاحتفاء البريطاني بذلك الوعد الكارثة يؤكد ما لم يعد بحاجة لبراهين جديدة، أن «إسرائيل» مصلحة حيوية عليا لدول الاستعمار «الغربي»، وأن وظيفتها الاستعمارية في المنطقة، لن تنتهي إلا بهزيمتها، وأن المواجهة مع «إسرائيل» هذه هي، بالمعنى السياسي، مواجهة مع دول الاستعمار «الغربي»، وأولاها بريطانيا التي بوعدها المشؤوم أرست الدعامة الأولى لإنشاء «إسرائيل»، عبر إحياء خرافة «الوعد الإلهي» المزعوم، وارتكاب أكبر عملية سطو سياسي، وتنفيذ أبشع عمليات تطهير عرقي مُخطَّط، عرفها التاريخ المعاصر.

هنا، كي يكون للبحث في الماضي جدوى سياسية في حاضر الصراع ومستقبله، يجدر التشديد على ثبوت أن كل رهان على دول الاستعمار «الغربي»، وبريطانيا والولايات المتحدة بالذات، لإيجاد تسوية متوازنة، (ولا نقول عادلة)، للصراع، هو مجرد «حرث للبحر»، لا أكثر ولا أقل، فهل يُعقل أن يصبح رعاة إنشاء «إسرائيل»، وداعمو توسعها وحروبها العدوانية، وما أكثرها، رعاةً محايدين لتسوية الصراع؟!

في السياق، بعد عدوان 67 قال الزعيم القومي الراحل جمال عبدالناصر: لقد اكتشفنا أننا نحارب «إسرائيل» ودول الاستعمار «الغربي» معاً. أما بريطانيا بالذات، وهي التي قادت الرعاية الاستعمارية «الغربية» للمشروع اليهودي منذ مطلع القرن الماضي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث حلت محلها الولايات المتحدة، فلم تكف يوماً عن تقديم الدعم والحماية، بكل المعاني، ل «إسرائيل». والمسؤولون البريطانيون الذين يفاخرون، اليوم، بوعد بلفور، ويحتفلون بذكرى 100 سنة على إعلانه، لا يجهلون أنهم بذلك إنما يحتفون بالظلم التاريخي الذي ألحقه أجدادهم وآباؤهم بالشعب العربي الفلسطيني. كما لا يجهلون الصراع الذي ترتب على إنشاء «إسرائيل»، بما ارتكبته من حروب عدوانية، وجرائم حرب موصوفة، وأعمال إرهاب منظمة، لا حصر لها، كلفت شعب فلسطين والشعوب العربية عموماً، ما لا يُحصى من التضحيات البشرية والخسائر المادية، وأدخلتها، ومعها شعوب المنطقة بأسرها، في حالة من عدم الاستقرار، وفقدان الأمن، واحتجاز التطور، وإعاقة التنمية، وتدمير المدن والقرى والموارد والبنى التحتية، وصولاً إلى تدمير دول وتفكيك نسيجها الوطني والمجتمعي، وإعادتها عقوداً للوراء... الخ 

أما ما ينبغي تذكير المسؤولين البريطانيين به فهو أنه لن يكون هنالك استقرار، ولا أمن، للمنطقة، بل وللعالم بأسره، مع بقاء «إسرائيل» بأحلامها العدوانية التوسعية ،والتي باتت خارج الممكن التاريخي والواقعي، في مقدمتها حلم «إسرائيل» «دولة يهودية»، وحلم تحويل الشعب الفلسطيني لغبار الأرض، وحلم «الكبار يموتون والصغار ينسون»، وحلم «ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بالمزيد من القوة».

كما ينبغي تذكير المسؤولين البريطانيين بأن الشعب الفلسطيني قد صمد، وأنه لم يسلِّم بنتائج إنشاء «إسرائيل» أو يستسلم لها. بل وانبثق من تحت ركام نكبة 48، وهزيمة 67، واستأنف مسيرة ثورات ما قبل النكبة، حيث أطلق ثورة معاصرة متعددة المحطات. فمن «معركة الكرامة»، إلى الأعمال الفدائية البطولية من خارج فلسطين وداخلها، إلى صمود بيروت الأسطوري، إلى انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، إلى انتفاضة 2000 المسلحة، إلى إفشال حروب الإبادة والتدمير على قطاع غزة، إلى هبّات جماهيرية وأعمال فدائية لم تنقطع، شهدتها الضفة و القدس و«مناطق 48» في السنوات الأخيرة، أبرزها الفعل الانتفاضي الذي انطلق في أكتوبر/تشرين الأول 2015

لذلك ليس لأحد أن يتوقع استسلام الشعب الفلسطيني الذي باتت تجمعه، رغم تشتته القسري، هوية وطنية كفاحية متجذرة، وذاكرة جمعية عصية على النسيان، وتوحده أهداف تحررية، شكلت، ولاتزال، ناظمَ كفاحه الوطني ومحركه الأساس. ما يجعل إصرار «إسرائيل» على تفكيك بنية فلسطينيي الضفة وقطاع غزة، مجرد وهْمٍ، إذ كيف يكون ذلك وقد صمدوا حين كان تعدادهم ثلاثة أرباع مليون بعد عدوان 67، بينما هم الآن 5 ملايين؟! أما مسعى «أسرلة» فلسطينيي «مناطق 48»، فمحض خيال، كيف لا.. وهم الذين صمدوا حين كان تعدادهم 150 ألف نسمة عام 48، بينما هم الآن قرابة مليوني نسمة؟! وبالمثل، أيضاً، كيف لنحو 7 ملايين لاجئ أن يتخلوا عن حقهم في العودة، وهم الذين عمّدوه بدمائهم الغزيرة وتضحياتهم الجسيمة، على الرغم من، بل بفضل، 69 عاماً من مرارات حياة التشرد واللجوء؟!

إن مشكلة «إسرائيل» مع الشعب الفلسطيني، هي مشكلة كل المستعمرين الذين يتبنون النظرية الخاطئة ذاتها: (بالقوة والقمع والبطش تستسلم الشعوب)، بينما تنظر الشعوب التحررية لتضحياتها، مهما بلغت، كضريبة حرية واستقلال وسيادة. والاستعمار الاستيطاني الصهيوني، هو ككل استعمار، مشروع للربح، ينهزم عندما يصبح مشروعاً خاسراً.