على مدار الساعة
أخبار » آراء

بريطانيا والتآمر على فلسطين

14 تشرين ثاني / نوفمبر 2017

منذ ما يقارب الأسبوعين، كانت مئوية وعد بلفور المشؤوم، وفي الوقت الذي احتفلت فيه بريطانيا وحليفها «الاسرائيلي» بذكرى هذا الوعد، بدلاً من اعتذار رئيسة وزرائها تيريزا ماي عن التسبب لشعبنا بمآسٍ ممتدة منذ ما يزيد على القرن! يأتي التآمر من إحدى الوزيرات في الحكومة البريطانية، وهي بريتي باتيل من خلال عقدها حوالي 12 لقاءً سرّياً مع كبار المسؤولين «الاسرائيليين» أثناء إجازة لها قضتها في دولة الاحتلال. الاجتماعات بدأت من نتنياهو نفسه إلى وزير أمنه. كما زارت المسؤولة البريطانية مستشفى عسكرياً في الجولان السوري المحتل، بل ووعدت بصفتها وزيرة التعاون الدولي في حكومتها بتقديم جزء من الدعم المالي الذي تخصصه وزارتها لشؤون الإغاثة الدولية إلى القوات «الاسرائيلية» التي مازالت تحتل كامل الوطن الفلسطيني وأراضي دولٍ عربية أخرى، وتنكّل بشعبنا من خلال اقتراف المجازر بحقه، وممارسة القتل الجماعي ضده، وتقوم بمصادرة أراضينا لإقامة المزيد من المستوطنات عليها، وتمارس عنصريتها البشعة ضد أهلنا في المنطقة المحتلة عام 1948.

استقالة الوزيرة لا تعني انتهاء مستقبلها السياسي، فهي آثرت الاستقالة حتى لا تقيلها رئيسة الحكومة التي تواجه ضغوطاً قوية بسبب سلوكها. ما تبين أنها عقدت لقاءات أخرى في شهر أيلول/سبتمبر الماضي مع مسؤولين «إسرائيليين» في لندن، أيضاً كشف أنها عقدت اجتماعين آخرين في ذات الشهر مع مسؤولين آخرين بحضور مسؤولين حكوميين، ويعتقد أن اللورد بولاك الرئيس الشرفي لمجموعة أصدقاء «إسرائيل» في حزب المحافظين كان أحد الحضور. لقد التقت باتيل، جلعاد أردان وزير الأمن العام في «إسرائيل» في ويستمنستر في السابع من أيلول/سبتمبر الماضي، ونشر أردان تغريدة على موقع تويتر لاحقاً عن لقائهما. كما التقت في 18 من الشهر نفسه إيفال روتيم المسؤول في الخارجية «الإسرائيلية» في نيويورك. وقد أجبرت باتيل في وقت سابق على تصحيح عدد اللقاءات التي حضرتها، ومتى أبلغت وزارة الخارجية بشأنها. وقالت الوزيرة التي هي أيضاً عضو في مجلس العموم إنها كانت مخطئة في تصريحها لصحيفة «الجارديان» بأن وزير الخارجية بوريس جونسون كان يعرف مسبقاً برحلتها، والحقيقة أنه علم برحلتها إلى «إسرائيل» أثناء قيامها بها. 

ووفقاً لصحيفة «هآرتس» «الإسرائيلية»، فإن زيارة الوزيرة المذكورة لمناطق ترفض الحكومة البريطانية الاعتراف بشرعية احتلالها، كانت بالتنسيق مع وزارة خارجية بلدها، وهو ما جعل ماي تواجه اتهامات بأنها كانت على علم بالزيارة السرية (وهذا احتمال ممكن)، وبأنها طلبت من باتيل عدم إفشاء الأمر. فرئيسة الوزراء صرّحت بأنها تفتخر بإصدار بريطانيا لوعد بلفور، بل اعتبرته مناسبة مهمة للاحتفال به، وبالفعل احتفلت بذكراه المئوية مع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو.

حماس الوزيرة البريطانية لعقد اللقاءات في «إسرائيل» ينبع من كونها اقتدت بمسلكية رئيسة الوزراء وتصريحاتها، الأمر الذي جعلها تضرب عرض الحائط بكل الأعراف الدبلوماسية إدراكاً منها بأن هذه اللقاءات تصب في مجرى السياسة الحقيقية لبريطانيا، ثم إنها لن تعاقب مستقبلاً. إضافة إلى إدراكها بأن صعودها السياسي في بلدها مرتبط باستمرار تأييد اللوبي الصهيوني في بريطانيا لها، تماماً كما هو التأييد من دولة الاحتلال.

ما الذي دفع وزيرة بريطانية من أصل هندي أوغندي يفترض أنها ليست معنية بالصراع العربي «الإسرائيلي»لاتخاذ هذا الموقف المسيء للفلسطينيين والعرب بكل المقاييس؟ هذا الأمر يعني أن الوزيرة محسوبة على الاتجاه اليميني المتطرف، وهو ما جعلها في فترة سابقة من حياتها السياسية تنتمي إلى حزب «الاستقلال» قبل أن تعود إلى صفوف حزب «المحافظين»، وفيما بعد قيام رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون بترقيتها إلى رتبة وزيرة. ولباتيل أقوال معروفة تربطها بهذا الاتجاه السياسي اليميني المتطرف، ومن ذلك قولٌ لها يصف العمال البريطانيين بالكسل. ذلك كان مسبوقاً بعملها في مجال العلاقات العامة، حيث خدمت في مؤسستين صناعيتين للكحول والسجائر في بريطانيا.

من الصحيح القول أيضاً، إن بعض المهاجرين من أصول «عالمثالثية» إلى الدول الغربية الغنية (دول الشمال) يحاولون إثبات ولائهم لبلدانهم الجديدة من خلال إخفاء أصولهم أولاً، والمزايدة على أبناء البلد نفسه بالتطرف ضد المهاجرين والفقراء، وبالتالي لا يجدون غضاضة في طرح فكرة توزيع أموال دافعي الضرائب البريطانيين المخصصة لإغاثة الشعوب الفقيرة على جيش الاحتلال ، تماماً مثلما طرحت الوزيرة البريطانية من أصل هندي!
فعلاً، بريطانيا كانت وستظل من أسباب مآسينا. 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

د.فايز رشيد

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر