على مدار الساعة
أخبار » آراء

مئوية الثورة الروسية

14 تشرين ثاني / نوفمبر 2017

في مئوية الثورة الروسية بدت احتفالات الكرملين خجولة وخافتة، كأن المناسبة لا تتعلق بواحدة من أهم الثورات في التاريخ الحديث.

كان ذلك مقصودًا؛ خشية أن تفضي إلى نوع من الشرعية على التغيير بالقوة وهز الاستقرار، بعد سنوات من الاضطرابات التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، كما أنها قد تؤثر بالسلب على صورة الرئيس «فلاديمير بوتين»، الذي يتطلع لدورة جديدة مطلع العام المقبل.

حسب تصريحات منسوبة للمسؤولين عن احتفالات المئوية، فإن الثورات ترادف الخراب وتجلب الموت والدمار. التصريحات- ذاتها- تسطيح ممنهج للثورة الروسية، ولأي ثورة كبيرة أخرى في التاريخ الحديث.

بإيقاع عدد السنين، قرن كامل، فإن مثل هذه المناسبات تمثل فرصة جدية للمراجعة والتساؤل عن الثورة وأسبابها، كيف نجحت ولماذا انكسرت، حوادثها وتحولاتها، أزماتها الداخلية وآثارها في بنية النظام الدولي.

لم يحدث شيء من ذلك، وكاد التجاهل أن يكون كاملا. على العكس تماما تبارى الفرنسيون، باختلاف توجهاتهم ومواقفهم من ثورة بلادهم عندما مر عليها قرنان، في فتح كل الملفات والبحث عن أي وثائق جديدة تكشف وتنير ما غمض من أحداث وإعادة النظر في أدوار رموزها المتصارعة والتراجيديات الإنسانية، التي صاحبت صعودها قبل الذهاب إلى المقصلة.

إذا ما لخصت الثورة الفرنسية في مشاهد المقصلة، فإننا لا نكاد نعرف عنها شيئاً، فقد كانت نقطة تحول فاصلة في التاريخ الإنساني كله، حيث أفضت إلى صعود طبقات جديدة وأفكار جديدة، وذبول طريقة في الحكم تنتسب إلى القرون الوسطى الأوروبية.

بعد سنوات طويلة من الاضطرابات والانقلابات في بنية السلطة استقرت فرنسا كجمهورية دستورية حديثة، وسرت مبادئها في أنحاء العالم، كما ساعدت على إرساء العهد الدولي لحقوق الإنسان، السياسية والمدنية. كان ذلك أفضل ما تخلف عن الثورة الفرنسية.

بذات القدر فإن أفضل ما ينسب للثورة الروسية أنها ساعدت على إرساء العهد الدولي لحقوق الإنسان، الاجتماعية والاقتصادية. كانت أول ثورة اشتراكية في التاريخ الإنساني.

ذات مرة كتب الفيلسوف الوجودي الفرنسي «جان بول سارتر» أن «لكل قرن فلسفة تهيمن عليه». وكان تقديره أن الماركسية الفلسفة الأكثر تأثيراً ونفاذاً في قصة القرن، رغم أنه يقف على الجانب الآخر في صراع الأفكار الكبرى.

صعود وتراجع الماركسية داعٍ بذاته لإعادة النظر والتفكير. لعقود طويلة أثرت وألهمت نصف البشرية تقريبًا قبل أن تنكسر شوكتها بانهيار سور برلين يوم (9) نوفمبر/تشرين الثاني عام (1989).

في شريط سينمائي ألماني أنتج عام (2003) باسم «وداعاً لينين» لخّص مشهد واحد بعض تراجيديا ما جرى بعد انهيار ذلك السور، الذي أعقبه سقوط الاتحاد السوفييتي نفسه.

ظهرت في المشهد الرمزي مروحية تحلق فوق العاصمة الألمانية برلين متدلياً منها بحبال من صلب تمثال ضخم لزعيم الثورة البولشيفية «فلاديمير لينين»، بينما ناشطة في الحزب الشيوعي الألماني تؤمن بأفكاره ترقب المشهد غير مصدقة. المروحية مالت قليلاً فبدت حركة التمثال كأن «لينين» يريد أن يصافح تلك السيدة الألمانية المصافحة الأخيرة. أراد الشريط السينمائي أن يقول إن كل شيء انتهى، وأن عصرًا ألمانيًا جديدًا بدأ للتو بإعلانات ال«كوكاكولا» والمنتجات الغربية في شوارع الشق الشرقي من برلين.

باليقين لا توجد ثورة واحدة في التاريخ خالدة. من زاوية ما- صحيحة وموضوعية- انقضت الثورة الروسية بكل ما حملته من تجربة في الحكم خلف الأستار الحديدية، ومن تراجيديات سياسية وفكرية وإنسانية في الصراع على السلطة بعضها دموي، وما تولد عنها من سياسات أسست قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بعام واحد لتحول جوهري في بنية النظام الدولي أخذ مداه عقب الحرب العالمية الثانية.

بعد تلك الحرب انقسم العالم إيديولوجيا واستراتيجياً واقتصادياً إلى معسكرين كبيرين، وتصارع على النفوذ قطبان هما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة؛ فيما يعرف ب«الحرب الباردة»، التي انتهت بانهيار سور برلين وحلف «وارسو»- الذي يقابل حلف «الناتو» على الجانب الآخر مع تفكك ما كان يطلق عليه المنظومة الاشتراكية.

حاولت مجموعة دول عدم الانحياز بقيادة «جمال عبد الناصر- مصر» و«جواهر لال نهرو- الهند» و«جوزيف بروز تيتو- يوغوسلافيا» اختراق القطبية الثنائية وفق مبادئ «باندونج».

لم يكن يعني ذلك الوقوف على مسافة متساوية بين المعسكرين المتصارعين، فقد كان التحرر الوطني القضية الأكثر مركزية على أجندة الدول المستقلة حديثا.

بانفراد القوة الأمريكية بالنظام الدولي تعرض العالم العربي -أكثر من غيره- لما يشبه التحطيم الكامل لصالح ما تطلبه «إسرائيل»، على ما جرى في العراق مثالا.

كان مثيرًا أن أكثر من ابتهجوا لسقوط الاتحاد السوفييتي هم أنفسهم الذين دفعوا أغلب الفواتير. لم يعد لإرث «لينين» ذات الأثر الفكري والسياسي، الذي ساد أغلب سنوات القرن العشرين. لكنه أسس لنظرة أخرى تتجاوز شخصه إلى حركة المجتمعات في طلب العدالة الاجتماعية.

ما لا يدركه «بوتين»، الذي كاد أن يكون قد تجاهل مئوية الثورة في بلاده، أن الثورات تنقضي لكن آثارها تبقى تحت الجلد السياسي.

هو نفسه أسير ظلال رجلين في الكرملين أسسا لاستراتيجية الأمن القومي الروسي، التي يتبع خطوطها الرئيسية، لبناء قوة إمبراطورية واسعة النفوذ والتأثير، حتى لو اختلفت المقاربات والأهداف: «بطرس الأكبر» أهم القياصرة وأكثرهم إلهاما.. و«فلاديمير لينين» قائد الثورة ومفكرها الأبرز.

قد يصح -من زاوية واقعية مباشرة- رثاء الثورة الروسية بعنوان: «وداعاً لينين»، غير أن إرث التاريخ يستحيل حذفه على هذا النحو المبسط والمخل.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

عبد الله السّناوي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر