Menu
حضارة

"الإرهاب.. بين البيئة الحاضنة والقوى الداعمة" محور نقاش ندوة غساني كنفاني

من الندوة

بوابة الهدف

نظمت "بوابة الهدف الإخبارية"، ندوة حوارية نقدية بعنوان "الإرهاب.. بين البيئة الحاضنة والقوى الداعمة"، وذلك استمراراً لندوة الشهيد غسان كنفاني الشهرية.

وأدار الندوة د. وسام الفقعاوي، رئيس تحرير بوابة الهدف، وشارك فيها كل م. أحمد بهاء شعبان رئيس الحزب الاشتراكي المصري، ود. عماد أبو رحمة أستاذ العلوم السياسية، و أ. محمد حجازي الكاتب والمتخصص في الحركات الإسلامية، فيما عُقدت الندوة في مقر البوابة بـغزة.

وفي مَعرض الحديث عن مفهوم الإرهاب، أشارَ د. فقعاوي إلى  أنه كثيراً ما يتم تناول مصطلح "البيئة الحاضنة للإرهاب" دونما تدقيق في طبيعة هذه "البيئة"، وما إن كانت حقاً توقفت على أن تكون "بيئة حاضنة" فقط، أم تجاوزت ذلك وتطورت إلى أن أصبحت "بيئة منتجة للإرهاب".

ولفتَ فقعاوي إلى أن هناك من يحاول إظهار البيئة العربية أنها بيئة إرهابية من الأساس، في ظل غياب قيم الحرية والمواطنة والتسامح والعدل وقائمة طويلة من تلك المفاهيم، اليوم، في واقعنا العربي.

وقال فقعاوي: "نجد أنفسنا أمام واقع فيه كثير من الأسباب والعوامل التي تشكل حاضن وداعم للإرهاب، كما قوى دولية وإقليمية تجد في هذا الواقع ما يخدم أهدافها ومخططاتها ومصالحها إزاء المنطقة، فنجد أنفسنا أمام توظيف ودعم استنبات الإرهاب وبيئته، وهذا ما سنحاول التعرف عليه خلال هذه الندوة".

من جهته، ناقش م. أحمد شعبان إسهام تفشي ظواهر الجهل والفقر وارتفاع معدلات البطالة واتساع قاعدة الفئات المهمشة وانحسار الحريات الخاصة والعامة وغياب الأفق نحو المستقبل وتردي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومترافق مع ضعف تواجد الدولة بمختلف مؤسساتها وخدماتها وضعف وتأزم الأحزاب المدنية التقدمية واليسارية عموماً، في تفاقهم ظاهرة الإرهاب في المنطقة العربية، يعطي ويفتح المجال واسعاً أمام انتشار وتزايد الأفكار المتطرفة كما التنظيمات المتطرفة والإرهابية،

 

وكما يرى م. شعبان، وارتباطاً بصعود الإسلام السياسي، فإن الدور الوظيفي لهذه الجماعات، يستهدف تحقيق أهداف تتطابق مع أهداف القوى المعادية لشعوبنا. وانطلاقاً من ذلك، تساءل د. فقعاوي حول إمكانية ربط ظاهرة الإرهاب وتطور مراحله بظهور وصعود حركات الاسلام السياسي في العصر الحديث في البلدان العربية، موجهاً الحوار إلى أ. حجازي.

وفي بداية حديثه، قال أ. حجازي "يجب أن يتم الحديث حول الإرهاب بكل جرأة وموضوعية"، وأكد على ضرورة التفريق بين ما "يفعلونه على الأرض وبين ما يتحدثون به"، يقصد الإرهابيين.

وأضاف حجازي أن الظروف السياسية التي يعيشها الإرهابيين في كل بلد، فبعض الجماعات الاسلامية لها علاقة بالبرلمانات، والأخرى في الجبال تقاتل الدولة.

وتطرق حجازي إلى الجانب الفكري الأساسي لهذه الجماعات، إذ أنها تملك أصولاً فكرية، سواء  بالتاريخ الاسلامي القديم منذ عهد عمر ابن عبد العزيز حين ظهور الخوارج، والامام ابن حنبل أهم مدرسة دعمها عمر بن عبد العزيز، ومن بعدها المتوكل  في مواجهة الخوارج، وانتصار أهل الحديث على أصحاب الفكر المعتزل، والذي سادَ في الدولة العربية في العصر الوسيط، والذي أنتج بداية إرهاصات التفكير العقلاني في الفكر العربي، وصولاً إلى ابن تيمية في القرن الثامن، الذي شكل محطة هامة في التطرف، في كتاب شهير له وهو كتاب "الأم" ويُعد من أهم المراجع الفقهية لكل الجماعات الاسلامية المنتشرة، عدا عن ابن تيمية الذي كفر الطوائف وكفر الشيعة والدروز، وتحدث بشكل واضح في هذه القضية.

أما في العصر الحديث، تناول حجازي ظاهرة محمد ابن عبد الوهاب في السعودية، وهي ظاهرة شديدة التطرف وعكست نفسها بشكل مباشر عما يدور في المنطقة بشكل واضح، وتأثرت بها مصر بشكل كبير جداً.

وفي مصر، أوضح حجازي إلى أن التطرف يعود منذ تأسيس حركة الاخوان المسلمين عام 1928 وظهورها، حيث كان انتشارهم على حساب مسيرة رواد عصر النهضة في العالم العربي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على يد الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، أصحاب الفكر التنويري، وجاءت الاخوان المسلمين لتحدث القطيعة المعرفية لهذا التنوع الذي كانوا يتحدثون عنه. في بداية السبعينات دخلت الوهابية الى مصر، عبر ملايين من الأشرطة التسجيلية والكتيبات الصغيرة التي كانت توزع بالمجان، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت حركة أقرب إلى الوهابية منها إلى التفكير العقلاني.. فـكتاب "معالم الطريق" لسيد قطب، كان علامة فارقة، تحدّث سيد قطب من خلاله عن "جاهلية المجتمع وتكفيره"، وتحدث بمعنى أن الأعضاء في الإخوان هم المسلمين الأحقاء، والذين خارج الحركة غير مسلمين أصحاء.

وبرأي حجازي، فإن الأهم من ذلك كله، هو ظهور منظري التفكير الإرهابي في المنطقة في العصر الحديث، والذين خرجت من عباءتهم "داعش" بشكل واضح وصريح، ومنهم أبو بكر الناجي، مؤلف كتاب "إدارة التوحش"، ونتذكر هذ التعبير في مسألة إدارة التوحش والارهاب، وهو يقصد "إدارة مرحلة زوال السلطة الحاكمة"، وهذا له تأصيل في كل العمليات الارهابية التي مورست ضد مؤسسات السلطة في سوريا والعراق ومصر، كما أشار حجازي إلى مجموعة من الكتب الأخرى  التي تناولت استراتيجيات التحول من مرحلة الشوكة والكنانة إلى مرحلة ادارة التوحش لإسقاط الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية وبناء دولة الخلافة الإسلامية.

وبيّن حجازي أن هذا الفكر له "جذوره الفكرية الواسعة في المنطقة العربية، وهذه الجذور ممتدة في التاريخ الاسلامي"، وبـ" العصر الحديث هناك كتاب نهجوا لهؤلاء المتطرفين"، كما أشار إلى دور السعودية التي دفعت مليارات الدولارات لبناء الجوامع في أوروبا، ونشر التطرف في الجماعات المهاجرة من العرب والاسلاميين في المناطق الأوربية. ومع نشوء داعش في سوريا والعراق كانت هناك أرقاماً بعشرات الآلاف من هؤلاء المهاجرين الذين تم تجنيدهم في جوامع العالم، تسللوا إلى العراق وسوريا عبر تركيا التي كانت ترى في وجود هؤلاء أضعاف لهذه الدول العربية وانتقال المحور والمراكز الى سوريا والعراق، ورأت في ذلك أنها تساعد في تفكيك بنية هذه الدول العربية".

وتناول حجازي هجرة الارهابيين المجندين من الغرب إلى الشرق والعكس، حيث هاجر هؤلاء العرب والمسلمين للقتال في سوريا والعراق، وبعد هزيمة داعش طلب منهم البغدادي الهجرة إلى الصومال و ليبيا وأوروبا ليتم تسميتهم بـ"الذئاب المنفردة"، وهي خلايا فردية نائمة كامنة في هذه المجتمعات يتم أمرها عبر صفحات التواصل الاجتماعي الذي تبرع به هذه الجماعات وتستخدمه على نطاق واسع من أجل تنفيذ عمليات في أمريكا وأوروبا، وهذه الظاهرة لم تكتفي عند حدود مصر وليبيا والعراق وبعض الدول بل تنتشر أيضاً في فلسطين.

