على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

الشتاء في المخيّمـات يعني "فرش نايلون وتجهيز جرادل"

21 كانون أول / نوفمبر 2017
تصوير: حاتم موسى
تصوير: حاتم موسى

فلسطين/ لبنان _ خاص بوابة الهدف

يسأل أبو علاء الحنّاوي جارَه الذي يشدُّ معه طرف "شادر" النايلون، تمهيداً لفرشه على سطح منزله في مخيم جباليا شمال شرق قطاع غزة "برأيك يا أبو حسن ييجي الشتاء هادي السنة قوي؟! يردّ الجار وهو يُطبِق جانبيّ "الشادر" على بعضِهما "إن شاء الله لا يا جار، بيكفّي الشتاء اللّي فات، وشقانا فيه".

الجاران أبو حسن وأبو علاء اللذان يتشاركان سقف منزليهما، وحائطًا يفصل بينهما، يستعدّان لاستقبال الشتاء بتجهيز مراسمه الخاصة، والتي لا يعرفها سوى اللاجئون في المخيّمات الفلسطينية داخل الوطن وخارجه.

أبرز التجهيزات وأهمّها هي "فَرْش النايلون" فوق أسطح المنازل، والتي هي في الغالب مصنوعةٌ من الحديد وتُعرف بـ"الزينقو" أو من الحجارةِ وتُعرف بـ"ألواح الإسبست"؛ أملاً في الحدّ من الماء الذي ينكبّ من الشقوق التي تملؤها أوقات انهمار المطر، وهو ما يتسبّب دومًا البيوت والشوارع.

تتعرض منازل سكّان المخيّمات، كل فصل شتاء، للغرق وتشكّل السيول من مياه الأمطار ومياه الصرف الصحّي، نتيجة ارتفاع منسوب المياه في الوقت الذي لا تسمح فيه البني التحتية المُتداعية بتصريفها.

يمسحُ أبو حسن جبينه بيده، ويقول لمراسل "بوابة الهدف": هذه العادة التي نُكرّرها كل شتاء جزءٌ من معاناتنا التي يتغافل عنها كل المسؤولون. النايلون الذي نفرشه يُقلّل من انهمار الماء من السقف، لكنّه لا يمنعه، ولا يقينا من الغرق الذي نتعرّض له كل موسم شتاء.

صعد الجاران على السطح المُشترك، ونادى أبو علاء على ابنه الأصغر محمد ليحضر له بعض أحجار "البلوك" لوضعها كثِقَل فوق النايلون، كي لا تقتلعه رياح الشتاء. وقال "على هذا الحال من 30 سنة، ولا حد عمره انتبه لمعاناتنا اللّي بنعيشها، على مدار العام، مش بس في الشتاء، لكن معاناة الشتاء هيّ الأقسى".

وتُعتبر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، المسؤول الأول عن "توفير الخدمات" للّاجئين، وفق ما تذكره في موقعها الالكتروني الرسمي. ويعيش ثلث اللاجئين المُسجّلين لدى "الأونروا" وهم أكثر من 1.4 مليون، في 58 مخيّماً في مناطق عمليّاتها الخمس:قطاع غزة، الضفة المحتلة بما فيها القدس الشرقية، لبنان، الأردن وسوريا.

يُتابع الجار أبو حسن حديثه "فصل الشتاء قاسي على أهل المخيمات، ففيه تتحوّل بيوتنا إلى برَكٍ من المياه والمجاري، ناهيكَ عن برده القارس".

"في الشتاء السابق" يستذكرُ أبو حسن وقد بدا على ملامحه الوجعُ، وفي نبرته القهرُ "جاء منخفضٌ قويّ جداً، غرقت عدّة بيوت، بينها منزلي، وبعدها لم نستطِع أنا وعائلتي النوم فيه، ما اضطرّنا إلى الذهاب إلى بيت أخي، وبقينا عنده 3 ليالٍ حتى انتهى المُنخفَض. يومها لم يساعدنا أحد؛ لا البلدية ولا الدفاع المدني، وعملت أنا وجيراني على تصريف المياه من منازلنا بأنفسنا".

هُنا، قاطعه أبو علاء بالقول "يوم المنخفض نفسه، طفّت علينا مياه المجاري والمطر مع بعض، كانت الساعة 12 ليلاً، ولم أعرف أين أهرب أنا وأطفالي من المياه التي أغرقتنا".

وتابع "قبل كل شتاء تُطلق الجمعيات حملاتٍ من أجل مساعدة أهالي المخيمات، لكن حين تأتي هذه المساعدات التي ضجوا رؤوسنا بها، نجدها لفائف من النايلون لتغطية الأسطح. هم يُريدون استمرار معاناتنا لا حلّها. وختم مُتهكّمًا: الجماعة حاملين نايلون وجايّين.. شكراً إحنا بنقدر نشتري النايلون، إحنا بدنا مين يخلّصنا منه أساساً".

