Menu
حضارة

إبراهيم أبو ثريا.. "كم أمشي إلى حُلمي" فيسبقني الرصاصُ

هدى بارود

لحظاتٌ قبل استشهاد إبراهيم أبو ثريا- بوابة الهدف

غزة_ بوابة الهدف

كانت الشمس بالكاد تُحيّي النائمينَ في مقبرة الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تَختبئ أشعتها خلفَ غيومٍ متوسطة السواد لا مطرَ فيها، فالسماءُ التي كانت تُودعُ قُرصَ الشمسِ لحظة قنص جنود الاحتلال إبراهيم أبو ثريا، ذاكَ المُقعد أشعث الشعر واللحية، في رأسه برصاصةٍ فوقَ عينه اليُسرى مباشرة، لم تكن صافيةً في اليوم الثالث لرحيله.

قبرُ جدّته الذي دُفنَ فيه إبراهيم كانَ طويلاً على رجلٍ مثله، يبلغُ طوله متراً دونَ قدميه اللتان كانتا تضيفُان إليه وهو في الواحد والعشرين من عمره ثمانين سنتيمتراً، قبلَ أن تتحوّلا إلى أشلاءٍ من اللحم بعدَ انفجار صاروخٍ إسرائيليّ أطلقته طائرةٌ من دونَ طيارٍ على مجموعة من المواطنين، كانَ ابراهيم بينهم، في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة بالعام 2008. لم يَدفِن الشاب طرفيه في قبرٍ، فلم يُعرَف حينها من جمعَ قِطَعَهما وفي قبرِ أي شهيدٍ من ضحايا ذاك القصف دُفنت.

أمام قبره الهادئ رُسمت كلماتُ توفيق زيّاد "ازرعوني زنبقاً أحمراً في الصدرِ وفي كل المداخل، واحضُنوني مرجةً خضراء تبكي وتُصلّي وتُقاتل" كأنَها قيلت في هذا الراحل بالتحديد، الذي كانَ، قُرب السياج الأمني الفاصل شرق غزّة، أقربَ المنتفضين إلى الأرض من رفاقه الذين خرجوا في تظاهرات الغضب الجمعة 15 ديسمبر، رفضاً لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمةً للاحتلال الإسرائيلي.

أمام منزلِ عمه بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أُقيمَ بيتُ العزاء، وكانَ في اليوم الثالثِ هادئًا كقبره، هدوءً جَبّ كُلَ الصخبِ الذي رافقَ يومَيّ استشهاده وتشييعه. أمام أعمدةِ خيمة العزاء نصبَ أبناءُ حركتيّ فتح وحماس راياتهم وغادروا، وبقيت بعض الصور الكبيرة لإبراهيم، مُوقّعةً بأسماء وشعارات فصائل المقاومة التي نعته كبطلٍ، ولقبّته مُجتمعةً بأيقونة "انتفاضة العاصمة"، وعلى وقعِ كلمات الأغنية الثوريّة الخالدة "ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة" شُيعَ إبراهيم.

تقول والدته أم رائد وهي تشير بيدها لابنتها بأن تضعَ صواني الأرز أمام نساء العائلة اللاتي تواجدنَ وقتَ وضيمة اليوم الثالث "أتمَ إبراهيم في الرابع من ديسمبر عامه التاسع والعشرين، واستُشهدَ في الخامس عشر".

كانت الأم المشغولة بالمُعزّين تُقطعُ حديثها مراتٍ عديدة لتردّ مواساتهم، "شو بدنا نعمل، الله يسهل عليه، ارتاح يا ابن عم ارتاح"، قالت لمعزٍ والتفتت إلينا تُكمل "أُصيبَ إبراهيم عشر مراتٍ تقريباً برصاص جنود الاحتلال، وكانت أكثر الإصابات في قدميه قبلَ أن تُقطعا، وخضعَ  على إثر ذلك لأكثر من عمليةٍ جراحية، مرةً لقطع التالف من أمعائه المصابة برصاصة، ومرةً لتركيب عينٍ زجاجية بعدَ إصابته بشظية فيها".

مُنذُ أن كانَ إبراهيم في الثانية عشر من عمره وهو يَقصدُ أيَّ مواجهةٍ مع الاحتلال على السياج الحدودي، فالمقاومة لشابٍ بسيطٍ تركَ مدرسته في المرحلة الابتدائية إذعاناً للفقر، وعملَ مُذَ كانَ طفلاً أجيراً وبائعاً وصياداً وماسحاً للسيارات، هي التضحيةُ بالجسد، كما أخبرَ والدته "أنا يَّما بدي أقدّم جسمي فدا فلسطين".

عاشت عائلةُ إبراهيم المكونة من أحد عشر شخصاً تتنقلُ بينَ بيوت مُستأجرة، تعتمدُ في سدّ جوعها على بطالةٍ دائمة لوالده كعامل نظافة، وعلى ما يتمكن الأبناء الذكور الثلاثة من جمعه خلال النهار من البيع أو الصيد.

بعدَ أن أصبحَ الشابُ مُقعداً لجأ إلى مسح السيارات كعملٍ يجمع من خلاله بعضَ المال، ولولا ذلكَ لما تمكنت العائلة من الحصول على بيتٍ جديد، تقول والدته "رآه أثناء عمله مذيعاً في فضائية فلسطينية وأعدَّ تقريراً عن وضعنا، فتبرعَ شخصٌ كريم لنا بشقةٍ سكنية".

ظهور إبراهيم على كرسيه المتحرك أمام الناس يمسحُ السيارات دفعت بـ "أهل الخير" كما وصفتهم والدته للالتفات إليه، كان حينها قد فقد نصف جسده، وهو ما يشبهُ كثيرًا التفاتُ السلطة الفلسطينية إليه بعدَ استشهاده، وفقده ما تبقّى من جسده. إذ أقرَّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس منحَ عائلته راتباً شهرياً ليكون عونًا لهم بعد فقد ابراهيم.

"كأن إعاقته ووفاته كانتا نظارةً ارتداها الجميع ليعرفوا إبراهيم البسيط، والفقير الطيب"، أضافت والدته وهي تحاول أن تَظهرَ قويةً ومتماسكة ولسانُ حالها يقول "أنتَ قبلَ موتِكَ لم تكن شيئاً لهم، وبعدَ موتِك كلهم اشتروك"، وبعدَ صمتٍ ليسَ بطويلٍ تابعت "في بيتنا الجديد خصصتُ له غرفةً كُنتُ أنوي أن أزوجَه فيها، فلطالما تمنى أن يُرزقَ بأبناء يحملونَ اسمه".

شُباكُ غرفته التي تمَلّكها مُنذُ خمسة أشهرٍ فقط يُطلُ على الشرق، وفي الزاويةِ الأقرب إلى بابها طُويتْ ملابسه فوقَ بعضها، قمصانُه أكثرها داكُن اللون، وسراويله جميعها مقصوصةُ القدمين، وفرشته كانت طويلةً عليه، وغطاؤه الكبير كانَ يطويه حتى يتناسبَ مع حجم جسمه الصغير.

شقيقه رائد كانَ يحمله إن أرادَ النزولَ من بيتهم الجديد الواقعِ في الطابق الأول بعد الأرضي أو العودةَ إليه، ويقول لهُ أثناء ذلكَ مازحاً "أنتَ ثقيلٌ يا إبراهيم"، ليردُ الأخير ضاحكاً "كلّهم واحد وخمسين كيلو يخوي". هذا الوزن الخفيف ساعده في حملِ جسده على يديه الاثنتين متنقلاً بينَ رفاقه في المظاهرات على الحدود الشرقية لغزة، قبلَ أن يقنصهُ جُنديٌ مُحصنٌ بجدارٍ عريض، وهو على كرسيه المتحرك، برصاصةٍ واحدةٍ استقرت فوقَ عينه الزجاجية.

رحلَ إبراهيم ورددَّ أصدقاؤه "أكُنتَ تعرفُ يا صديقي أن ذاكَ الرمل في ساعاتِ الظهر حارقٌ، وأنَ حجارتكَ الهزيلة وإن ركبّت بساط الريح لن تُصيبَ الجندَ خلفَ السور، وأنّ قدميكَ منذ استعارَهما التُرابُ لن تركضا خطوةً جديدة، لن تحملاك؟!"، وكأنه ردّ "فدا الوطن".