Menu
حضارة

هل قلتُ إني لا أحبُّ القُدْسَ؟؟

القدس

كتب الشاعر خالد جمعة - من "فيسبوك"

ذات يوم، وكنت وقتها في العشرين، قلت لصديق لي: أنا لا أحبُّ القدس ، وحين أسافر من غزة إلى القدس، فإن ذلك يكون بسبب أنه لا توجد مواصلات إلى رام الله، فآخذ سيارة إلى القدس ولا أمكث فيها أكثر من دقائق لأستقل سيارة إلى رام الله، لم أكن أحتمل التواجد فيها، قادني هذا التصريح الغريب إلى نقاش طويل مع صديقي هذا الذي اكتشفت في النهاية أنه أيضاً لا يحبُّ القدسَ مثلي، وازدادت دهشتنا معاً حين اكتشفنا أن الكثيرين مثلنا لا يحبّونها، وكبُرَ السؤال: لماذا؟

بالطبع زرت القدس كثيراً قبل ذلك، وتمشّيتُ في شوارعِها شارعاً شارعاً، وعرفتُ حوانيتَها وباعتها، بل أعددتُ بحثاً معمارياً حين كنتُ طالباً في معهد البوليتيكنيك الهندسي، وعرفتُ مسجدها وقبة صخرتها بتفاصيلها، وقرأت الخطوط والمنمنمات، ولكن... لماذا لا أحب كل هذا الجمال؟؟!!

سأدخل إلى نتيجة النقاش الذي دار لأيام بين مجموعة الأصدقاء التي اكتشفت أنهم مثلي تماماً، لا يحبون القدس، ولكنهم مغرمون بكل تفصيلة من تفاصيلها.

في واقع الأمر، أن الأمر لم يكن حقداً على المدينة كما تصورنا، ولم يكن السبب هؤلاء الجنود العابرون الذين يملأون ساحة باب العمود، الأمر كان مختلفاً تماماً، فحيث تمرُّ في القدس، تشعر كم أنت ضئيل أمام من مروا من نفس الشارع وربما خطوا فوق نفس البلاطات التي تخطو أنت فوقها، أيعقل أن يمرّ كلُّ هذا العدد من الأنبياء والقادة العظماء والشعراء والكتاب والمؤرخين في مكان صغير كهذه المدينة؟ وأين يذهب ظنك بنفسك إذا وجدت كتابات تعود إلى زمن المسيح والرومان والمسلمين وآلاف الحضارات الأخرى، من هنا مرّ المسيحُ حاملاً تاجَ شوكِهِ، هنا ربطَ النبي محمّد دابَّتَهُ قبلَ أن يصعدَ إلى السماء، هنا قال صلاح الدين كلمتَهُ الأخيرة، وهنا فهم "أبغدوين" أن مملكةً لاتينيةً على أرضٍ أُعِدَّت من أجل الإنسانية كلها هي مملكة غير ممكنة، هنا ذابَ الصوفيونَ في حضرةِ الرَّب، هنا تعلَّمَ النشءُ أن الحياة أكبر من أن تحدَّها فكرةٌ عابرة، وهنا تقدَّستْ كلُّ ديانات الأرضِ وخلعَت كلُّ الملوكِ تيجانَها تواضعاً أمامَ المدينةِ التي لم تشبهها مدينةٌ أخرى، مدينة تستحق أن تكونَ سرَّةُ العالمِ وحبلُها السرّي مربوطٌ بالله مباشرةً دونَ وساطاتٍ من أي نوع...

هل قلت إني لا أحبُّ القدس؟

مطرٌ من التاريخِ يهطلُ على شعرك وقميصك حين تمر من هناك، مطرٌ من المجد والكينونة المتفرّدة، مطر من النبوّات والأحلام والتوحُّدِ في المطلق البعيد وفي ظلال الآلهة التي سكبها التاريخ في حقلٍ لا تُنبِتُ تربته غير عَظَمَةٍ من بنفسَجْ.

هل ما زلتم تحبّونَ القدس؟