Menu
حضارة

دروس مستفادة من تأسيس الجبهة الشعبية

عبد الغفار شكر

بقلم / عبد الغفار شكر

تأتي الذكرى الخمسين لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 وسط ظروف بالغة الصعوبة ومخاطر جدية تواجه الامة العربية وتهدد مستقبل القضية الفلسطينية. وكما هو واضح فان القضية الفلسطينية تمر بمنعطف خطير بحكم العديد من التطورات السياسية في السنوات الاخيرة والتي حرمت القضية الفلسطينية من العديد من عناصر القوة التي كانت تمتلكها لسنوات طويلة ويأتي في مقدمة هذه العوامل التزام شعوب الامة العربية باحتضان الشعب الفلسطيني ومساندته في كفاحه العادل من اجل استعادة حقوقه التاريخية في دولته المستقلة على كامل التراب الفلسطيني في مواجهة اغتصاب الاسرائيليين لارضه واقامة دولة غاصبة مالبثت ان التهمت الارض الفلسطينية كاملة من خلال عدوانها المتتالي في 48 و67 وكانت الضربة الاولى للمساندة العربية لشعب فلسطين توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل فخرج بذلك الجيش المصري اكبر الجيوش العربية من ساحة المواجهة مما ادى لاختلال توازن القوى لصالح اسرائيل. وجاء الاحتلال الامريكي للعراق سنة 2003 وقرار سلطة الاحتلال بحل الجيش العراقي فزاد من اختلال القوى العسكرية في الصراع العربي الصهيوني لصالح اسرائيل. وضاعف من الاختلال في توازن القوى بين العرب واسرائيل ما حدث من صراعات داخل العديد من الدول العربية العراق وسوريا واليمن وليبيا، الامر الذي حرم الشعب الفلسطيني من المساندة العربية له. وقد تواكب هذا التطور السلبي بالنسبة للقضية الفلسطينية مع الانقسام في الصف الفلسطيني بما حدث من خلاف بين حركة فتح وحركة حماس لمدة وصلت لعشر سنوات وتأثير ذلك على الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني واصابة منظمة التحرير الفلسطينية بالشلل نتيجة هذا الانقسام، في الوقت الذي لم تتوقف الدولة الصهيونية عن تسليح نفسها وامتلاكها السلاح النووي واحدث العتاد الحربي، بما في ذلك القدرة على الردع بما تمتلكه من اسلحة متقدمة سواء كانت جوية او صاروخية، مستفيدة في ذلك من احتضان القوى الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية لها وتزويدها بهذه الاسلحة المتقدمة والتعهد لها بان تمكنها من الحصول على القوة العسكرية التي تضمن لها ان تكون اقوى عسكريا من كل الدول العربية مجتمعة، واخيرا يأتي اعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقل السفارة الامريكية اليها في تحدي سافر لكل الدول العربية بل وتواطؤ بعض حكام هذه الدول مع امريكا في هذا القرار.

في ظل هذه التطورات السلبية فاننا اذ نستعيد ذكرى تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يتعين علينا ان نستلهم العديد من الدروس المستفادة من هذا التأسيس لننطلق منها الى افاق ارحب تستعيد بها الحركة الوطنية الفلسطينية قدرتها على الانطلاق نحو مزيد من القدرة على تحقيق اهدافها في اقامة دولة فلسطين على كامل التراب الفلسطيني. والدرس الاول الذي تقدمه لنا تجربة الجبهة الشعبة هو مساهمتها في تحقيق الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني، فقد تشكلت الجبهة الشعبية عند تأسيسها من حركة القوميين العرب وعدد من المنظمات الفلسطينية التي توافقت يومها على تشكيل الجبهة واعلانها عام 1967، وبذلك فان المثل الذي قدمته الجبهة الشعبية بهذا التوحيد للعديد من المنظمات الفلسطينية في كيان واحد هو درس هام ينبغي ان نعطيه حقه من التقدير وان نستلهمه الان في مسار القضية بالسعي الى استعادة الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، وانهاء الانقسام في الصف الفلسطيني الناتج عن تنازع السلطة بين فتح وحماس، ولعل المصالحة بين الطرفين التي ساهمت في تحقيقها جمهورية مصر العربية تكون مقدمة لاعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية بما يكفل استيعابها لكل الاطراف بما فيها حركة حماس، وان تكون منظمة التحرير الفلسطينية في وضعها الجديد الاطار الحقيقي للوحدة الوطنية. من هنا اهمية اجتماع الفصائل الفلسطينية كافة في القاهرة لاعادة بحث اتفاق المصالحه سنة 2011 وتجديد الالتزام ببنوده في استعادة الوحدة الوطنية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية، واذا كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد تأسست منذ 50 عاما على قاعدة الوحدة بين العديد من المنظمات فانها مدعوة اليوم لان تشارك بفاعلية في استعادة هذه الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني لتكون هذه الوحدة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني. وهي مدعوة ايضا للقيام بدور اساسي في الضغط على فتح وحماس من اجل تجاوز خلافاتهما لتحقيق هذا الهدف.

اما الدرس الثاني الذي نستفيده من تجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فهو انها عند قيامها اعلنت التزامها بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين، ومارست ذلك عمليا حيث دربت العديد من اعضائها عسكريا ومارست العمل العسكري داخل الارض المحتلة مؤكدة بذلك ان الشعب الفلسطيني من حقه ان يسعى لتحرير ارضه المغتصبة بكل الوسائل سياسية ودبلوماسية وعسكرية. وبذلك يؤكد الشعب الفلسطيني من جديد انه لا يسقط الخيار العسكري بعد ان اكتشف ان اتفاقية اوسلو وما صحبها من اسقاط الخيار العسكري لم تقدم شيئا للقضية الفلسطينية ولم يساهم اسقاط الخيار العسكري في تحقيق اهداف النضال الفلسطيني.

اما الدرس الثالث الذي نستمده من تأسيس الجبهة الشعبية فهو ما تميزت به من اعلاء لشأن الوعي وتأكيدها نظريا وعمليا ان الوعي هو قاطرة النضال الوطني، ان الاجيال الجديدة من الشعب الفلسطيني وهي تتقدم الصفوف لتتسلم مسئولية مواصلة نضالها من اجل استعادة ارضها التاريخية يجب ان تؤسس للمرحلة الجديدة من هذا النضال على ارضية الوعي بتاريخها وبما قدمته الاجيال السابقة من تضحيات في سبيل استرداد ارضها، والوعي بانتمائها الى الامة العربية وان مستقبل القضية يتطلب تأكيد انتماء الشعب الفلسطيني لهويته العربية واقامة الجسور التي تصل هذا الشعب بمحيطه العربي كما ان الوعي المطلوب يمتد لمعرفة ما يجري في العالم المعاصر من تطورات واهمية كسب الرأي العام العالمي لمساندة الشعب الفلسطيني في استعادة ارضه وسائر حقوقه التاريخية.

واخيرا فان قضية فلسطين مرت بالعديد من المراحل على مدار التاريخ واذا كانت الاجيال السابقة قد قامت بمسئولياتها في الحفاظ على القضية فان الاجيال القادمة مطالبة بمواصلة النضال والاستفادة من دروسه والبناء عليها والمساهمة في النضال العربي لاستعادة الشعوب العربية قدرتها على الامساك بزمام امورها وتخطي ازماتها الحالية وما جرى لها من تدخل اجنبي كلفها الكثير. وبذلك يساهم الشعب الفلسطيني في استعادة الامة العربية لمقدراتها الامر الذي سينعكس في قدرتها على مساندة النضال الفلسطيني الى ان تتحقق اهدافه كاملة.

تحية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الذكرى الخمسين لتأسيسها والمجد لشهداء فلسطين وشهداء الجبهة الشعبية.

عبد الغفار شكر / مؤسس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في مصر