Menu
حضارة

حبيب صادق المثقف يحفر في الكابوس اللبناني

محمد علي شمس الدين

تستطيع أن ترسم تخطيطاً بالغ الدقة للشاعر والسياسي اليساري اللبناني حبيب صادق، بعد الفراغ من قراءة الحوار الذي أجراه معه الإعلامي طانيوس دعيبس ونشر بعنوان «حوار الأيام» في 950 صفحة، ( دار الفارابي). إن حواراً يمتد على هذه المساحة الشاسعة من الصفحات، لا بد من أن يكون نبشاً في الزوايا الخفية والطبقات العميقة من شخصية المتكلم، فيغدو الحوار أداة كشف وتحليل أو تشريح، لا اعترافات ذاتية يدلي بها المتكلم انطلاقا من أسئلة المحاور، وإضاءات لتاريخ حياته الشخصية والعامة. إننا نصغي إلى صدى معاول تضرب في أرض صلبة وقديمة، لكننا، مع تسارع هذه الضربات وكثرتها نجد أنفسنا ملزمين بالإصغاء الى الجوهري منها. الجوهري الذي يصنع حياة وأمثولة. فإذا كان صاحب السيرة الحوارية هذه، هو ممن عايشتهم وصادقتهم وخبرتهم عن كثب، واتفقت معهم واختلفت، فإن الحوار الثنائي لا يلبث أن يصبح حوار «كثرة». فالأصوات تتعدد في الصوت الواحد، والتاريخ الشخصي يغدو تاريخاً مشتركاً للجماعة. في أرض ما زالت مسرحاً حياً لكثيرين من أهلها المذكورين فيها، وزمن محدد بعينه، هو هذا الزمان المشهود الجاري، وحوادث ما زال أصحابها أحياء أو يوشكون على الشيخوخة. إن كثيراً من الأعلام لا يستطيعون أن يناقشوا حبيب صادق في بعض ما أورده من وقائع و ذكريات. أولئك الذين أصمتهم الموت، ومنهم حسين مروة و مهدي عامل ومحمد دكروب والشيخ عبد الله العلايلي، وكمال جنبلاط وسهيل إدريس واَخرون ممن نستطيع أن نسميهم الرفاق, لا سيّما الشيوعيين منهم. لكنّ كثيرين اَخرين ما زالوا أحياء، يستطيعون أن يناقشوا الكاتب في ما أورده من وقائع وذكريات تمتد على امتداد وعيه المتجددد الطويل، وسيرته المتنوعة القاسية.

إن الثمرة الطيبة والجميلة لهذه الحياة، التي يقطفها قارئ السيرة الحوارية هي ثمرة مؤكدة. أما الشوط فشوط المسافات الطويلة. ثلاثة وثمانون عاماً هي مسافة حياة حبيب صادق حتى الاَن. حياة صعبة وصلبة، متنوعة ومستقيمة، يكاد يمحي فيها الخاص والذاتي والجسدي الذي يصنع القصيدة و اَلامها ومنعرجاتها، لتبرز على الشاشة صورة السياسي والإداري والمقاتل اليساري على جانبيه: الجانب الحالم السرفانتسي السعيد بأحلامه، والمستيقظ بين صحوة وصحوة على الخدعة. وجانب المتشبث بالحلم اليساري حتى ولو كان خادعا لأنه لا يمتلك سواه. ما يرويه حبيب صادق على استحياء، بشأن انفصام اليسار فيه ( أو في شكل أدق الشيوعية )، يصلح لكي يكون وثيقة سياسية، هي ناتج بعض محطات عملية عاشها الكاتب صدمت وعيه, لكنه كتمها في صدره مدة طويلة، ولم يبح بها إلا في حواره الأخير الخطير. هو يرويها، متأخرة، ويعتذر. من هنا هو شجاع، ويحمل من اسمه نصيباً وافراَ.

الموضوعي يتقدم الذاتي

وإذا كان لهذا الحوار مع حبيب صادق، كأصل وفكرة، هو أن يكون جزءاً من مشروع رسمي (كما ورد في التقديم ص7)، يحمل عنوان «الذاكرة المحكية للبنان» أطلقته مؤسسة المحفوظات الوطنية، التابعة لرئاسة مجلس الوزراء. فإنّ جوهره كتابة جزء من التاريخ الحديث للبنان، المعقد المشتبك المختلف عليه، بوجهات نظر مختلفة. إذ أن ثمة حوارات أخرى، مع أشخاص عامين اَخرين، ستستكمل هذا المشروع -المغامرة. إنّ الحوار مع حبيب صادق بالذات، هو كشف لمرحلة تقارب ثلاثة أرباع القرن، من تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، من وجهة نظر يسارية. ذلك أن انشطار المجتمع اللبناني انشطارا عمودياً من القمة إلى القاعدة، لم يبرح يرافق أطوار هذا التاريخ، من نهايات الانتداب الفرنسي في أربعينات القرن العشرين، إلى عصور الاستقالال الملتبسة، إلى الدخول في الفتن والحروب الأهلية إلى الصراع مع إسرائيل، وما نتج عن ذلك من تكتلات وأحزاب وحروب. إن لبنان على الأرجح ما زال فكرة بيضاء أو حمراء، دموية موشاة بالقصائد والأغاني. وهو أقرب إلى الكابوس منه إلى الحلم، لذلك يأتي حديث حبيب صادق الطويل بمثابة حفر في الكابوس في حين أنه قصد الحفر في الحلم.

لا أخفي أنني كنت أسعى إلى الذاتي في قراءتي لفصول الحوار. لكنّ القطار كان يسير في اتجاه اَخر عكس الذي كنت أسعى إليه. هو اتجاه السرد التاريخي والاجتماعي لحياة لا تكاد تلمس الحميم والذاتي فيها إلا من خلال التسلل. فأنت أمام الشخص العام الذي تعرف، أو تفترض أنك تعرف، تسترق السمع والبصر إلى الذبذبات الخفية المستورة في تعاريج نفسه. هكذا قرأت مكسيم غوركي في كتاب «الأم» وسارتر في «الكلمات» وطه حسين في «الأيام» وأحمد أمين في «حياتي»، ومحمد شكري في «الخبز الحافي».

الكتاب ليس سيرة أدبية حكائية، وليس بسيرة شطارية، وهو ليس بمحاورات تذكرك بمحاورات أفلاطون في الجمهورية أو البرمنيدس، فـ«حوار الأيام» عنوان لمونولوغ طويل تكلّم فيه حبيب صادق، من خلال إثارة بعض الأسئلة، وبشكل أساسي من خارج الحوار (أي على سجيته واستطراداً) عن الشخص السياسي والإداري فيه (بشكل جوهري)، وعن الشخص الأدبي فيه، (لماماَ وفي ما يخدم الشخص السياسي تبعاً لمقولة الأدب الإشتراكي ) أكثر مما تكلم عن جسده وحبه وذاك المخبأ السرّي في النفس الذي فيه تعتمل لواعج الحياة وشؤون الحب والموت لكي تنتج الإبداع.

هو لم يرغب في ذلك، وكان خجولاَ ومتمنعاَ في الاستجابة للحوار. هو يعتقد - خجلاً و لطفاً- أن حياته لا تصلح لتروى في حوار. يكاد يغفل المرأة والحب والمغامرة إلا لماماً ومن يعرف الرجل يعرف صدق كلامه. لكنّ الرجل ليس ما يراه هو في نفسه فحسب، أو ما يظهره منها وحده، بل هو ما يراه القارئون له والمبدعون فيه أيضاً. فلنأخذ الجسد مثلاً، جسد حبيب صادق، فإنّ قارئ السيرة (وعارف الرجل) يعثر على جسد رقيق ناحل يتغذى بالنبات ويكتفي باليسير من الطعام. هو أشبه ما يكون بقول الشاعر: « إن في بردي جسماً ناحلاً/ لو توكأت عليه لانهدم». وهو يصف نفسه قائلاً: «إنني لست من ذوي الشهوات وأكتفي بما تيسر من زاد إضافة إلى أنني متقشف ونباتي لذا لا أحتاج إلى الكثير من الدخل حتى أؤمن عيشي (ص 899) . لكنّ هذا الجسد الناحل، يغدو جسداً ملحمياً حين يجابه بالسرطان، فإن صراع عشر سنوات مع المرض الفتاك، ما بين 1985 و1995، وخروج الرجل منتصراً في نهايته، هو صراع ملحمي. حبيب صادق في جسده صالح لأن يكون قصيدة أو رواية.

السيرة وطبقات الوعي

ولنأخذ النشأة الأولى من السيرة. هي نشأة مشيخية دينية في الأساس، لكنها خاصة ومعذبة وصالحة لكي تكون في ما أضيف إليها من طبقات الوعي، مادة الشخص السياسي اليساري، الذي صار إليه الرجل، من الدين إلى الماركسية. هكذا تطور وعي حبيب صادق. فهو الولد التاسع عشر، من عائلة تتكون من عشر إناث وتسعة ذكور، كونها والده المرجع الديني المعروف والشاعر الشيخ عبد الحسين صادق (1862 -1942) من جراء اقترانه بثلاث زوجات. ولد حبيب في العام 1932 في بلدة الخيام الحدودية من الجنوب اللبناني، من الزوجة الثالثة للشيخ، و كانت صبية، وهو في الثالثة والسبعين من عمره. هو لا يعرف والده كما يقول، إلا في الصورة. فكأنه ابن أمه فقط. أمه التي كانت تعطف على صغار العصافير مثلما تعطف عليه وترعاه بحنانها.

نشأ حبيب صادق في حضن مشيخي وشعري، هو في كل من الخيام والنبطية في الجنوب اللبناني، الجناح الاَخر للسلطة القائمة... أي أن الجنوب كان محصوراً بين سلطة رجال الدين وسلطة رجال الإقطاع. وكان الجميع يتقاسمون أو يتنازعون النفوذ الإجتماعي والريعي على الأرض والفلاحين. كل من موقعه وأدبه السياسي. في هذا الحضن الديني المعنوي نشأ الفتى وكتب قصائده الدينية الأولى، وحمل الحيف صامتاً بين أسرة بهذا الحجم إذ لا بد أن يتعرض بعضها للحيف، وأن تنعم السلسلة الذهبية من المشايخ فيها بالإمتياز الموروث. حبيب صادق ورث طبعاً دينياً أولياً عن والده وأخويه الشيخين، ولكنه لم ينعم بالغرم المشيخي... بل حمل الغرم في جسده ونفسه، ونما معه هذا الغرم حتى تحول إلى إحساس طبقي حاد لم يستطع فكاكاً منه حتى الاَن. بل لعل ملاحظته للفروق الطبقية العائلية والاجتماعية من حوله، دفعته اندفاعاً بديهياً في طريق الاشتراكية، لاعتقاده، (على ما يكرر في أماكن عدة من الحوار أنها طريق الخلاص).

ولعل نشأته الأولى قتلت الكثير من رغباته الطبيعية... كالرغبة في الزواج و الإنجاب مثلاً. وإذ كان لنا أن نشبه الوعي بالطبقات المتراكمة في حقل واحد، فالطبقات السفلى لوعي الرجل هي طبقات دينية مشيخية، إلا أن الطبقات العليا طبقات يسارية ماركسية. وحبيب صادق أقرب ما يكون في هذا المقام إلى عدد من المفكرين العامليين (نسبة الى جبل عامل – الجنوب اللبناني حالياً) ممن غادروا الجنوب في أربعينات وخمسينات القرن الماضي إلى العراق طلباً للعلم الديني في المدارس الدينية في النجف الأشرف، لكنهم سرعان ما تحولوا في ظل الحوزة الدينية هناك، من شيعة إلى شيوعيين، فخلعوا الجبة والعمامة ولبسوا زيّ المفكر الماركسي. ومن بينهم حسين مروة ومحمد شرارة، وهما الأبرز في هذا المجال.

وحين عادوا من العراق إلى لبنان، إما طوعاَ أو كرهاً، عادوا ليبشروا بالفكر الماركسي الشيوعي بدلاً من الفكر الديني. ولكن بقيت تتسرب من الطبقات السفلى في وعيهم خيوط ولو واهية إلى الطبقات العليا الدينية. فحبيب صادق، على رغم إحساسه الفادح بالظلم الذي ناله من خلال وضعه العائلي، ظلّ أكثر الناس براً بأبيه وعائلته. فقد أحيا أشعار والده التي كان يكتمها في الأوراق خوفاً منها(أي القصائد) على هيبة المشيخة... نشرها حبيب بعد موت والده في كتابين قشيبين من الشعر على التوالي ونشر ديواناً لأخيه الشيخ حسن... وتتبع الخفي من أخبار عائلته لينشر ما يعتبره الجانب المليء من كأسها فيطغى على الجانب الخاوي. ولعل سمة في الرجل تدقعه إلى مثل هذا السلوك... فهو على العموم، وإن كان كثير الخصومات السياسية، إلا أنه يبقى في داخله ميالاً للصمت أكثر من ميله للضوضاء. فهو رومنطيقي يساري كادح على وجه التقريب، شاهد حيّ على ما عانى منه اليسار اللبناني بوجه خاص واليسار العربي بوجه عام (وفي طليعته الأحزاب الشيوعية والاحزاب الإشتراكية) من عبء التناقض بين النظرية (الطوباوية) للماركسية والتطبيق الملتبس على أرض الواقع والممارسة.

ومن تناقض بين الحرية التي يفترضها كل مجتمع عربي، والتبعية للمركزية الحزبية في موسكو، يعترف حبيب صادق بما يمكن أن يسمّى الوعي السياسي المجروح، وما يلحق بالرواية السياسية (الطهرانية) من تشويه في التطبيق. يقول: «أحسست بانكسار داخلي» بعد عرضه لرشوة طلب منه أن يدفعها في براغ (تشيكسلوفاكيا الشيوعية) وهي علبتان من السجائر لا غير للموظفة المسؤولة عن استشفائه. يقول: «تساءلت بعمق: رشوة بعلبتين من السجائر لا أكثر في بلد إشتراكي» (ص 786)، كان ذلك في العام 1968. وحين يكشف عن ممارسات اتحاد الكتّاب السوفيات في اجتماع اتحاد كتّاب اَسيا وافريقيا في العام 1973 وأنهم كانوا يسعون جاهدين لتثبيت أمانة الاتحاد ليوسف السباعي (المنحرف وطنياً وماركسياً في عرفهم يومذاك)، يسأله محاوره: لماذا لم تتم ممارسة نقدية علنية لممارسة السلطة السوفياتية اَنذاك؟ لماذا لم تكتب في الصحف نقداَ لما جرى في مؤتمر اتحاد الكتّاب الاَسيوي الإفريقي؟ يجيب صادق: هذا التشهير لم يحدث، والرأي العام لم يطلع على تفاصيل ما جرى. ويضيف صادقاً: وهذا موقف نؤاخذ عليه.

 

نقلاً عن: الحياة