Menu
حضارة

استقالة الحريري ... التوقيت وأسبابه ومكانه

محمود الراس

جاءت استقالة رئيس وزراء لبنان سعد الحريري من السعودية لتفتح العديد من التساؤلات والتحديات عن أسبابها وتوقيتها ومكانها، خاصة وأن هذه الاستقالة المفاجأة تزامنت مع تطورات كبيرة في المشهد السعودي، بعد توقيف عشرات رجال الأعمال والمسئولين والأمراء تحت ذريعة محاربة الفساد، رغم أنها تأتي في سياق تعزيز سلطة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومحاولته تصفية خصومه ومعارضيه في طريقه لسدة الحكم.

بعيداً عن التكهنات والاستنتاجات التي تشير إلى أن سبب استقالة الحريري ربما تكون جزءاً من التطورات الداخلية السعودية أو ضغوطات من المملكة على الحريري، إلا أن الموضوع برمته يطغى على الإقليم وعلى المشهد اللبناني، ويفتح الباب أمام عودة الأجواء الطائفية المشحونة في لبنان، والتي تستهدف من خلالها السعودة وحلفائها ومن ورائها الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية حزب الله و إيران وحلفائهما. خاصة وأن مكان الإعلان عن الاستقالة يشير بوضوح إلى التدخل السعودي الفج في لبنان.

توقيت إعلان الاستقالة مشبوه وفي مكان مشبوه وشابه خطاب توتيري، يهدف لضرب استقرار لبنان وخلط الأوراق بالمنطقة تمهيداً لحروب مذهبية لا هدف لها سوى تبديد  طاقات الأمة وتبديد ثرواتها في إطار تمهيد البيئة القومية لصفقة مشبوهة لا هدف لها سوى  تصفية القضية الفلسطينية واستبدال العدو المركزي للأمة العدو الصهيوني بعداء  مذهبي وهمي للجمهورية الإيرانية الداعمة لحركات وأحزاب المقاومة  المناهضة للعدو  الصهيوني وحلفائه بالمنطقة.

إن هذه الاستقالة من حيث زمان ومكان إعلانها بمثابة عود كبريت تحاول إشعال الحرب الطائفية إلى لبنان، وتؤدي إلى استجلاب للعدوان والتدخل الخارجي بشئون لبنان الشقيق، وهي دعوة منا للشعب اللبناني  لإدراك خطورة هذه التطورات وتأثيرها على السلم الأهلي والجبهة الداخلية، وضرورة التوحد ورص الصفوف لتفويت الفرصة على المتربصين بلبنان ومقاومته.

ولقد جاء خطاب سماحة السيد حسن نصرالله مساء أمس والتي تحدث فيها بهدوء ورباطة جأش، ليطمئن الجميع بأن المقاومة وحلفائها عيونهم مفتوحة أمام أي تحديات وتهديدات تستهدف لبنان، مشيراً أن المقاومة على جهوزية تامة لمواجهة هذه التطورات، وأن الاحتلال الصهيوني لا يعمل تحت أمرة السعودية ولن يقوم بمغامرة عسكرية ضد لبنان إن لم يكن جاهزاً وضامناً للفوز فيه وهو ما لن يتحقق.

نعبّر عن فخرنا واعتزازنا بحزب الله قادة ومقاتلين ونعّبر عن تضامنا الكامل معه في سياق وحدة الدم والمصير وإرادة المقاومة في  وجه أي عدوان صهيوني بأدوات خليجية على لبنان ومقاومته، فإن المطلوب من الأخوة في حزب الله ومحور المقاومة تحديداً إلى تفويت الفرصة على دعاة الفتن وأن تكون على أهبة الاستعداد والجهوزية للتعامل مع هذه التطورات بهدوء فهي ما زالت تمتلك مفاتيح القوة ولا يمكن لأي قوة في العالم هدم هذه القوة التي بُنيت بالتضحيات. ونثمن تصريحات سماحة السيد حسن نصرالله حين أكد أن المرحلة اليوم بحاجة إلى الهدوء والتريث، وتحذيره من خطورة الانجرار وراء الشائعات والتهويلات. هذه حنكة سياسية نابعة عن قائد لديه القدرة على تحليل الواقع والتعامل مع التطورات الراهنة بخبرة وواقعية.

أهلنا بمخيمات اللجوء في لبنان الشقيق  والقوى الوطنية والإسلامية الفاعلة بها مطالبون إزاء هذه التطورات المتسارعة إلى حماية المخيمات وتطهيرها من أي أبواق  مذهبية تهدد أمن وسلامة المخيمات بما يعزز أمن وسلامة ووحدة لبنان الشقيق ويحفظ الهوية  الوطنية للمخيمات من الضياع والتبديد.

بغض النظر عن التطورات الجارية والمتصاعدة في السعودية وقرب سيطرة محمد سلمان بالكامل على مقاليد الحكم بعد تصفية خصومه، وما سينتج عنها من تثبيت لمحور التحالف السني مع الكيان الصهيوني وبأوامر من الإدارة الأمريكية التي تحاول العودة إلى المنطقة من بوابة مشروع إقليمي جديد، فإن المقاومة تقف على أساس ثابت لن تستطيع أن تهزها لا الرياح ولا العواصف القادمة من الكيان الصهيوني أو من الخليج أو حتى من الإدارة الأمريكية.