على مدار الساعة
أخبار » آراء

قراءةٌ في السياقات

وعد بلفور القديم والجديد..

20 كانون أول / نوفمبر 2017
وعد بلفور القديم والجديد..
وعد بلفور القديم والجديد..

بقلم / ممدوح مكرم

وقد كُتب لفتح فلسطين أنْ يؤدي لنتائج أبعد من ذلك، وأنْ تُجنى ثماره قبل أنْ تضع الحرب أوزارها، فقد أعلنت بريطانيا عن إنشاء وطن قومي لليهود فيها، في خطابٍ أرسله<< المستر بلفور>> في 2 نوفمبر 1917م، إلى اللورد " روتشيلد" وبذلك ضمت إلى جانبها جماعات اليهود القوية التي تبسط سيطرتها على أسواق المال، لا في نيويورك فقط، بل في نواحٍ أخرى عديدة من العالم، وحملتها على مناصرة قضية الحلفاء"
( هـ.ا.ل.فيشر، تاريخ أروبا في العصر الحديث( 1789- 1950)، ت: أحمد نجيب هاشم، ووديع الضبع، القاهرة، دار المعارف،ط3، 1953م، صـ532).
أقفلَ وعد بلفور مائة عامٍ من عمره، وهو الذي بموجبه تم غرس وزرع ما يُعرف بـ << إسرائيل >> في المنطقة، وذلك عبر خطط مدورسة وممنهجة قامت بها الدوائر الصهيونية والإمبريالية لتحقيق عدة أهداف جيو- استراتيجية لمنطقة تمثل أهمية ً قصوى لسياسات الدول الاستعمارية، وهذا النص المستل أعلاه يوضحُ بشكلٍ جلي طبيعة هذا الوعد، وما جلبه على منطقتنا من دمار على كافة المستويات. 
وفي حقيقة الأمر لا يمكن فصل نشأة الحركة الصهيونية، عن الإمبريالية( والتي هي مرحلة متقدمة جدا من الرأسمالية، اعتبرها لينين أعلى مراحل الرأسمالية في عصره) والمتأمل لتحول الرأسمالية من رأسمالية المزاحمة/ المنافسة الحرة إلى الإمبريالية( وهي نتاج تزاوج الرأسمال المالي بالصناعي ونشوء الاحتكارات الكبرى) وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لتتبلور وتنضج أكثر في أواخره وبداية القرن العشرين، ذلك جاء بالتزامن مع أزمة اليهود في أوربا وهي أزمة قديمة تعود للعصور الوسطى، وهو ما خلق هذه الصورة النمطية لليهودي في آداب أوربا (تاجر البندقية نموذجًا)، هذه الأزمة كانت تهدأ وتصعد حسب أحوال البلاد والعباد، و قد حاول "نابليون بونابرت" حلها على الطريقة الاستعمارية، فكان يريد إقامة دولة يهودية في فلسطين بعد فشل حملته على مصر والشام في العقد الأخير من القرن الثامن عشر، ولكنَّ الظروف الموضوعية والدولية لم تكن ناضجة بما يكفي عصرئذٍ، وانتظرت الأزمة اليهودية  "السير آرثر بلفور 1917م" كي يكتبَ هذا الخطاب الشهير للورد " روتشيلد  الرأسمالي اليهودي، وعميد الأسرة البرجوازية الشهيرة في أوربا والتي لعبت دورا كبيرا في حركة رأس المال الإنجليزي بشكل خاص، والذي يَعِدُ فيه اليهود بإقامة وطنٍ قوميٍ لهم على أرض الميعاد حسب ما جاء في التوراة، وكان قبل عقود قد دأب  تيودور هيرتزل" النمساوي ورفاقه على تلمس الخطى لتحقيق حلم اليهود، وعليه تأسست الحركة الصهيونية، وبدأت تنشر أفكارها وأهدافها بين ربوع "الجيتوهات اليهودية" ولاقت ذيوعًا بين اليهود المتعصبين دينيا، وبين عموم الفقراء اليهود الذين يريدون التخلص من شعورهم بالدونية نتيجة عزلتهم ونظرة الأوربي المسيحي المتعالية إليهم ، ولاقى ذلك هوىً لدى الحكومات البرجوازية في أوربا لتتخلص من هؤلاء اليهود الذين لا يروقوا كثيرا لبعض الأوربيين بسبب تصرفاتهم وسلوكهم خاصة في المجالات الاقتصادية.
إذن مجموعة عوامل تضافرت ضمن تناقضات وصراعات المجتمعات الأوربية، وهو ما ستترجمه الحرب العالمية الأولى( الإمبريالية الأولى حسب لينين) والذي يأتي " وعد بلفور" كتجسيدٍ لمشروع الهيمنة الإمبريالي في المنطقة، وتمهيدها وحرثها لتكونّ أداة طيعةً للهيمنة الإمبريالية بشقيها: العسكري( الكولونيالي) والاقتصادي، الأول: عبر احتلال مباشر، والثاني عبر خلخلة مجتمعات المنطقة، وإعادة هندستها اجتماعيًا: أي إيجاد مرتكزات طبقية ترتبط بالمراكز الرأسمالية المتقدمة، وتعمل هذه المرتكزات كوكلاء لرأس المال العالمي.
ولكن لماذا فلسطين بالذات؟
تتعدد مستويات الإجابة على السؤال، لكن يجمعها أو يلضمها خيطٌ واحد، ألا وهو: الجيو- استراتيجية، فلسطين تمثل أهمية استراتيجية لمشاريع الهيمنة، فهي حلقة ربط بين آسيا وأفريقيا (عبر شبه جزيرة سيناء)، وقريبة من أهم ممر ملاحي عالمي( قناة السويس) كما لها أهمية مقدسة لدى أتباع الديانات الإبراهيمية، وهذا ما اشتغلت عليه الحركة الصهيونية وأعادت للخطاب اليهودي أطروحة أرض الميعاد القديمة التوراتية، وربطت بين إسرائيل وفلسطين في المخيال اليهودي، وهنا كان التحشيد الذي تم عبر الوكالة اليهودية، وتسفير اليهود الذين يرغبون في الهجرة إلى أرض الميعاد! وبدعم مباشر وغير مباشر من سلطات الاحتلال الإنجليزي،- وحتى بتواطىء من الرجعيات العربية- ، التي فرضت انتدابها على فلسطين، على إثر هزيمة بقايا الجيوش العثمانية في الحرب الأولى، وبوقوع فلسطين تحت سطوة الاحتلال الإنجليزي، أصبحت مفتوحة لتنفيذ مطامح الاستراتيجية الإمبريالية، ومن خلال إقامة استعمار استيطاني احلالي عنصري على أرض فلسطين، وليس هذا فحسب بل ويرغب في بسط سلطته عن منطقة شاسعة ممتدة بين العراق ومصر( واستنادا على خرافات توراتية قديمة).
تدفقت الهجرات اليهودية من كل حدبٍ وصوب على فلسطين فيما بين الحربين، وبدأ تملك الأراضي، وإقامة نظام "الكيبوتزات" المزارع التعاونية، لكنْ لم تكن الأمور خالصة، وكان وصول النازي إلى الحكم في ألمانيا، واندلاع الحرب الثانية؛ قد سرَّع من وتيرة الهجرة، لينتقل عبء اليهود من على كاهل أروبا، ويُلقى به على كاهل العرب، بعد ما يعرف بـ"الهلوكوست"، اندلعت ثورات وانتفاضات ضد الاحتلال الإنجليزي بالأساس، ولكن لم يكن هناك إدراك كامل من العرب، لمشروع بريطانيا العظمى، وهو ما أدى إلى الاستهتار بالحركة الصهيونية، وبالعصابات التي تشكلت غداة الحرب الثانية وما قبلها، التي اصطدمت أحيانًا مع الرغبات الإنجليزية، التي باتت ممزقة بين ضغط الانتفاض الفلسطيني وتشوق العصابات