على مدار الساعة
أخبار » آراء

المقاطعة في أميركا: ضد الامبريالية

12 تشرين ثاني / نوفمبر 2017

بوابة الهدف - وكالات

  نشأت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على "إسرائيل" (BDS) في الولايات المتحدة الأميركية في خضم الدعم الأميركي للاستعمار والفصل العنصري "الإسرائيليين"، وحول دور "إسرائيل" في الإمبريالية الأميركية في المشرق العربي وعالمياً.

وقد نمت استجابة للدعوة الموحّدة للمجتمع المدني الفلسطيني عام 2005، والذي دعا لاستراتيجية ضغط وعزل متناسقتيْن.

تتحرّك المقاطعة في الولايات المتحدة الأميركية عبر خطوط متعدّدة. فقد تغيّرت تاريخياً استجابةً للفرص المتغيّرة، بهدف ترسيخ وتوسيع قاعدة دعم الحملة. 

وقد ركّزت حملات المقاطعة أساساً على أربعة محاور: سحب استثمارات الكنائس، المقاطعة الأكاديمية، دعوة عابرة للحركات السياسية والاجتماعية لتبنيّ المقاطعة، وأخيراً حملات طلابية لسحب الاستثمار.

إن وجود حركة المقاطعة في الولايات المتحدة الأميركية في سياق فريد، أمر مختلف عن أي بلد آخر في العالم: إن "إسرائيل"، وبأشكال متعدّدة، مكوّن من مكوّنات الولايات المتحدة الأميركية. فبنيتها العسكرية –الصناعية بأكملها هي إمّا مملوكة من رأسمال مركزه أميركا، أو هي على الأغلب نتاج استثمار أميركي، أو مساعدات ومنح عسكرية، أو اتفاقيات شراكة تكنولوجية.
العنف الاسرائيلي في المشرق العربي وشمال افريقيا وأبعد منها، هو عنف أميركي. عندما ساهمت "إسرائيل" بضرب وتدمير الثورة الفلسطينية، كان ذلك هدية للطبقة العربية الحاكمة الرجعية. وبسبب اعتماد القوة الأميركية على البترودولار والتحالف السياسي بين أنظمة النفط الخليجية وأميركا، فأي هدية لهم هي هدية لحكّام أميركا. عندما ضربت "إسرائيل" مصر خلال حكم جمال عبدالناصر وسوريا خلال حكم صلاح جديد، كانت هذه أيضاً هدية للنخبة العربية اليمينية وبالتالي هدية لأميركا التي تعتمد على هذه النخبة لتبقي ثروة النفط العربي بعيداً عن أيدي شعوب المنطقة.

كما أن دور الكيان الصهيوني الأقل شهرة ولكن المهم بقدر الأدوار الأخرى، هو عمل ودورها "إسرائيل" في القمع العالمي. من الديكتاتوريات الفاشية والنيو-نازية في الأرجنتين، التشيلي، البرازيل، وأميركا الوسطى، إلى نظام الفصل العنصري-الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، دعمت صادرات السلاح الإسرائيلي والتدريب العسكري حلفاء أميركا وضربت أعداءها.

في السياق الأميركي الداخلي، فإن منظّمات ال"لوبي الاسرائيلي" ومموّليها –شيلدون آدلسون، عصبة مكافحة التشهير، دايفيد هورويتز، سيث كلارمان Sheldon Adelson, the Anti-Defamation League, David Horowitz, Seth Klarman- يمارسون دوراً مهماّ لخدمة بقية الطبقة الحاكمة الأميركية. 
وهم لا يهاجمون فقط أي تحرّك نضالي يظهر في إطار مناهضة الاستعمار في فلسطين، بل هم أيضاً يهاجمون وبشكل ممنهج مجموعة كبيرة من منظّمات العدالة الاجتماعية ويراقبونها، بدءاً من حركات تحرّر السود.
ويخلق استثمارهم في صناعة رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) –وهذه الصناعة مكوّن ضروري في دعمهم ل"إسرائيل"، بما أن أغلب القوى المناهضة للاستعمار في المنطقة تنتمي حالياً لأيديولوجيا إسلامية- يخلق دعماً أيديولوجياً للحروب الأميركية القائمة ضد حزب الله، إيران، اليمن، العراق، سوريا وفلسطين، وخاصة ضد منظّمات المقاومة الفلسطينية، بالذات الجهاد الإسلامي وحماس.

وفي ظلّ رخاوة البروباغاندا من هذا النوع، بالإضافة إلى الاعتفاد السائد بأن فلسطين بلد لشعب مسلم بأكمله، فمن السهل أن تؤدّي هذه الإسلاموفوبيا إلى شيطنة أميركية للتهديدات الفلسطينية غير الدينية للإمبريالية الأميركية، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

من الناحية الأخرى، إن الهجوم على الحركات الفلسطينية وداعمي فلسطين، ومن ضمنهم جهود المقاطعة، تعمل لفصل فلسطين عن القضايا والنضالات المناهضة للعنصرية والاستعمار والإمبريالية والرأسمالية. وقد كان الفشل بالقيام بذلك الربط بين تلك القضايا وسيلة لمهاجمة الحركات الداعمة لفلسطين واتهامها بمعاداة الساميّة، وهي طريقة لطالما استخدمتها الولايات المتحدة في تاريخها لوصم القيادة السوداء الراديكالية. 

الآن، ومع ازدياد تبنّي حركات العدالة الاجتماعية –ليس دائماً- للقضية الفلسطينية، فهناك تحديات جديدة. 

تتزايد ظاهرة المنظمات غير الحكومية (NGOs) التي تحاول السيطرة على الحركة وتوجيهها بعيداً عن السياسات المناهضة للإمبريالية. 

وهذه ليست مسألة حيادية، أو سياسة اليد الممدودة. هي عدائية واضحة للسياسات المناهضة للامبريالية، ومن ضمنها دعم فينيزويلا أو معارضة الجنون الأميركي الإقليمي. فالعديد من المنظمات غير الحكومية الداعمة لفلسطين، كالحملة الأميركية للحقوق الفلسطينية the US Campaign for Palestinian Rights، يقود منظّموها والناطقون باسمها، حملات ضد حزب الله (لدوره في مقاومة الإحتلال)، داعمين بشكل مفضوح وعلني، التدخّل الأميركي في سوريا، وقد حاولوا طرد الأفراد المناهضين للإمبريالية من التحالفات والتحركات. 

بنفس الشكل، سيطر الطلاّب الذين عملوا أو نسّقوا مع منظّمات أميركية غير حكومية داعمة لتغيير النظام في سوريا، سيطروا لوقت موجز، على الحراك الطلابي الأميركي. وقد أذوه بشكل كبير، مفرّغين الحراك من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين الراديكاليين والمناهضين للإمبريالية، رافضين حتى انتخابات ديمقراطية ستؤدّي لوصول الطلاب الراديكاليين – بأغلبية فلسطينية- إلى السلطة في المجلس الوطني للطلاب من أجل فلسطين (NSJP). وقد كانت النتيجة الانهيار الجزئي والمؤقّت لحملات سحب الاستثمار.

لا يمكن لنا أن نفصل هذه الديناميكية عن القضايا الأوسع التي تواجه حركة المقاطعة والنضال المناهض للعنصرية في الولايات المتحدة الأميركية.

يعتمد منطق الليبرالية الأميركية على تشظية وتفتيت كل الحركات المناهضة للقمع. فالليبرالية لا تنفي بأن للناس الحق بالنضال ضد القمع. لكنها تقترح بأن هذه النضالات، إن كان معتدلة بمطالبها، قد يكون لها مكان في النظام الحالي للأمور. 

وبشكل آخر، تعمل الليبرالية عبر الدمج القمعي الذي يمنح نتفاً صغيرة من العدالة لمكوّنات المجتمع التي تحارب الحركات السياسية من أجلها. 

وبالتأكيد، فبإمكان الليبرالية الاعتماد على الحكومة الأميركية للقيام بالمزيد من العمل التخريبي العنيف. 

لكن الليبرالية تعمل عبر أساطير الشمول، التي يتمّ تقديمها عبر الحزب الديموقراطي وكوكبة من الإمبرياليين الناعمين أو الجمعيات غير الحكومية التقدمية المدعومة من قبل مموّلي الحزب الديموقراطي.

إن التحدّي الذي يضعه هذا الأمر أمام حركة المقاطعة واضح. فمن جهة، هناك توجه نحو نزعة راديكالية – تمثّلها المقاطعة كرابطة الدراسات الأميركية American Studies Association، أو الجهة اليسارية للحراك الطلابي- نحو ربط النضالات مع بعضها البعض. 

وهنا، تُفهَم الحركات المناهضة للعنصرية وتلك المناهضة للاستعمار وغالباً الرأسمالية، كقوى يجدر ربطها ببعضها البعض، بمطالب متسقة، دون أن يترك أحدها الآخر في منتصف الطريق. بالنسبة لقطاع الطلاب، فهناك وبشكل متزايد، معارضة ذات مبادئ، للعنف الأميركي في الخارج، وبكل مظاهره، من الفيليبين إلى فلسطين.

لكن قطاعاً أكثر ليبرالية يسعى لجعل فلسطين عرضةً لممارسة مناهضة للعنصرية فقط. خلال هذه العملية، تتحوّل لغة مناهضة الاستعمار إلى أداة مشوّهة وفظّة. 

من الناحية النظرية والتحليلية، تخدم هذه الممارسة وهذا التحليل ال"جديديْن" لمناهضة العنصرية، يخدمان الاستعمار من حيث التعمية عن تاريخ الامبريالية والتراكم الذي تمتدّ عبره الليبرالية على المستوى العالمي ، فيحوّلان الأزمة إلى مشكلة قانونية للعنصرية أي إلى إنتاج مبسّط الفروقات والاختلاف (وكأن المسألة هي اختلاف رأي أو أن الفلسطينيين و"الإسرائيليين" مختلفون عن بعضهم البعض ولهذا هم يتحاربون)، وإلى حقوق غير كاملة- كلّها قابلة للمداواة دون الحاجة إلى تغيير النظام. 

ليس صادماً أن بعض هؤلاء الذين يدعمون هذه الصياغة، يدعمون أيضاً، حلّ الدولتين. 

ليس هذا باختبار وفاء لداعمي فلسطين. بل هي محاولة لتحديد القوى التي تتعارض مع اختبارات وفائها الخاصة، لكي يتمّ تحديد الاستراتيجيات المختلفة التي يتمّ العمل عليها. وهي من ناحية ثانية، محاولة لتحديد من ينسجون مع بعضهم البعض، دعماً لفلسطين مع دعم لمناهضة الامبريالية، وهي خطوة تاريخية مثلاً لأغلبية بلدان مجلس تعاون دول الخليج العربي. 

وهي أيضاً محاولة للإضاءة على العمل الدؤوب الحاصل في أميركا، والذي يجب أن يكون في علاقة مع القوى الإقليمية ذات المبادئ، لبناء حركاتنا المستقلّة بحيث لا تَغفل أحداً، وبشكل يستطيع أن يصنع لشعب فلسطين- وبالأخص للاجئات واللاجئين- مطالب التحرير والعودة التقليديين.

ترجمة جنى نخال

موقع النداء

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر