Menu
حضارة

بين الوطن والدولة والنظام

حاتم استانبولي

بمناسبة الحديث عن الوطن , الوطن فكرة ( تتراوح ما بين الملزم والطوعي) مرتبطة بالمكان والزمان , بما يعنيه المكان من تحقيق للذات, وتشكيل وعيه الأنساني ,وعلاقاته مع محيطه المادي عبر الزمان .

وهنا تتحول الفكرة لشكلها المادي لها ملموسية واثر تاريخي.

أما الدولة فهي شكل لأدارة العلاقات بين التجمعات البشرية, التي ترتبط بمصالح محددة تعبر عن نفسها بعقد اجتماعي (سمي حديثا بالدستور)، وتاخذ من المكان حيزا لتحديد حدود تعريف وجودها.

النظام هو طريقة لإدارة وتنفيذ النصوص الدستورية وتطويرها بما يتلائم مع التطورات الداخلية والخارجية, ولنجاح النظام يجب ان تكون هنالك قناعة طوعية به من قبل الفئات (التشكيلات الإثنية والقومية وتمارس قناعاتها بحرية مكفولة بالدستور ومحمية بالقانون)، المنضوية في اطار الدولة, ولتأكيد الطوعية في اختيار النظام يجب ان يخضع للاختبار في كل فترة زمنية, فمثلا في الدول المتقدمة يخضع شكل النظام للاختيار عبر التصويت على شكل النظام ملكي ام جمهوري كل فترة تتعدى 25عاما .

هنالك من يخلط بين هذه المفاهيم , فبالنسبة لهذه الثلاثية فان الثابت هو الوطن فلا يمكن (لبسه او شلحه ) او اعطائه صفة مرتبطة بمكون واحد من مكوناته او تقسيمه عبر اسقاطات ارادية لفرد او فئة, اما النظام فمن الممكن ان يكون قوة دفع ايجابية في التطور تؤدي لتطور المجتمع (في اطار الدولة) بما يحافظ على الخصائص والحقوق لكافة مكوناته بشرط ان يشكل انعكاسا لتوازن القوى الاجتماعية , او قوة معيقة لتطوره, تضع الأسس لتدميره وتفتيته, ويصبح النظام هو اداة تخدم فئة محددة في المجتمع, وتضع القوانين والتعليمات التي تؤدي لتغييب او الغاء المكونات الأخرى. لذلك فان فصل السلطات الثلاث في الدولة هو موقف حاسم ومقرر في تطور المجتمع.

أما عن الإعلام والذي اصبح سلاحا فتاكا, فيجب ان يكون حرا من حيث التعبير ويعكس كافة الاتجاهات الاجتماعية وتعبيراتها الاقتصادية والسياسية, واهم شرط من شروط نجاح المجتمع, ان يكون النظام يعكس المصالح وتوازن القوى الملموسة لكافة مكوناته, بما في ذلك أدواته التنفيذية والقضائية والتشريعية وتعبيراتها الأعلامية.

وفي سياق الصراع الديمقراطي المشروع, يجب دائما الحفاظ على ان لا يتحول الصراع باشكاله, من حالة الصراع على او مع النظام, لصراع مع الدولة او على الدولة. وان لا يتوجه الغضب على سلوكيات وممارسات النظام السياسي لغضب ضد كيانية الدولة ويعمل على تقويضها.

إن وعي الخطوط الفاصلة ما بين الوطن والدولة والنظام, والترابط بينهما هي مهمة على عاتق القوى الأكثر وعيا في المجتمع. ويجب ان لا يقودنا سلوك البعض ان كانوا افرادا او مؤسسات , عن وعي او عن غير وعي ,الى الإنجرار في تحويل الصراع, من صراع مع النظام, الى صراع مع الدولة؛ لكون تغيير طابع الدولة, يستلزم تغيير جوهري في العقد الاجتماعي بين مكوناتها, ويشترط ان يكتسب الطابع الطوعي, وتستخدم لتحقيقه ادوات, ووسائل ديموقراطية شفافة.

لذلك فان الأصوات التي تحاول, توزيع شهادات بالوطنية معيارها الولاء للنظام, وربط معيار الولاء للوطن, بالولاء للنظام ومؤسساته, بغض النظر عن سياساته، هي تحاول اختصار الوطن على مقاس فئة محددة، وبذلك تقوم بعملية تقويض داخلي لفكرة الدولة الجامعة، وهذا السلوك هو بداية لبروز النزعات الفاشية والإلغائية. وتراه في جوهره يخدم الفكرة التدميرية لكيانية الدولة, والتي تسعى لها قوى خارجية, تريد ان تعيد رسم المنطقة بما يتلاءم مع مصالحها الجيوسياسية. فالوطن موجود ما قبل تشكيل الدولة (والنظام).

والوطنية مفهوم, يجب ان يعبر عنه من خلال الالتزام بالمكان, لما يشكله من حيز لممارسة النشاط الإنساني الخلاق.

والعلاقات التي تربط بين مكوناته, تعبر عن نفسها بالاقتصاد, والسياسة, والاجتماع, والثقافة, وتنعكس في العقد الاجتماعي بينها.