وتنتشر هذه الجماعات في فلسطين انتشاراً محلياً تحت تأثير وهج دولة الإسلام "داعش" والنجاحات التي حققتها في السيطرة على مساحات واسعة في العراق وسوريا، وبايعت أجزاء منها البغدادي في سوريا والعراق وجزء منها من قبل بايع تنظيم القاعدة العالمي، وقال حجازي: "يجب رصد هذه الجماعات التي ظهرت لعدة أسباب السبب الأول اجتماعي مرتبط بأن هذه الجماعات التي ظهرت في فلسطين هي بالأساس تفريخات من أحزاب الإسلاميين في فلسطين مثل حركتي حماس والجهاد، إذ أن هناك خلافاً حدث في حماس، حين ظهرت قوة جهادية سمت نفسها "جلجلت"، انفصلت عن الحركة باعتبار أن حماس لم تُقدم على أسلمة المجتمع بشكل قوي، وعارضت حماس بل وشكلت عبئاً على الحركة واستقطبت عدداً من عناصرها، وتسلحت هذه الجماعة في غزة وكان لها عمليات داخل القطاع، وقامت بكثير من عمليات تفجير المقاهي والمراكز الثقافية".

وتابع "في 2005 تشكل جيش الإسلام ، وفي 2008 ظهر عبد اللطيف موسى، وضربت حركة حماس عبد اللطيف موسى بقوة لأنه تحداها في السلطة، وكان إعلان دُوليته "إمارة رفح" إعلان التحدي على السلطة مع حماس،  عدا عن عدد من الحركات الأخرى التي توحدت مع بعضها وشكلت ما يسمى  بـ"مجلس شورى المجاهدين" التي تعاونت مع داعش سيناء وتأثرت بما يحدث هناك، ودعمتها التشكيلات الإرهابية في سيناء، وتشكل هذه الجماعات خطراً على حركة حماس عندما تقوم بإطلاق الصواريخ على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 لاستعجال ضربة إسرائيلية لحركة حماس".

بدوره، ناقش د. عماد أبو رحمة التراث الوافر من الفكر الديني الإسلامي الذي تحمله الجماعات الإرهابية، والذي يبرر لها أعمالها الإرهابية، وعلى الرغم من أن الحديث كثر في هذه المسألة، إلا أنه لا يزال مسألة سطحية لم تطال نقد بنية هذا التراث والفكر الديني إجمالاً لدرجة أنه حتى المناهج التعليمية من المراحل الابتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية لا تزال تزخر بكثير من هذا التراث، محاولاً الوصول إلى صيغة للوقوف بجرأة أمام نقد هذا التراث كما الفكر الديني السائد.

 

وقال د. أبو رحمة "حتى لا يبدو وكأن ظاهرة الإرهاب ظاهرة خاصة بالمجتمعات العربية والاسلامية كما تروج له الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، لتبرير أيديولوجيا محاربة الإرهاب كمدخل للنفاذ لشعوبنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالإرهاب ليس ظاهرة مقصورة على المجتمعات العربية والإسلامية، وليس الفكر الإسلامي هو الوحيد الذي يجري تبرير الإرهاب من خلاله، مُشيراً إلى أن الارهاب ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد الاقتصادية والإجتماعية والثقافية وله أبعاداً محلية ودولية أيضاً".

وأضاف "أوروبا غرقت على مدار عقود متتالية في حروب دموية كان أساسها ديني وطائفي وبعد كل الدماء التي سالت على ذلك، انطلقت إلى تأسيس المجال السياسي من خلال بناء الدولة لا تؤسس الهوية على بعد طائفي أو ديني وإنما على مبدأ المواطنة التي تتعامل مع الجميع بالمساواة أمام القانون".

وتناول أبو رحمة "التأصيل في البعد الفكري"، فقال أن "ظاهرة الإرهاب والممارسات الإرهابية، ظاهرة لها أبعادها وإذا أردنا أن نعالجها فلا يكفي أن نلامس هذا العرض الذي يشير إلى أسباب هذه الظاهرة، فهناك أسباب لها علاقة بطبيعة النظم الاستبدادية والشمولية ونظم لا تتيح حريات ولا تتيح تداول سلمي للسلطة، أو تمارس الاضطهاد اتجاه لجماعات سياسية أو جماعات دينية هذه الجماعات التي لا توفر حماية للحقوق والحريات، ومستويات الفقر وغياب العدالة الاجتماعية، وتشكل مناخاً خصباً لنشوء الفكر المتطرف وتوجه الشباب للجماعات المتطرفة، فهذه الأسباب تمثل ثغرات لاختراق المجتمعات العربية عبر القوى الغربية، من خلال استغلال هذه الظروف التي تترتب على هذه الأوضاع، بالذات الصراع العميق بين الدولة والجماعات المتطرفة، والنفاذ إلى هذه الدولة واختراقها من اجل تحقيق مصالح وأهداف".

وأشار أبو رحمة إلى أنه يجب أن نعالج هذه الظاهرة بالبعد الفكري والثقافي، لمواجهة منظومة فقهية وفكرية سياسية دينية تبرر هذه الظاهرة ويُعاد انتاجها باستمرار عبر المدرسة والجامعة والمسجد ومختلف الوسائل.