أبو حسن أكمل القول "المشكلة  ليست في أن هذه الكارثة مُلقاة على كواهلنا وحدنا، بل المشكلة هي أنّها باتت كبديهيّات الحياة في المخيّم، إذ صار من الطبيعي أن نفتتح الموسم بلف سقوفنا بالنايلون، ورغم هذا نغرق، بلا أيّ حراكٍ أو حتى وُعودات بإنهاء معاناتنا مُستقبلًا".

وتابع بنبرة بائسة "المخيمات تفتقر للبني التحتية المُهيّأة لمواسم الشتاء، لذا تغرق المنازل والشوارع بمياه الأمطار والصرف الصحي".

أنهى أبو علاء قوله الأخير، مع انتهاء ابنه محمّد انتهى من جلب قطع الحجارة لوضعها فوق النايلون، وقال لجاره أبو حسن مُمازحًا "ما ضلّش غير نجيب الجرادل يا جار". وقاما بعدها لاستكمال فرش النايلون على سقفيْ بيتهما.

الحالُ في المخيّمات داخل الوطن لا تختلف عن مُخيّمات اللّجوء خارجه، والتي يزداد فيها التخوّف من شائعاتٍ تُشكّك في استمراريّة تقديم المساعدات، التي ما تنفكّ تتقلص، ناهيكَ عن التضارب والتقاعس الكبيريْن والتمييز المناطقي فيما توزيع معونات الشتاء، بما فيها معونة الوقود.

اللاجئ أبو جهاد عشماوي، قال لـ"بوابة الهدف": هُنا لا أحد يتحدّث عن المصائب الفردية، ودائمًا لدينا خوف وقلق من الأيام القادمة".

عشماوي، الفلسطيني المُهجّر من مخيمات سوريا إلى لبنان، تحدّث عن تمييز مناطقيّ في توزيع المساعدات والمعونات "نحن لا نعرف شيئًا، نسمع فقط أنّه تم توزيع مُساعدات بدل تدفئة، لكن لا نستلم منها شيئًا، ومؤخرًا علِمنا بأن بعض اللاجئين في البقاع تسلّموا مُساعدات، لكنّ آخرين من ذات المنطقة أكّدوا أنّهم يتسلّموا!".

يُشار إلى أنّ وكالة الغوث بدأت بتقليص خدماتها المُقدَّمة للّاجئين، منذ العام 2015، خاصةً لاجئي مخيمات لبنان، واللاجئين المُهجّرين من مخيّمات سوريا. في ظلّ تهديدات مستمرة بمزيدٍ من التقليص بذريعة العجز المالي الذي تُواجهه في السنوات الأخيرة.

أبو جهاد تابع "في كلّ الأحوال، تلك المعونات لا تكفي حاجة الناس، مثلما جرى في السنة الماضية، التي شهدت حوادث مات فيها بعض الأشخاص من البرد، ولم تُذكر في الإعلام الذي يتكتّم على مثل هذه القصص"، مُنتقدًا صمت وغياب دور السفارة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير في لبنان.

وختم بالقول "الوضع هُنا ميؤوسٌ منه، والأونروا لا تعرف شيء عن أوضاعنا".

السبعينيّة أم محمد رحيِّل، أكّدت شهادة أبو جهاد عشماوي حول تقصير الجهات المسؤولة عن مخيّمات اللاجئين، في القيام بواجباتها في مُساعدتهم وإغاثتهم، خاصة في موسم الشتاء الذي بدأت أمطاره تنهمر فوق رؤوسهم.

السيّدة المُهجَّرة من مخيّمات اللجوء في سوريا إلى مخيّم برج البراجنة، قالت لمراسل "بوابة الهدف": لم يُقدّموا لنا شيئًا هذا الشتاء. يتحجّجون بشحّ الأموال".

وأضافت "هُنا في لبنان لا شيء لدينا، وبعد أن تهجّرنا من سوريا، يتلاعبون بنا كلّ مرّة، بين التهديد بوقف بدل الإيجار تارةً، وتارةً أخرى بتحويل بدَلات التدفئة للمناطق التي تُعاني من البرد أكثر، وهذا كلّه ادّعاءات، فأختي تقطن في البقاع، وهي من أبرد المناطق، إلّا أنّها لم تتسلّم أيّة معونات".

وختمت بالقول "الوضع في 2013، حينما نزحنا من سوريا إلى هُنا كان أفضل، وكل عامٍ يزداد سوءًا عن سابقه..، سنخرج في تظاهرات للمطالبة بحقوقنا".

وبالفعل، تعالت دعوات اللاجئين الفلسطينيين في مخيّمات اللجوء في لبنان لتنظيم فعاليات احتجاجية رفضًا للتقليص المُستمر التي تقترفه وكالة الغوث بحقّ اللاجئين، خاصةً فيما يتعلّق بمعونات التدفئة شتاءً، والخدمات الطبّية.

إحدى الجهات التي دعت للاحتجاج "لجنة صندوق المُهجّرين في مخيم عين الحلوة"، التي وزّعت دعوةً للاعتصام أمام مكتب مدير خدمات المخيم، لمطالبة "الأونروا" بالمساعدات الشتوية. فهل من مُستجيبٍ لهذه المطالب؟!

متعلقات
انشر عبر