على مدار الساعة
أخبار » منشورات

الدين والملة والإنسيّة المأمولة؛ نحو رؤية مُغايرة في المشترك الإنساني

23 كانون أول / نوفمبر 2017
الدين والملة والإنسيّة المأمولة.. نحو رؤية مُغايرة في المشترك الإنساني
الدين والملة والإنسيّة المأمولة.. نحو رؤية مُغايرة في المشترك الإنساني

رسول محمّد رسول - (عن مؤمنون بلا حدود)

ما الذي يعصفُ بالمشترك الإنسي راهناً؟ لقد ظلَّ هذا السؤال يرافقني بقدر ما يؤرقني منذ سنوات؛ فأنا - كما أبناء وطني العراقيين - نخرج من حرب إلى حرب حتّى جاءت لحظة الخراب الشامل، لينهار هذا الكيان نحو هاوية الضياع المدمِّر. وتمضي، تجربة الخراب تلك، لتُقضم أوطاناً أخرى في دوامة التغيير الجذري الهائج من دون بصيرة؛ رؤساء دول يتمّ اغتصابهم وقتلهم، حكومات تنهار وتنفرط، مجتمعات تفقد سيطرتها على ذواتها، وإنسان يفقد قدرته على مسك زمام أخلاقه، لينقضَّ على غيره بسفك دم هذا الأخير، وتلك وحشية جديدة تعصف بالإنسان؛ بل بالمشترك الإنسي كلّه في كلّ مكان، وتجعل أنطولوجيتهما سائرة نحو تداع مريع كون الإنسان - في هذا المشترك - بدأ ينسى أنّه "الإنسان" في داخله كإمكان جوهري إنسي، ونسيان هذا "الإنسان" في إنسان الراهن أو الكائن الراهن بات التحدّي الأنطولوجي والأخلاقي الأكبر الذي يواجه المعمورة الكونيّة في كل مكان، اليوم وغداً، ما لم نتوسَّل له الرؤى الناجعة كإمكان للخلاص الإنسيّ.

هذا النسيان، وأقصدُ به "احتجاب الإنسان في الإنسان الكائن"، هو السُّلطان الشامل الجديد الذي يمثل تهديداً فادحاً للمعمورة الإنسيّة كلّها. إنّه المركز المتعالي؛ بل المفارق الجديد الذي تتوسَّله أنظمة التوحُّش الدمويَّة كالأيديولوجيات الدِّينيّة؛ الإسلامويّة المتطرِّفة في الشرق والغرب التي يبدو مُعاشها كالغابة المكتظة بالوحوش الأسطورية الكاسرة، وهي تتحدَّث باسم الله المقدَّس زوراً، عندما تهمُّ بقتل الناس أمام الملأ وهؤلاء هُم بنيان الله في الحياة، ليس بعيداً عن الأيديولوجيات العَلمانيّة، سيما المتعولمة الكائدة التي باتت تعبث بحياة الناس عبر أنظمة العولمة مسعورة الغايات مارقة المُعاش، واقتصاديّات السوق - مفزعة الصيت - وهي تسلب الإنسان ذاته لصالح أنموذج كائن بشري تريده على هواها الذي يؤمن بالشِّعار (Logo) التسويقي اليومي الاستهلاكي العابر وليس بالعقل (Logos) الإنسي الخلاّق من حيث هو ذاته هويّة الإنسان الأصيلة التي له، ناهيك عن الفوضى الخلاّقة - سيئة البشاعة - التي أراقت دماء الشعوب والمجتمعات العربيّة في خلال سنوات قليلة، والديمقراطيات الاستعمارية المتجدّدة زيفاً، ونُظم التبعيّة العابرة للحدود بخِفَّة الرقم الضوئي اللعوب وحواسيب المافيات الشبكيّة الخارقة للخصوصيات الفرديّة والمجتمعيّة معاً، وكلّها موجات عدميّة جديدة راعبة تكتنز جنوحاً تهديميّاً نافر الفعل لخلق أنموذج كائن بشري متبصِّر خبثاً بكل ما يسعى إلى حجب ومواراة "الإنسان" أو "الإنسي" فيه، وتلك هي محنة المشترك الإنساني مطلع القرن الحادي والعشرين.

***

إنّ العودة إلى ذلك الـ "إنسان" في الإنسان الكائن راهناً عبر تخطِّي هذا الأخير نحو الأصيل الإنسي في "إنسان - الإنسان"، لهي العودة التي تؤوب الاعتبار إلى المشترك الإنساني الحق مكانته وقيمه ودروب مُعاشاته بنمط وجودي متحرِّر من غلبة السُّلطان الشامل في استعلائه المارق وتمركزه الخبيث، وتضمن له راهنه ومستقبله الذي يتمنّاه لتُنجي المشترك الإنسي من سقوطه المروِّع في هاوية الشرانيَّة الدنيئة؛ هاوية السلطان الشامل الجديد، فكيف ذلك؟

في عصر نسيان الإنسان لـ ذاته الحقّة كإنسان، وهو عصر السُّلطان التدميري الشامل، لا بدَّ من تقويض الأسوار التي حشرت الذات الإنسيّة في زاوية النسيان؛ ذلك التقويض الذي يمكن أن ينطلق من خمسة مبادئ نقترحها حتى اللحظة، هي:

إحياء مبدأ الإنسان - في الإنسان الكائن

1. في "حضارة الخِفَّة" ونمط كينونة الخفيف، يبدو الإنسان وقد أصبح موجوداً خفيف الكائنيّة؛ ليس من حيث هو كتلة، نعم هو كذلك مقارنة بالبعير أو الفيل، إنّما من حيث هو الموجود البشري الذي بات يفقد وزنه الإنسي الذاتي في عالم الكائنات الإلكترونية.

تراني هنا أستعير مفهوم "خفَّة الكائن" من جيل ليبوفاتسكي، الذي وضع كتاباً بهذا الشأن سنة 2015؛ فالخفَّة، - وكما يقول هذا المفكِّر الفرنسي - "لا تتحدَّد بحلم وديع، شيِّق وشاعري؛ بل تحيل على يومنا التقني، وعلى عوالمنا الانتقالية والرحّالة. إنّ شعار الأصغر هو الأحسن في الكوسموس التقني ليزداد صغراً بشكل لا يُقاوم، يتخفَّف ويتحرَّر من ماديته، لأنّنا ننصتُ إلى موسيقى العالم بواسطة أجهزة خفيفة كالهواء"([1]).

وهذا يعني، أنّ الإنسان بات قاب قوسين أو أدنى ليس ليصبح وزنه كوزن ريشة؛ بل الريشة أكبر؛ فهي وعندما تحلِّق في الهواء نراها واضحة المعالم، إنّما ليصبح وزنه متناهياً، حيث لا يحضر إلّا كرقم يتمظهر ككينونة ضوئيّة دارجة لا فكاك منها في راهن حضارتنا!

إنّ هذا الشروع بتناهي الإنسان إلى مجرّد كينونة رقميّة ضوئيّة أو مجرّد كائن رقمي خفيف (الخِفّة De la légèreté) يمثل خطراً كبيراً على كينونة الإنسان البشريّة، وبالتالي على ذاته الإنسيّة الحقّة التي له، ناهيك المخاطر المؤثّرة في وعيه بقيمته كإنسان لا تحدِّد جوهره الحقيقي مجرّد قيمته الوزنيّة، فهو ليس بالحجر وإن كان، هذا الأخير، نفيس الوجود.

ولهذا، لا بدّ من إحياء "الإنسان" في الإنسان الرقمي، الإنسان الابن لحضارة الخفّة وثقافتها الجارفة في مساراتها التي تكاد تكون شمولية. وتلك مَهمّة تشتغل ضد التناهي الاختزالي الأعمى للإنسان الذي تمضي أجنحته صوب مجهول ضرير تائه إذا لم يتم تذكيره بأنّه "الإنسان" صاحب ممكنات الذات والمصير والوعي وتفكُّر المستقبل على نحو إنسي خلّاق.

2. في حضارة المجهول الأعمى، حضارة العماء التائه، التي نعيش، صار الإنسان بوصفه "كذلك" نسياً منسياً، وأقصد صار "الإنسان - في - الإنسان الكائن" ذلك الجوهر المجهول حجباً ونسياناً، أما المعلوم فيه فهو مجرّد كائنيته الضوئيّة الرقميّة الخفيفة.

لقد بات الأمر هنا يتجاوز تلك المأثرة الماكرة؛ إذ أصبحت قوى جديدة تعمل على نسيان الإنسان كـ "إنسان"، ولا أحبُ التشبيه ولكن أقول: هناك قوى تعمل على نسيان إنسان - الإنسان فينا؛ فهذه المنظّمات والأحزاب والتنظيمات الإسلامويّة (Anti - Islamic)([2]) الأيديولوجيّة الجماعاتيّة، والدول الظلاميّة الجديدة، وبكل ما لها من نخب فقهائيّة وفكريّة وفلسفيّة، باتت تطمس "الإنسان" في الإنسان عبْر توليد أنظمة جماعتية (Collectivism) جهويّة يتدحرج الكائن البشري في دروبها على نحو غير بصير بجوهره الإنسي السامي كإنسان؛ فالإنسان في عرفها الأيديولوجي العدمي هو مجرّد كائن بشري - جهة؛ إما كائن لجهة دينيّة أو مذهبيّة أو عرقيّة أو مناطقيّة حتى أصبحنا – نحن الناس وبحسب هذه الرؤية - نتعامل، وعلى نحو صاخب، مع إنسان الدِّين، وإنسان المذهب، وإنسان العرق، وإنسان المنطقة، وإنسان الحزب، وإنسان الأيديولوجيا، وإنسان اللفيف اللوبوي، بالأحرى إنسان اللفيف الجماعاتي الطوائفي (Denominational) الرعاعي الدّموي المُفسد، أمّا إنسان - الإنسان الأصلاني "فينا"، فهو الغائب المغيَّب والمحجوب المحتجِب معاندة.

هذا يعني، أنّ مَهمتنا هي إحياء الإنسان في إنسيّته الأصيلة عبْر تقويض حشره في مجرّد بنية رقميّة ضوئيّة أو تحويله إلى مجرّد وسائليّة "لغوية في الاتصالات الرقميّة المفرطة والمتسارعة؛ لأنّنا كائنات تتكلّم وتكتب وترسم وتصبغ وتلعب وتحسُب وتتخيَّل وتفكِّر"([3]) وتُحب وتكره وترغب وتأمل.

لذا، لا يحضر المشترك الإنساني بوصفه كذلك إلّا عندما يكون وزن الإنسان فيه بمقدار وزنه الذاتي الذي له كقيمة إنسيّة حقّة، أي بنمط كينونته التي له في نورها الإنساني الأصيل، أو كما قال الفيلسوف أبو يعقوب الكندي منذ القرن الثالث الهجري أن "نكون بأنفسنا نحنُ ما نحن"([4]). وعند ذاك سيلُقي المشترك الإنساني بثقله في مجرى الوجود، وسيجد كينونته الحقّة التي له ناهضة على أسس قوامها الإنسان - من - حيث - هو - إنسان وليس الإنسان - من - حيث - هو - جهة عرقية أو دينية - مذهبية أو مناطقية سارية برأسها على نحو متعالي الكينونة والوجود.

إحياء مبدأ الإنسان كجوهر في الوجود

عندما نستعمل مفهوم "جوهر/ جوهري" في منطوق هذا المبدأ، فلا نأخذه بمعناه الميتافيزيقي المفارق، إنّما بمعناه الوجودي الواقعي ليس بعيداً عن ذاته الإنسيّة؛ ذلك أنّ الإنسان كموجود إنسي له ممكنات الحضور بعضها ظاهر وغيرها كامن في حدود تجربته البشريّة - الإنسيّة اليومية وليس الميتافيزيقية أو المفارقة.

نقول عن الإنسان إنّه جوهري، لأنّه الموجود الوحيد الذي يعي ذاته، وهو كجوهر كائن بشري من نمط ها - هو - هنا كمنظور ومقروء ومُعاش ومُعاش معه، هنا كإنسان بكلّ كينونته البيولوجية (الجسميّة) والشِّعرية (الجسديّة)، والذهنيّة والعقليّة "المعرفيّة"، ككائن تنافذي - تواصلي مؤهَّل ومؤهِّل لأنْ يدخل في مشترك بشري، وبالتالي مشترك إنسي عام من دون وحشة آدميّة تعزله عن غيره في العالَم الذي يعيش فيه.

وهكذا، فالإنسان إنّما هو جوهر بوصفه إمكاناً تواصلياً، وليس ذلك الكائن البشري المنغلق على بهيميّة غرائزيّة معزولة؛ فبالتواصل الإنسي ينفتح الإنسان على ذاته الإنسيّة وعلى نظرائه من الناس.

إنّ الإنسي الأصيل ينتزع ذاته من متاهة الضياع في مجرّد كينونة غريزيّة؛ إنّه يسعى إلى انتزاع ذاته الإنسيّة من براثن أيّة عزلة مبتذلة أو السقوط في اليومي الاستهلاكي غير الإنساني؛ فالعماء الغريزي غالباً ما يلجم التواصل الإنسي الحقيقي، وعندما نصف الإنسان بأنّه جوهر؛ فذلك لأنّه الموجود الإنسي التواصلي الذي يتيقّظ جوهره الإنسي ولا يتغافل عن هذه المكانة الرفيعة التي له دون سائر المخلوقات في العالَم.

لقد عملت الفلسفات المتوارثة على حشِر الإنسان في عوالم الماوراء. ولا شك أنّ الإنسان هو الكائن الإنسي الوحيد الذي يميل إلى الماوراء؛ إنها تلك مزيّة وعي أصيلة فيه، وله حاجة نفسيّة وروحيّة سائدة لا يمكن نكرانها، لكن تلك الفلسفات تمادت في رسم هذا التطلُّع كما لو كان ضرورة مصيريّة لأي مُعاش ممكن أن يكون حتّى راحت تفتح نوافذ جحيميّة للإنسان نحو الماوراء، نوافذ أدّت بالإنسان إلى جنوحه صوب الانصهار في الذات الإلهيّة، بينما هذه الذات لا تريد ذلك، إنّما تريد علاقة تواصل قوامها العابد والمعبود، وفي ذلك قواعد دينيّة فقهيّة معلومة؛ بل راحت تلك الفلسفات أيضاً تُحيي البُعد الإلهي في الذات الإنسيّة على نحو صار فيه الإنسان مستغرقاً في أتون ما هو مؤلَّه يبعدهُ عن كائنيّته الواقعيّة كإنسان([5])، في وقت لا يريد الخالق (الله) ذلك؛ فالعبادة عمل كحرث الأرض وسقي الشجر وقطف الثمار؛ قال عمر بن الخطاب: "لأنْ أموت بين شعبتي رحلي أضرب الأرض ابتغي من فضل الله، أحبُّ إليَّ من أن أُقتل مجاهداً في سبيل الله"([6])!

أمّا العمل للآخرة، فشأنه ذاتيّ شخصيّ، إنّه مطلب إلهي إنسيّ - مُشترك، لكن اللجوء إلى هكذا عمل، وعلى نحو جماعاتي مبرمج يستند إلى رؤية أيديولوجيّة جهويّة منغلقة تودّي بحياة المرء صوب الضياع، سيكون بوابة لمسخ "الإنسان" في "الإنسان الكائن"، وهو ما جرى ولا زال يجري بعُنف جهوي نافر السلبية في مجتمعاتنا العربيّة وغيرها.

لقد سلبت الأنظمة الجهويّة الجديدة، وأقصد بذلك: أيديولوجيات التدمير الجماعاتيّة المسعورة افتراساً والمتمثلة بالعدميَّات العَلمانية الغربية والإسلامويّة المتطرفة معاً، والتي هي صناعة ذهنيّة بشريّة في الشرق والغرب، وإن بدت في ميل إلى ما هو مفارق بهويّة مؤلّه، سلبت، هذه الأنظمة العدميّة، الإنسان حريته في أن يكون هو ذاته الأصيلة؛ حريته في الانتماء إلى نفسه أو "حريّة الانتماء إلى أنفسنا"([7]) بوصف أحدنا هو الإنسان؛ وذلك عندما أخرجَتهُ من جوهره الواقعي كونه هو نفسه كإنسان وقذفَته إلى مهاو حُلميّة مفارقة في نغمة ما ورائيّة أسطوريّة عدميّة جديدة؛ فمثلما دفعت العدميّات الغربيّة الإنسان نحو "اختيار تمثّلات وصور مقترحة عن الذات، ليعيش المرء هوية افتراضية جديدة"، كما يقول راينر فونك([8])؛ كذلك تفعل إيديولوجيات التدمير الجماعاتيّة الإسلامويّة بإخراج الإنسان عن هويته كإنسان نحو هويات مماثلة إن هي إلّا أقنعة؛ فالجسد البشري في عرفها إنّما هو كينونة نجسة ينبغي تطهيرها بالجهاد الدّموي عبر قتل مزدوج المآل؛ قتل النّفس وقتل الغير، وعورة المرأة إنّما هي باخسة لحق وجودها الشرعي، وعليها، إذا ما أرادت إصلاح الحال، وعلى نحو أخروي مؤلَّه مضمون، أن تلج كينونتها المهبليّة ذكورة ذلك المجاهد المزعوم حتى تظفر بقصر مخملي في جنّات النعيم الموعودة بالحياة الآخرة، لترضي بها نوازع فُقهاء الشهوات الأنثويّة العموميّة، والروح هو كينونة آثم ينبغي معاقبته إلّا إذا راوده الشروع الفعلي بإراقة دماء الناس على قارعة الطرقات، ولكن: أي جهاد؟ إنّه الانقتال أو موت القاتل والقتيل في لحظة عدميّة وجيعة التوحُّش.

لقد أدّى كل ذلك إلى إحالة كينونة الذات الإنسيّة الحقّة إلى هشيم لا مصير له سوى العدم؛ فلم يبق للإنسان وجود ما لهويته الإنسانيّة، فكيف يحقق المشترك الإنسي وجوده إذا كان جوهر الاشتراك يفقد عماده الرئيس بحسب خطابات هذه العدميّات الظلاميّة؟

إنَّ تخطِّي الإنسان الكائن نحو "الإنسان فيه" كجوهر لن يمرّ بيسر إلّا إذا أشرقت في ذهن ونفس أبناء المعمورة فكرة قوامها أنّ الإنسان هو الجوهر في العالَم والوجود، ولكن ليس الجوهر الميتافيزيقي ولا المفارق، إنّما الإنسي الواقعي؛ فما هو إنسي في الإنسان، إنّما هو جوهره، ومقام هذا الجوهر هو الحد الأدنى الذي لا يمكن التخلي عنه إلّا لمن يسقط في بهيمية دنيئة؛ لأنَّ الجوهر الإنسي هو أساس (Source) أصلاني (Authentic) من الناحية الأنطولوجيّة والوجوديّة، وهذا الأساس يقتضي انفتاحاً مزدوج الحراك؛ انفتاح الإنسان على ذاته، وانفتاحه على غيره؛ انفتاحه على زمنيته وعلى زمنيّة غيره بغية تحقيق ديمومة مشتركة؛ ديمومة الذات الإنسيّة مع ذاتها، وديمومة هذه الأخيرة مع غيرها.

لهذا، لا بدّ للجوهر الإنسي من المضي قُدماً بوصف هذا المضي بذلاً تواصلياً من أجل تحقيق معيّة إنسيّة هي من صلب هويته الإنسيّة، وليس تحقيق مجرّد علاقة بشرية يكرِّسها راعي أغنام يجوع إذا جاعت خرافه، ويبول إذا بالت قروده.

إحياء مبدأ نظيريّة الخلق

في حوالي سنة 37 هجرية، ظهرت في الآداب العربيّة السياسية مقولة "نظير لكَ في الخلق"، ظهر استخدامها في نص سياسي - إداري، لكن دلالتها العملية بقيت ذات مُؤدّى فكري وفلسفي إنساني تواصلي.

لقد ظهرت تلك المقولة في صدر الإسلام؛ يوم كانت العرب تعيش أسوأ حال، رغم شروق الإسلام كدين ذي قيم إنسانيّة رفيعة المقام والمآل، واكتمال متن رسالته المحمديَّة؛ إذ "كانت العصبيّة القبليّة هي المركز المعياري الجاذب لكل تفكير بشري يومها، حيث تلاحقه كشرط للمُعاش اليومي، وهي عصبيّة قائمة على أسس جهويّة، لأنّ القبيلة هي زخم الهويّة الأصل لكل سلوك بشري في يومها، رغم نبذ العقيدة الإسلاميّة لها، كما أنّها المرجع الثقافي والمجتمعي والسياسي للفرد في قومه حتى لو كانت القبيلة مصدر شرٍّ له".

ولذلك، جاءت تلك المقولة بروح إنسي - إصلاحي؛ ففي عهد خليفة المسلمين الرابع علي بن أبي طالب الموجّه لعامله حينها على مصر مالك الأشتر، أوصاه - من بين ما أوصى - بأن يراعي الاختلافات الدِّينية والاختلافات الثقافيّة بين الناس في مصر، فقال له: "الرعيّة صنفان؛ إما أخٌ لكَ في الدِّين وإما نظيرٌ لك في الخَلْق"، وكلاهما إنسان.

لقد تمّ اغتيال مالك الأشتر قبل الذهاب إلى مصر (حوالى 37 هجرية)، وبعده اغتيال علي بن أبي طالب (40 هجرية)، ما يعني أنّ الفكر الإصلاحي العربي، ومنذ تلك الفترة، لم يقاوم جهل التعصبيّة الجهويّة (Denominationalism) الأعمى الذي يُعدُّ العُطل الفاحش في الثقافة العربيّة في غير مجال؛ بل هو العُطل الخبيث الكامن في بنية الشخصية العربيّة كعار مهين إذا ما عرفنا أن قتل الإنسان، وعبر تاريخنا العربي الإسلامي، هو مزيّة راسخة لهذا الجهل ولذلك التعصُّب المظلام.

إنّ استعادةً ثقافيّة لخطاب مثل هذه المقولة، وتحويله إلى نمط تفكير ممكن الوجود عملياً، بات أمرها ضرورياً لبناء مشترك إنسي ممكن الوجود في ظل توتر التفكير الجهوي الجماعاتي الذي يحلّ ضيفاً ثقيل الجثوم على حاضرتنا الراهنة، هذا النمط من التفكير التدميري أمسى أرضية تعتمدها إدارة التوحُّش في حروبها الدّمويّة الجديدة كما تتجلّى في سلوك وخطاب هذه التنظيمات الإسلامويّة المتطرفة، التي باتت تشيع "الخوف المعمَّم"  في العالَم بما لها من حشود عموميّة رعاعيّة متهمّجة قاتلة، و"جيوش منزلية" هدفها ذبح الإنسان على هويته الدِّينية أو المذهبيّة أو العرقيّة أو المناطقيّة؛ وبذلك فهي تجاوزت، ليس فقط الأخوّة الدِّينية والمذهبيّة والعرقيّة والمناطقيّة؛ بل أيضاً الأخوَّة الإنسيّة في الخلق أو فكرة الإنسان بوصفه نظيراً لغيره الآدمي في الخلق.

وبذلك، يفقد المشترك الإنساني أحد أهم مقوِّمات نمط كينونته الحقّة التي لا بدّ أن تسود لأي مشترك إنسي حقيقي، ما يعني ضرورة إحياء مضمون وثقافة هذه المقولة كمبدأ لتفعيل ممكنات مشترك إنساني مُتحرّر من سلطة التفكير الجماعاتيّة الجهويّة الكارثيّة ليحل، بدلاً عنها، نمط تفكير الإنسان كنظير لغيره في الحاضرة الإنسيّة. وبذلك يُعدُّ من الخطأ النظر إلى "التاريخ" وكأنه ذلك الماضي المدفون في قبور النسيان؛ فللتاريخ أيضاً إشراقاته التي لا بدّ أن تبق راهنة في ذاكرة الإنس البشري؛ بل وفي رواهن أخرى قادمة.

إحياء مبدأ الهويّة الإنسيّة

يعجُّ عالمنا الراهن بهويات جهويّة شتى تعيش سلوكها وفقاً لمنظومة المعايير التي تؤمن للفرد معيشه الهوياتي، وهو معيش يتجاور هويّات أخرى يصنعها الراهن بحسب ما يناسب شخصية الفرد في مجتمعه الذي له.

إنّ غاية الهويّة الإنسيّة هي خلق الشُّعور المسؤول لدى الإنسان الفعلي بأنّه يرتبط جوهرياً مع نظيره إنسان - الإنسان في شراكة مصيريّة أصيلة شأنها الحد من نمو أي مُعاش هوياتي، فردي أو جماعاتي، متطرِّف للذات يُصادَر الإنسان فيه كمشتقة وجوديّة إنسيّة تواصليّة دون الحدِّ من إبراز القيمة الذاتيّة للفرد، ولكن ليس على حساب إنسان - الإنسان في تلك الذات.

إحياء مبدأ التعارف الإنسي

ما هو جليّ أنّ "القرآن" يميز بين البشر والإنسان؛ فالأوّل يمكن أن يشرب ويأكل ويمرض، أمّا الإنسان فهو الموجود، الذي فضلاً عن ذلك، يحسّ ويشعر ويفكِّر ويتأمّل ويريد ويعلم بوصفه خليفة الله في الوجود بما له من خصائص حباها الخالق له؛ "ولأجل ذلك، فإنّ البشريّة معطىً جاهز، بينما الإنسانيّة مشروع يتحقّق بالقدر الذي يسعى إليه الفرد.

وهذا هو الفرق بين الإنسان والكائنات الأخرى؛ لأنّ الحيوانات والملائكة والنباتات وكل مظاهر الطبيعة هي معطيات ناجزة غير قابلة للتطوّر بالشكل الذي تكون معه كائنات مبدعة ومنتجة للحضارة".

على أنّ التفرقة بينهما هنا هي تفرقة أنطولوجية لا ترمي إلى الاستعداء، فكلاهما مخلوق، ولكن الإنسان مخلوق لذاته كما لغيره، منهم خالقه (الله) ومنهم ذاته كونه الموجود التواصلي مع غيره من البشر ونظرائه من الناس، وهي تواصليّة تسعى إلى التقدّم لا السكون، إلى تفعيل الحياة لا تجميدها.

إنّ تواصليّة الإنسان مع المخلوقات الإنسيّة تبدو شرطاً وجودياً لكنّه أيضاً ذلك الشرط التكليفي كون الله طالبَ الناس أن يتعارفوا فيما بينهم، والمقصود من "التعارف" إنّما هو "التواصل الإنسي"؛ فلا يمكن للإنسان أن يعيش وحيداً، وهو صاحب إرادة وخيار؛ فمثلما يتواصل مع خالقه، وهو الله، كذلك وجوباً يتواصل مع غيره من النظراء في الخلق والملّة الإنسيّة.

في هذا السياق، تبدو الآية الكريمة في القرآن واضحة الدلالة؛ إذ تقول: "يا أيُّها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأُنثى، وجعلناكم شُعُوباً وقبائلَ لتعارفوا، إنَّ أكرَمَكُم عند الله أتقاكُم، إنَّ الله عليم خبير" (الحجرات: 13).

ونلاحظ ههنا أنّ الله خاطب "الناس" من الخلق، ولم يخاطب "البشر"، لأنّ الدّعوة إلى التعارف تفترض البُعد الإنسي في الخلق؛ أي إنّها تُخاطب وعي الإنسان وحدْسه وعقله وبصيرته الإنسيّة وليست طباعه البشريّة الجسميّة.

إلى جانب ذلك، تؤكّد هذه الآية على فعل الخلق، وتدخل مباشرة إلى الاختلاف الجنسي؛ فالإنسان مخلوق من ذكر وأنثى، وهي ثنائيّة أنطولوجيّة، وجعل الإنس البشري موزعاً إلى "شعوب" و"قبائل" أو أقوام وأمم وملل إنسيّة، وكلّهم مخلوق لا لكي يتقاتل أو يتنافر أو يتصادم؛ فذلك منافٍ لما يريده الخالق من مخلوقه الإنسي؛ بل ليتعارف هؤلاء بوصفهم موجوديّة إنسيّة تواصليّة مؤدّاها أن يتعارف الإنسان مع نفسه عندما يُدرك ويعي ويحْدس مكانته ومقامه عند الله بوصفه خليفة له في الأرض، ويدرك ذاته بوصفها إرادة وقرار في الوجود المُعاش، ويعي مقامه ليس بعيداً عن كونه نتاجاً إنسيّاً لمصدرين أنطولوجيين من الإنس هما الذكر والأنثى أو الأب والأم أو الوالد والوالدة، ما يعني أنّ كليهما "الرجل والمرأة من طبيعة واحدة، وخلقا في وقت واحد، وبيد واحدة؛ لذلك فهما متساويان من كل الجهات، ومتحدان في الطبيعة والطينة والعنصر، أي إنّهما من أصل واحد".

إنّ هذا الأصل المشترك الذي يبدو كمصدر قوة، يجب ألّا يؤخذ بوصفه مانعاً للاختلاف بين المجموع الإنسي الذي صوَّره الخالق كشعوب وقبائل لا بدّ لها أن توجد وتمارس المعيش عبر تعارف إنسيّ هو طبع مؤصَّل لديها؛ فالله خلق الناس لا لكي ينصرف كل فرد منهم إلى ذاته في علاقته بالله الخالق فقط، إنّما الجمع، كل الجمع، ينصرف إلى اللفيف المتنوِّع من الملل والشعوب والقبائل، الأمر الذي يوجب على الإنسان الانصراف إلى نظيره الإنسان، رغم الاختلاف بين الشعوب والقبائل والملل، وقد يكون التعارف بشرياً، لكنّه بالدرجة الأساس إنسياً؛ ذلك أنّ الاختلاف حق طبيعي، لكنّ هذا الاختلاف لا يكون حقاً بالتقوقع على الذات أو التقوقع فقط في علاقة الذات مع خالقها؛ فالكدح شرط حياة، والتعارف مع الناس هو الكدح الضروري، ما يعني أنّ التواصل يمثّل، هو الآخر، الحق الطبيعي؛ بل لا قيمة للاختلاف إلّا بالتواصل والانفتاح الإنسيين على النظراء من الناس.

إنّ منزلة التعارف عند الخالق لعظيمة كونه دعوة ربانيّة جاءت إلى الإنسان بالرضا الإلهي في الدّارين معاً، فمن تقوى الإنسان أنّه يتعارف، وتلك علاقة عموديّة، ومن طبع الإنسان أنّه يتعارف مع نظيره الإنسي وهي علاقة أفقيّة لخلق مشتركٍ إنساني متوازن يُسقط أيّة مركزيّة استعلائيّة من دون التفريط بالباعث الدِّيني الذي لا زال مُعاشاً روحياً ليس بالسهل التخلّي عنه.

***

تبدو هذه المبادئ الخمسة؛ مبدأ إحياء الإنسان في الإنسان الكائن، ومبدأ إحياء الإنسان كجوهر في الوجود، ومبدأ إحياء نظيريّة الخلق، ومبدأ إحياء الهويّة الإنسيّة، ومبدأ إحياء التعارف الإنسي، تبدو ممكنات مُعاش إنسي من شأنه خلق استراتيجية جديدة للمشترك الإنساني المأمول للحدّ من تلاشي هذا المشترك؛ بل تلاشي إنسيّة الإنسان أو اندثارها كما لو كان الإنسان مجرّد "وجه من الرمل مرسوم على حدّ البحر"، بحسب تعبير ميشيل فوكو.

إنّ فهمنا لهذا المشترك الذّهبي، وبهذا المعنى، هو رهاننا كعرب ومسلمين وغيرنا من نظرائنا في المعمورة الإنسيّة التي تضمّنا سيان للعيش في زمانية نرجو لها التواصل بلا استعلاء هويّاتي أو حروب تريق دماء الإنسان وتشظي وجوده على نحو مجانيّ رخيص.

متعلقات
انشر عبر