الصهيونية لابتلاع مزيدٍ من الأراضي بطرد العرب وتهجيرهم عبر سلسلة لم تنته من المجازر، واندلعت الحرب الثانية، وتضعضع موقف بريطانيا، التي انسحبت من فلسطين، وتركتها لمصيرها المحتوم، وبعد أنْ وضعت الحرب أوزارها: صدر قرار التقسيم المعروف في العام 1947م، وعليه قرر العرب دون دراسة وتخطيط ومعرفة العدو معرفة حقيقية خوض حرب 1948م مع العصابات الصهيونية (وهي في حقيقة الأمر، لم تكن عصابات عادية بل منظمة ومدربة أحسن وأدق تدريب وعلى أسس حديثة ومتطورة وعلمية) وانتهت طبعا لمأساة تلقي بظلالها حتى اللحظة.
واستمرت فصول مأساة فلسطين والمنطقة مع العدو الصهيوني، وحلت أمريكا محل بريطانيا في دعمه وتقويته وتصليب عوده، وحدث عدوان 56، 67، حرب تشرين، اجتياح لبنان( 1982) وقبلها 1978م عملية الليطاني، وضرب المفاعل النووي العراقي(1981)، وخرجت مصر وبلا عودة حتى اللحظة من آتون الصراع، بعد أنْ وقَّعت معاهدة السلام مع الكيان في العام 1979م، وهو ما كانت له آثار سلبية خطيرة على المنطقة جميعها، وليس على مصر فحسب، وكانت المقاومة للكيان على أشدها لكن هذه المقاومة تم تحجيمها بعد حرب الخليج الثانية، وبداية أوسلو ومدريد، وانتهج أبو عمار منحى التفاوض( وعد بلفور الجديد: والذي يتضمن إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس على حدود 1967م، وهذه المرة بلفور أمريكي، وإن كان غير منبت الصلة بسلفه الإنجليزي= الكل في النهاية أنجلو ساكسون) ولكن وعد بلفور الأمريكي للفلسطينيين لم يتحقق، كما تحقق وعد بلفور الإنجليزي لليهود! وذلك لأنَّ السلام أصبح الخيار الاستراتيجي في الخطاب العرفاتي ومن ثم أطلال منظمة التحرير؛ التي تحولت لمنظمة للتبرير وتجميع مصالح الانتهازية الفلسطينية وضرب فلسطين في مقتل!
كل ما فيه فلسطين والمنطقة هو: نتاج تراكمات خطاب بلفور- روتشيلد، وهنا يقفز السؤال هل من أفق؟
نعم نقول وبكل ثقة الأفق الوحيد هو: وعد عربي وليس إنجليزي أو أمريكي، وعد عربي مقاوم يستعيد فلسطين كاملةً من البحر إلى النهر، ويستعيد المنطقة كلها من أظافر الهيمنة الإمبريالية، وهذا لن يتأتى إلا بتحالف وتنسيق الجهود بين قوى المقاومة والرفض للمشروع الصهيوني، والوقوف صفًا واحدا في مواجهة الهجمة الصهيونية الشرسة على الجميع، والتي تأخذ هذه الأيام شكلا وهابيًا تكفيريًا، ولابد من الوقوف بوجه الهجمة الشرسة على حزب الله، وضد عدوان آل سعود على اليمن والبحرين، والانحياز للطبقات الأجيرة في منطقتنا ورفض الرأسمالية التابعة والرثة كنموذج للتنمية الفاشلة، هذه هي الأطر التي تجعل هناك إطارًا آخر ومسارًا للكفاح في منطقتنا( حيث الربط بين الوطني والطبقي) حينئذٍ سيتم تمزيق خطاب بلفور- روتشيلد، ووعد أوسلو- مدريد، ليبدأ وعدًا عربيًا جديدًا، وعدًا مقاوما، يصبو إلى الحرية والاشتراكية.
* باحث وناقد مصري.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر