Menu
حضارة

أكبر من الحساسيات وأعظم من الأرقام مهما كانت

نحو نقاش مفتوح ونزيه لقضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

أحمد مصطفى جابر

مخيمات لبنان

خاص بوابة الهدف الاخبارية

صدرت منذ أيام نتائج التعداد السكاني الذي أجرته لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني، وأُعلنت هذه النتائج في مؤتمر صحفي رعاه على غير ما هو متوقع وبما يشي باحتضان سياسي، الرئيس سعد الحريري رئيس حكومة لبنان، وزعيم تيار المستقبل. وقد أجري التعداد بالشراكة مع مركز الإحصاء المركزي الفلسطيني، وبتمويل من الحكومة اليابانية على خلفية اتفاق مسبق بين الحكومة اللبنانية والسلطة الفلسطينية[1].

 

مقدمة:

تعتبر الأبحاث والدراسات الإحصائية التي يتم تنفيذها على "الفئات الخاصة" ذات أهمية استثنائية، لما يترتب عليها من نتائج خطيرة، ذات أبعاد حقوقية وسياسية وإنسانية أخلاقية على حد سواء.

واللاجئون هم فئة خاصة بالضرورة، ويكتسب تعدادهم وتصنيفهم أهمية قصوى خصوصا في المجال الإنساني، لتحديد المتطلبات وحجم الإغاثة المطلوبة، وكذلك المجال السياسي، لما يمثله هؤلاء من ثقل خصوصا في ظل الأوضاع المستحدثة، وأزمة اللجوء العالمية.

وفوق هذا، فإن العمليات البحثية والاحصائية التي تجري على اللاجئين الفلسطينيين بالذات لها مكانة استثنائية، لأنها ترتبط ليس فقط بتحديد مصائر البشر كأفراد، بل بقضية شعب، وبحقوق وطنية إلى كونها حقوق إنسانية، لذلك من البديهي التطلع إلى والمطالبة بأن تكون مثل هذه الأبحاث تتمتع بما يليق من الدقة العلمية والنزاهة، سواء بما يخص طريقة إجرائها أو أهدافها أو طريقة استحصال وتحليل ونشر النتائج.

يكتسب هذا استثناء إضافيا عند الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فهم إضافة إلى وضعهم الاستثنائي في هذا البلد الذي لم يرحب بهم كثيرا بالمستوى الرسمي وبقطاعات شعبية أيضا، فإن تعدد الجهات التي تعلن أنها تعلن أعدادهم وارتباط هذه الأرقام المختلفة بأجندات سياسية وحزبية وطائفية، تتجاوز لبنان إلى حدود التفحص واللعب العالمي بقضية اللاجئين الفلسطينيين، يصبح من البديهي أن نتوقف أمام كل رقم يتم الإعلان عنه، وأن نتفحص خلفية هذه العملية وظرفها السياسي العام، ومآلاتها.

وبديهي أن هذا النص، الذي ينوي استعراض تاريخية ووضعية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وتفحص تناقضات الأرقام المعلنة الآن وفي السابق، لا يوجه أي اتهامات، وإنما يطرح تساؤلات مشروعة، تقتضيها المصلحة العامة اللبنانية والفلسطينية، ولا يخفى أن الغرض الأساس مرتبط بالمصلحة الأساس للقضية الفلسطينية وحقوق اللاجئين المعنوية القانونية الحقوقية، والإنسانية الوطنية كما هو في مصلحة لبنان بالضرورة والموضوعية.

مقدمات إيجابية:

بدون الخوض في تاريخ استضافة لبنان للاجئين الفلسطينيين، وظروفه وتعقيداته، لابد من الإشارة بداية إلى أن الإحصاء الأخير، والذي يمكن البناء عليه لعلاقة جديدة أكثر جدية ونزاهة، قد استبق ومهد له بعدد من الخطوات، قد يكون أهمها إقامة ورعاية والدفع بلجنة الحوار الفلسطيني – اللبناني، ولكن أيضا نتج عن إنشاء هذه الهيئة "التاريخية" بتشكيلها ومهامها وطبيعة الهدف منها، تطورين مهمين لايمكن تجاوزهما:

الأول، أن لجنة الحوار اللبناني –الفلسطيني أصدرت قبل أشهر، كتابا مرجعيا «اللجوء الفلسطيني في لبنان: كلفة الأخوّة في زمن الصراعات». وهو وثيقة هامة تم مراجعتها بنزاهة وجدية على ما أرى، قدمت ربما لأول مرة وجهة نظر في العلاقات اللبنانية-الفلسطينية، تختلف جذرياً عن الصورة النمطية التي سادت بفعل حروب 1975 – 1990. وتستند إلى الوثائق والتقارير الأصلية من مصادرها الدولية والعربية واللبنانية، وعليه يتجاوز التقرير التوجه إلى صنّاع القرار من سياسيين ودبلوماسيين، ويستهدف جمهور الباحثين والمعنيين من اللبنانيين والفلسطينيين الذين سيجدون فيه الأولى للمرة نصاً مرجعياً رسمياً يمكنهم الاعتماد على ما جاء فيه من معطيات لفهم دقيق ضمن شروط العمل وتعقيدات الموضوع، بعيداً عن المواقف المسبقة التي تراوحت ما بين حدّي الاحتضان العاطفي للفلسطينيين، والرفض العدمي لهم وما بين هذين الحدين. أي الرواية الرسمية للوجود الفلسطيني في لبنان بعيداً عن الاتهامات وتعليق أزمات البلد على الشماعة الفلسطينية.

التطور الثاني، والذي ينعكس تطورا إيجابيا في العلاقة، هو الحوار اللبناني –اللبناني، والذي شاركت فيه جميع الكتل والأحزاب اللبنانية المشاركة في الحكومة، وأسفر عن إطلاق وثيقة "رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان" تحدثت عن مفاهيم ومبادئ وتعريف، وأوصت للحكومة بأخذ قرارات ايجابية بخصوص الفلسطينيين وتحسين أوضاعهم بالترافق مع التمسك برفض التوطين وحق العودة[2].

 وهذه التطورات تمت بفضل استثمار الموقف الحيادي إيجابيا للفلسطينيين، بدءً من التطورات التي خلقت انقساما حادًا  عقب اغتيال الرئيس الحريري وما رافقها من تداعيات وما تبعها من توتر سياسي لبناني، وكذلك إفشال جر المخيمات إلى صراعات محلية وخارجية وأهمها على الإطلاق انتزاع قرار تاريخي بإعادة إعمار مخيم نهر البارد وهي عملية وصلت إلى ثلثها الأخير.

بين هواجس التوطين و إغراءات فخ عملية التسوية:

لعل مسألة التوطين هي من أكثر المسائل إثارة للبلبلة نظرا لما تتضمنه و يحيق بها من إشكاليات سياسية تنفتح على الحقوق المدنية و الثقافية لتتوج في النهاية باعتبارها قضية وطنية تفترق عندها الطرق ما بين تحقيق العدالة و سيادة القانون من جهة و القفز على الحقائق و ابتلاع الحقوق من جهة أخرى، هنا  نظرة على نماذج بارزة  مرت بها هذه الفكرة – المؤامرة- و أبرز ما خطط للاجئين للتخلص من قضيتهم و عبئهم إلى الأبد.

ليس التوطين مولودا للحظة التسوية بل التوأم القسري الذي رافق القضية الفلسطينية، و حكم النظرة إلى قضية اللاجئين، فمنذ البداية ارتبطت الحركة الصهيونية بشعارها التلفيقي "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و لتحقيق هذا الشعار كان لابد من العمل  للتخلص من أولئك السكان" المفاجئين" الذين اكتشف هؤلاء فجأة أنهم موجودون و الرد على الصدمة جاء على لسان جوزيف وايتز مساعد بلفور و مؤسس أول  لجنة ترحيل في الأربعينيات من القرن المنصرم، إذ يقول" نريد فلسطين خالية من العرب" و بالتالي عملت الحركة الصهيونية على تنفيذ هذا القرار بمختلف الوسائل الإرهابية بقوة المجازر، و الحصار و التجويع مترابطة مع تواطؤ إمبريالي استعماري تجلى في السكوت الإجرامي على ما تقترفه "إسرائيل" بحق الفلسطينيين و الرد الدائم  على دعاوى النظر بعين العدالة إلى مطالب الفلسطينيين و حقوقهم في العودة إلى أرض الوطن كما يعبر دالاس وزير خارجية أميركا السابق إذ يقول " الكبار سيموتون و الصغار سينسون" مستبقا تبني غولدا مائير لهذه العبارة،  تلك إذن كانت نظرية التخلص والى الأبد من هذا العبء المسمى " فلسطينيون ".

 و بنظرة تاريخية لعل أول مشروع لتوطين الفلسطينيين خارج  وطنهم كان مشروع حاييم وايزمن عام 1918 الذي ترأس بعثة صهيونية إلى فلسطين قررت " يجب تحويل فلسطين إلى دولة يهودية و استصلاح وادي العراق الواسع المروي بدجلة و الفرات وزراعته لكي يمنح عرب فلسطين أرضا هناك" و عملت الحركة الصهيونية على إقناع وزارة المستعمرات البريطانية لتهجير الفلسطينيين إلى البلاد العربية و خلق ظروف مناسبة لتوطينهم هناك، وعاد وايزمن عام 1929 ليطرح خطة أخرى تقوم على توطين الفلسطينيين في شرق الأردن و لكن جميع هذه المشاريع لم يقدر لها النجاح إلا عندما حدث الأمر الواقع و قامت الحرب عام 1948 فقذف بمئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الشتات و لكن المسألة لم تحل هنا إذ اكتشف الصهاينة أن معادلة " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " تبقى ناقصة إذا لم يتم استكمالها بالتخلص من المنفيين وإسكات المطالبة بالأرض والعودة إلى الأبد، فكانت انطلاقة واسعة لعمليات تلفيق التاريخ و الادعاءات بأن الفلسطينيين خرجوا بمحض إرادتهم أو بقرار عربي لتتخلص الدولة العبرية من عبئهم لكن الفلسطينيين فاجأوا أعدائهم مرة أخرى مع  استمرارهم بالتمسك بحق العودة و أحلام الوطن المسلوب ما ترافق مع اندلاع الثورة الفلسطينية التي كرست وجود هذا الشعب و أعادت إلى الواجهة قضية ملايين الفلسطينيين الذين يطلبون لحظة الحقيقة الوحيدة التي يعترفون بها حقهم في العودة. و كان موضوع العودة و توأمه المضاد التوطين يتقدم إلى الواجهة و يتراجع ارتباطا بالحالة السياسية و الوضع العام لتعود المسألة الآن إلى الواجهة من جديد بعد توقيع اتفاقيات أوسلو بعد أن بدأت "إسرائيل" بالتصويت ضد القرار 194 كلما أعيد التأكيد عليه في انقلاب في موقفها بعد أن كانت تكتفي بالامتناع عن التصويت ارتباطاً بشرط فرضته الأمم المتحدة عليها عند قبول عضويتها يتضمن موافقتها على هذا القرار، و بعد توقيع الاتفاقيات المذكورة وجدت إسرائيل الفرصة مناسبة للتملص من هذا الالتزام باعتبار اتفاقات أوسلو قد أجلت البحث في موضوع اللاجئين إضافة إلى القضايا الأخرى الهامة إلى مرحلة مفاوضات الحل الدائم فتحولت قضية اللاجئين بذلك وبسبب من بؤس المفاوضين الفلسطينيين و انحطاط معاييرهم السياسية من قضية دولية يتحمل العالم مسؤوليتها كقضية حق و قانون و مسألة ضمير إلى مجرد موضوع يخضع للنقاش بين فريقين دون أي التزامات مسبقة من إسرائيل، و قد فتحت هذه الاتفاقات الباب واسعا أمام تراجعات أخرى إذ و بعد أن صوتت الولايات المتحدة دائما مع الـ 194 و تأكيداته امتنعت عام 1993 عن التصويت رافضة البحث في موضوع اللاجئين و قد ترافق ذلك مع مخططات أخرى بدءا بتقليص خدمات الأونروا و تسليم مسؤولياتها للسلطة الفلسطينية و الدول المضيفة تمهيدُا لتصفيتها و بالتالي التخلص من رمز دولي لاعتراف دولي بقضية اللاجئين، إضافة لمخططات أخرى لتوطين اللاجئين واستيعابهم في مناطق اللجوء. ففي آذار 1997 زار وفد من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية و مجلس النواب الأمريكي عددا من البلدان العربية مقترحاً توطين الفلسطينيين في دول عدة مما دفع مجلس الجامعة العربية المنعقد في دورته رقم 107 في 30/12/1997 إلى اتخاذ قرار برفض التوطين و الإصرار على حق العودة حسب نص القرار 194 و الدعوة إلى إحياء لجنة التوفيق الدولية المكلفة بتنفيذ حق العودة و آخر هذه المشاريع[3] ما كشف عنه مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى روبرت ساتلوف يتضمن عرضا من رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود باراك بمشروع عملاق قدمه إلى الرئيس الأمريكي بل كلينتون تصل تكلفته إلى 70 مليار دولار بتمويل أميركي أوربي من أجل بناء مشروعات ضخمة لتحلية مياه البحر و توطين اللاجئين الفلسطينيين بالبلدان العربية، و من المشاريع الأخرى المثيرة للجدل ذلك المشروع الذي طرحته المحامية اليهودية دونا آرتزت[4] في  كتابها من لاجئين إلى مواطنين : الفلسطينيون و نهاية الصراع العربي الإسرائيلي المنشور عام 1996 و الذي قدمت فيه خطة شاملة و قابلة للتطبيق نظريا لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس إعادة توطينهم بمناطق حكم السلطة الفلسطينية و استيعابهم في الدول المضيفة و توطينهم في دول أخرى كالعراق و اسكندنافية. و تقترح المؤلفة النقاط التالية في مشروعها :

1-   يمنح الفلسطينيون جنسية مزدوجة من قبل السلطة الفلسطينية و الدول المضيفة.

2- تستوعب كل من إسرائيل و لبنان 75000 لاجئ لكل منهما و تطرح على عدة دول كوتا "استيعاب" بحسب القدرة الاستيعابية و بالتالي يصبح اللاجئون مواطنين دائمين في الدول المعينة و من المتوقع أن ينتهي المطاف لمعظم اللاجئين في الأردن و الضفة الغربية و قطاع غزة.

3-يتلقى اللاجئون المعاد توطينهم مساعدات لإعادة تأهيلهم مخصصات مالية لمساعدتهم على تطبيع حياتهم و تعوض الدول المضيفة عن عبأ استيعابها للاجئين.

4-تأسيس صندوق تعويضات لتغطية نفقات المطالبات النهائية بالمتملكات المفقودة مما يسمح لإسرائيل المشاركة في التعويض دون الاعتراف بذنبها اتجاه اللاجئين.

و في هذا الموضوع يحدد سليم تماري عالم الاجتماع الفلسطيني والخبير بشؤون اللاجئين عدة محاذير في مشروع آرتزت أولها تجاهل صاحبة المشروع لإرادة الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم فلسطين و اعتبارها أنهم موافقون سلفا على هذا المشروع و ثانيها قسرها  المشكلة على أنها مجرد مشكلة جنسية تحل لمجرد إعطاء هؤلاء جنسية معينة متجاهلة البعد الوطني القومي في المسألة، ثالثها إن المؤلفة تتبنى جدولًا صهيونياً من حيث الجوهر يحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ضمن ثنائية التوطين والتعويض متجاهلة قناعتهم  المطلقة بأنهم قدموا  تضحيات أكبر بكثير مما كان يجب بقبولهم تسوية إقليمية غير متوازنة مع إسرائيل تسمح لها ببسط سيادتها على أربعة أخماس فلسطين و يطلب منهم بعد ذلك التنازل عن حق العودة.

مستجد التهجير والهجرة:

الأمر الخطير المستجد على المخيمات هو عملية التفريغ المبرمج والمنهجي لهذه المخيمات وتفريغها من اللاجئين، مما قد يكون مقدمة للتخلص منها نهائيا، وهذا الأمر مرتبط بخطة متكاملة للتخلص من عبئ القضية الفلسطينية ورقمها الأصعب.

ومما لاشك فيه أن العوامل متراكبة ومتكاملة في هذا المنحى الطارئ، رغم أن وضعية اللجوء ليست مرتبطة أبدًا بمكان اللجوء والوضع المادي للاجئ، ولا يمكن التعاطي معها على هذا الأساس، ولكن يمكن إعادة هذا الاتجاه إلى ثلاث منابع أساسية، سياسي: مرتبط بإحساس الفلسطيني بالتخلي عنه، نتيجة اتفاقيات أوسلو، وأن هذه الاتفاقيات تركت اللاجئين في صقيع العراء السياسي والتنظيمي والحقوقي، وهو هاجس لبناني بطبيعة الحال، جعل اللبنانيين يعتقدون أنه يتم وضعهم تحت الأمر الواقع في هذه القضية.

والعامل الثاني اقتصادي، مرتبط بتضييق سبل العيش واحباطات حقوق العمل من جهة، وتقليص الأونروا الكبير لخدماتها وواجباتها اتجاه اللاجئين، مما أضاف صقيعا اقتصاديا يسعى اللاجئون بطبيعة الحال لمعالجته فرديًا بأي وسيلة. والعامل الثالث أمني مرتبط بتطورات الإرهاب العابر للحدود، واستهداف المخيمات كحلقة أضعف، ولنا في نهر البارد مثلا وعبرة.

قبل الأرقام وأهم منها:  

لعل إحدى أبرز الإشكاليات التي يعاني منها الفلسطينيون في لبنان والتي تكمن أساسا وراء الاضطراب الرقمي في التعبير عنهم، نابعة من إشكالية وضعهم القانوني حيث اتبعت السلطات  اللبنانية اتجاه الفلسطينيين سياسات  تغيرت دائما وفق الأمر الواقع، فلم يكن هناك أبدًا نصوص محددة واضحة تنطبق على الفلسطينيين فيما يتعلق بالسفر أو العمل أو الإقامة و كانوا يعاملون معاملة الأجانب[5]، و النصوص القانونية الموجودة تخضع لاجتهادات متعددة في التفسير من قبل السلطات اللبنانية المختلفة (كما في تفسيرات قانون توريث الأجانب على سبيل المثال) طبعا مما يزيد من صعوبة الوضع و تعقيده، و قد انطلقت هذه النصوص في منظورها السياسي من نقطتين حكمتا موقف لبنان اتجاه اللاجئين، الأولى الخوف من الإخلال بالتوازن الطائفي و هو ما حدد بما لا يستلزم الشرح هنا  التوزيع الجغرافي للمخيمات و آليات العزل الاجتماعي و الإلحاق الاقتصادي و الرقابة الأمنية الصارمة[6]، والثانية الخوف من رد فعل الكيان الصهيوني على عمليات الفدائيين وهذا ما بدا واضحًا بشكل أساسي في السبعينات.

يقسم الفلسطينيون في لبنان عادة إلى قسمين[7]:

1- نواة صلبة و هم المسجلون في الأونروا لدى إنشائها و هؤلاء يتمتعون بحد أدنى من الاستقرار و طردهم غير ممكن.

2- فئة غير مسجلة ينتمون إلى اللامكان وهؤلاء يبدؤون زمنيا منذ 1950 و قد حدثت تغيرات على أوضاعهم كما سنيين لاحقًا.

فيما بعد أصبح هناك تقسيم أكثر تحديدًا إلى ثلاثة فئات[8]، الأولى تم إحصائها عبر الصليب الأحمر و الأونروا في الخمسينيات  و هذه الفئة تم تسجيلها في سجلات المديرية العامة للأمن العام و مديرية شؤون اللاجئين، و تعتبر إقامتهم  شرعية و يحصلون على وثائق سفر تمكنهم من المغادرة  والعودة و كذلك يحصلون على حق العمل قبل أن يلغى هذا الحق لجميع الفلسطينيين فيما بعد.

الفئة الثانية و هي التي لم يشملها الإحصاء المذكور و تضمنت الفلسطينيين الذين جاؤوا بعد 1952 نتيجة استمرار الدولة العبرية في عمليات الطرد الممنهج للفلسطينيين و تمت تسوية أوضاع هذه الفئة منذ عام 1969  بما تضمن حصول أفرادها على وثائق مرور و لكنهم ليسوا مسجلين في سجلات الوكالة وبالتالي لا يستفيدون من خدماتها.

أما الفئة الثالثة فهي الفئة التي دخلت لبنان بعد حرب 1967 في لجوء ثان و ربما ثالث و هؤلاء لا يملكون أي وثائق وليسوا مسجلين و إقامتهم غير شرعية.

أما من ناحية الموقف القانوني للدولة اللبنانية فقد تحدد كالتالي[9]:

في عام 1950 أنشأت الدولة اللبنانية، اللجنة المركزية لشؤون اللاجئين و في 3 آذار 1950 صدر المرسوم التشريعي رقم 42 الذي يقضي بإحداث إدارة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان و نظمت أحكامه بالمرسوم 927 الصادرة في ذات التاريخ و في 26 نيسان 1960 صدر المرسوم 3909 الذي يقضي بإنشاء هيئة عليا لشؤون الفلسطينيين تحت إشراف وزير الخارجية و المغتربين. و في عام 1962 صنف مرسوم صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، الفلسطينيين كفئة خاصة من الأجانب و في سنة 1969 اعترفت الحكومة بتوقيعها اتفاق القاهرة بالحقوق المدنية و الوطنية للفلسطينيين لكن مجلس النواب اللبناني لم يصادق قط على هذا الاتفاق الذي عادت الحكومة لإلغائه من جانب واحد في حزيران يونيو سنة 1988.

ما سبق يعكس الفوضى و التخبط في النظر إلى اللاجئين من جهة تعدد الجهات التي تتولى مسؤولياتهم و تضارب التصنيفات و المعاملة من جهة أخرى، أما فيما يخص حقوق العمل فقد نظرت الدولة اللبنانية كما قلنا إلى الفلسطينيين على أساس أنهم فئة خاصة من الأجانب حيث أخضعت عملية حصولهم على رخص للعمل إلى سلسلة لا نهائية من التعقيدات[10] ، تشترك فيها أجهزة وجهات مختلفة. و تشير الملاحظات المنهجية التي سجلها عدد من الباحثين إلى أن العمال الأجانب كانوا يحصلون عادة على معاملة أفضل من معاملة الفلسطينيين و يحصلون على رخص العمل بشكل أسهل بكثير رغم أن الفلسطينيين كانوا جزءًا من الدورة الاقتصادية في البلد، أي أن العائد المادي الذين يحصلون عليه نتيجة عملهم سيعود ليندرج ضمن الدورة الاقتصادية في لبنان من جديد، و بالتالي ستستفيد هذه الدورة من العائدات التراكمية لهذا الإنفاق، على العكس من العمال الأجانب الذين يخرجون دخلهم إلى الخارج و هذا طبيعي، و بالتالي تخسر الدورة الاقتصادية هذه المداخيل إلى الأبد. إضافة إلى التعقيدات المذكورة في الحصول على رخص العمل فإن القوانين اللبنانية تمنع الفلسطينيين العمل في 72 مهنة حسب قرار وزير العمل والشؤون الاجتماعية في حكومة الرئيس أمين الجميل، الوزير عدنان مروة رقم 289 تاريخ 18/12/1982، معظمها حكومية، ويقول وزير الدفاع اللبناني الأسبق غازي زعيتر أن المشكلة ليست في القوانين، ولكن في عدم وجود أعمال من حيث الأصل، إذ أن اللبنانيين أنفسهم لا يجدون عملُا، و لكن يمكننا مناقشة هذا الكلام، بأن الفلسطينيين بغض النظر عن مماحكات التوطين أو عدمه هم كما قلنا جزء من الدورة الاقتصادية و بالتالي يصبح غير مفهوم إخضاعهم لقوانين استثنائية لا تخضع لها باقي فئات هذه الدورة كما هو الحال في سورية مثلا ، التي يتساوى فيها الفلسطينيين مع السوريين قانونيًا بالنسبة لفرص العمل و المنافسة دون أن يشكل هذا هاجسًا توطينيًا أو أبعاد سياسية غير مفهومة. و قد أشار السهلي نقلا عن نتائج المسوح لمكتب الإحصاء الفلسطيني أن البطالة ارتفعت في صفوف الفلسطينيين في لبنان خلال السنوات (1994-1998)  لتصل إلى أكثر من 40%  من إجمالي قوة العمل الفلسطينية في صيدا و صور، حيث تعمل غالبية قوة العمل الفلسطينية هناك في الأعمال الزراعية الموسمية بينما يصل معدل البطالة في أشهر العام المختلفة إلى 60% و تتوزع قوة العمل الاقتصادية للفلسطينيين حسب السهلي أيضا على القطاعات الاقتصادية المختلفة كالتالي: 42% قطاع الخدمات 3.2% في الزراعة و 20% في البناء و 48% في قطاعات هامشية مختلفة.

ومن الناحية القانونية يستمد الفلسطينيون حقهم في العمل في لبنان من:

1-  اتفاقية جنيف 24/7/1951 حيث تنص المادة 24 منها على إعطاء اللاجئين المقيمين حق الاستفادة من الامتيازات التي يستفيد منها الرعايا الوطنيون كالعمل والأجور والتقديمات العائلية ومدة العمل والساعات الإضافية والضمان الصحي والاجتماعي وغيرها، وقد وقع لبنان على هذه الاتفاقية.

2-  بروتوكول الدار البيضاء: حيث قرر مؤتمر القمة العربية بين 13 و 17 أيلول 1965 " يعامل الفلسطينيون في الدول العربية التي يقيمون فيها معاملة رعايا الدول العربية في سفرهم وإقامتهم وتيسير فرص العمل لهم مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية" وقد وقع لبنان على هذا البروتوكول.

3-  القانون اللبناني: حيث نصت المادة التاسعة من الفقرة3 بند2 من قانون الضمان الاجتماعي للأجانب الصادر عن الحكومة بتاريخ26/9/1993 على " يستفيد الأجراء الأجانب من التقديمات المنصوص عليها في قانون الضمان الاجتماعي شرط أن يكونوا حائزين على إجازة عمل وفق القوانين والأنظمة المرعية وأن تكون المساواة في المعاملة مع رعاياها فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي"، ورغم أن حكومة لبنان تعتبر الفلسطينيين من الأجانب لكنها تحرمهم من امتيازات الأجانب، رغم أنهم يدفعون جميع الاستحقاقات المطلوبة.   

إضافة لتعقيدات العمل والإقامة هناك مشاكل أخرى يتعرض لها الفلسطينيون في مجال السكن حيث تتعاطى الحكومة مع هذا الملف على أرضية تجاهل  تضاعف أعداد اللاجئين بحكم النمو الطبيعي للسكان، وبالتالي تتمسك الدولة اللبنانية بثلاث لاءات :لا لإعادة بناء المخيمات المدمرة الثلاث (تل الزعتر- جسر الباشا- النبطية)، لا لبناء مخيمات جديدة، لا لتوسيع المخيمات القائمة. وكانت تمنع وحتى الأن (سوى ضمن ظروف خاصة) إدخال أية مواد بناء إلى المخيمات في مدينة صور تحت أي ظرف، ويحتاج ترميم المنازل في بيروت إلى ترخيص مسبق يحتاج لإجراءات معقدة. وبالتالي تعاني المخيمات من ظروف لا إنسانية. إلى ذلك يبدو أن الأمور تسير نحو الأسوأ .

و أخيرُا، تعكس الحقائق السابقة إشكالية وضع الفلسطينيين في لبنان التي تتفاقم نتيجة عمليات الأخذ و الرد السياسية، مما يفتح المجال واسعًا أمام هواجس التوطين و التهجير ليعاد وضع قضية اللجوء برمتها موضع البحث و التدقيق من أجل حل عادل و نهائي.

إحصائيات:

لا يمكن بحال من الأحوال لباحث جدي، أن يتبنى أي رقم من الأرقام المتداولة حول اللاجئين، سواء الأرقام القديمة أو الجديدة، على ما يلحق بها من تناقضات وخلفيات تفسير، وبالتالي لا يدعي هذا النص أنه يوافق أو يكذّب تلك الأرقام بقدر ما يدعو إلى التمعن بها استنادًا إلى الجهات التي تصدرها وظروفها والتفسيرات التي تلحق بها، وجلي، وبعيدًا عن أي نقاش كما يرى الباحث، أن المشكلة ليست في حجم الأرقام كبرت أو صغرت، فالحقوق ثوابت، سواء كانت سياسية أو إنسانية مدنية، ولا يمكن أن تكون مرتبطة بالعدد، بغض النظر عن الهواجس والتوظيف المسيء المغرض سواء في حالة التضخيم أو التقليل، إنما هي دعوة للتدقيق ليس في الأرقام على أهميتها ولكن في المآلات السياسية المرتبطة بتفسير هذه الأرقام وارتباطها بشكل صريح بمصائر البشر كأفراد وبقضية وطنية كبيرة تتجاوز كل هذا التنظير العشوائي إن صح التعبير.

ما نسجله أساسا هو أن هذه الأرقام المتداولة  حول عدد الفلسطينيين في لبنان ما كان و ما هو عليه الآن و ما سيكون، تعكس  بلبلة و اضطراباً واضحاً، حيث أن أقل ما يمكن أن توصف به لوحة هذه الأرقام هو الفوضى الشاملة، إذ إن لم يكن من المستحيل أن يتفق مصدرين اثنين على رقم واحد بخصوص العدد الكلي، هذا على الأقل ما تعكسه المصادر بين أيدينا: و قد تحدث نبيل السهلي مطولُا عن هذا التضارب، إذ حسب إحصائية أوردها بناء على تقرير المفوض العام للأونروا عام 1998 كان تطور عدد اللاجئين في لبنان كالتالي[11]:

بلغ عددهم عام 1950 على وجه التقريب 127600، وارتفع عام 1960 إلى 163561، أما في العام 1990 فوصل عددهم إلى 280731،  و365850 عام 1998.

وبموجب الأرقام جميعها شكل الفلسطينيون 10% من إجمالي عدد السكان في لبنان، وهي نسبة منطقية بالنظر إلى التزايد الطبيعي في مجتمع اللاجئين والمجتمع اللبناني.

كما جاء في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في لبنان عام 1999 (المنشور في النهار في 8 آذار 2000)، أن الأونروا قدرت عدد الفلسطينيين في لبنان بـ 370144، ويشمل الرقم القادمين المسجلين عام 1948فقط من جهة ، كما يشمل من جهة أخرى من غادروا البلاد، ويرجح التقرير المذكور أن عدد الموجودين حالياً أقل من 300 ألف لاجئ.  وبالتالي وربطا بهذا، ماذا يقول الاحصاء الأخير ومقارنته مع أرقام اخرى يعترف التعداد الأخير أنها موجودة ومتداولة:

حسب السيد حسن منيمنة رئيس لجنة الحوار والمشرف على التعداد في مقدمته لكتيب التعداد يوجـد فـي سجلات وزارة الداخليـة والبلديـات 592.711 لاجئ فلسـطيني مسـجل حتـى كانـون الأول من العام 2016،  فيمـا بلـغ عـدد اللاجئين المسـجلين لـدى وكالـة الغوث (الأنروا)  459.292 لاجئ حتـى تاريـخ آذار 2016. وهو يفسر إجراء التعداد الأخير بتضارب هذه الأرقام وغياب تعداد لبناني رسمي، وهذا صحيح، غير أن وثيقة التعداد لاتخبرنا عن مآخذها على التعدادات الأخرى، ولا السبب الذي يجب بناء عليه علميا أن نوافق عليها. بينما يقول التعداد الأخير أن عدد اللاجئين في لبنان من الفلسطينيين هم 174422، أما الفلسطينيين النازحين من سوريا فبلغ عددهم 18601.

ورغم أن كتيب التعداد يقول أنه تم تعداد جميع سكان المخيمات، ومن جميع الأسر التي أحد أفرادها فلسطيني من خارج المخيمات، إلا أنه لايخبرنا ماهي الوثيقة التي اعتمدت بهذا الخصوةص واليت وجب على المستجيب للإحصاء إبرازها ليتم تسجيله. ورغم أن الدراسة البعدية للشمولية تقول أن نســبة الشــمول 97.7% ، ونســـبة عـــدم الشـــمول 3.2% ،كمـــا بلغـــت نســبة الرفــض وعــدم التجــاوب مــن الأسرخلال مرحلة العد 3.3%، مايعني أنه ينبغي على الأقل رفع نسبة عدد الشمول لتتناسب مع الرقمين الأخيرين. مع أنه من المستغرب التحديد الدقيق للأعداد وصولا إلى الرقم الآحادي الدقيق في ظل الظروف التي يتم الحديث عنها في إجراء هذا الإحصاء.

ولابأس من مزيد من الأرقام التي تعمق التضارب:

في إحصاء وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية لمسح االمعطيات الإحصائية والمساكن عام 1995 وجدت[12] أنه وبفرض أن 72% من الفلسطينيين يقيمون في المخيمات فإن عددهم 228000، ما ضمن فرضية ثانية بأن 55% فقط يقيمون في المخيمات، فقد وجد أن عددهم 193ألف، وبمقارنة مع إحصاء منظمة (فافو) عام 1999 فقد وصل عددهم إلى 214 ألفا ضمن الفرضية الأولى، و241ألفا ضمن الثانية.

فهل من اللازم إذاً التوقف بشكل مطول ومدقق أمام الرقم المعلن الأخير، باتجاه الحصول على تفسير يستحقه الجميع، لبنان واللاجئين على حد سواء.

بمعزل عن اجتهاد الإجابة على سؤال أين اختفى اللاجؤون الفلسطينيون وهو ما سيكون مهمة عمل آخر، إلا أنه يجب القول  أن التضخيم في عدد اللاجئين والتقليل منه على حد سواء إنما يعكس بالأساس استهدافات سياسية محددة ترسم حدودها أفكار التوطين والعودة، فتلك هي ثنائية المصطلحات التي تعكس الحقيقة وراء الأرقام، و تعكس من جهة أخرى الصراع السياسي الخفي أحياناً و المعلن في معظم الأوقات، المحتدم حول و ضع هؤلاء و مستقبلهم، إذ أن وكالة الغوث ومنذ اتفاقيات أوسلو صارت أكثر استجابة للمشاريع الدولية و بدأت تتخلى عن وظيفتها المحددة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين حتى عودتهم إلى وطنهم، و يرتبط التخفيض الكبير في الأرقام بالتخفيض الكبير الموازي في الأموال الممنوحة و تقليص الخدمات التي أصبحت عملية دورية مترافقة مع سخونة الوضع السياسي، و تخدم فكرة التخفيض من زاوية أخرى مشاريع التوطين، إذ أن عدداً قليلا من اللاجئين لن يشكل صعوبة في التوطين في لبنان أو التهجير و هو يقلل من جهة أخرى من حجم مشكلة اللاجئين و بالتالي تحويلها إلى مشكلة هامشية و دفع عجلة التسوية إلى الأمام.

كما أن المبالغة الرقمية تلعب نفس الدور لكن من اتجاه آخر حيث أنه يصبح من السهل الترويج لمقولة استحالة عودة العدد الكبير إلى فلسطين، بحجة عدم الاستيعاب، و هو ما فنده بشكل كاف و رصين الباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة[13] في أكثر من مكان، وبالتالي يصبح الخيار إذا لم يكن التوطين في لبنان ( و هو مستحيل هنا) هو التهجير و إعادة التوطين في أماكن أخرى مختارة حسب آخر المشاريع الأمريكية.

مرة أخرى نقول: يشكل موضوع الوجود الفلسطيني في لبنان نقطة تركيز بالغة التعقيد ينعكس تعقيدها على الوضع اللبناني الداخلي من جهة وعلى العلاقة الفلسطينية اللبنانية من جهة أخرى و على القضية الفلسطينية من جهة ثالثة حيث يرتبط على الصعيد الداخلي وجود لبنان بذاته بوضعية التوازن الطائفي الذي لا يحتمل معه أي اختراق للواقع الديمغرافي القائم من هنا نجد هذا الإجماع اللبناني ( و اللبنانيون قلما يجتمعون على شيء واحد) على رفض التوطين و لكن رفض التوطين لا يأتي من خلفية واحدة حيث أن هذا الرفض يأتي من جهة أولى من أطراف نتعامل مع الفلسطينيين بعقدة الضيف الثقيل غير المرغوب فيه، و بالتالي ينظر إلى الفلسطينيين كوباء يجب التخلص منه، و يعود ذلك على المستوى الشعبي إلى الموقف السلبي الذي طالما شكل عصب الموقف الرسمي اللبناني الذي كان محكوماً منذ البدء باعتبارات طائفية و مذهبية أدت بدورها إلى تنمية و رعاية ظاهرة العداء للعرب و الفلسطينيين خاصة، و أذكت روح الكراهية و عززت نزعات الانعزال و إذكاء الفتن و القطيعة مع هذا الوجود، و لعل من بين مجموعة العوامل التي لعبت دورا في تشكيل هذه النظرة السلبية ما يسمى بالدور الفلسطيني في الحرب الأهلية اللبنانية بصرف النظر عن مكانة هذا الدور و حجم المسؤولية التي يتحملها في إشعال فتيل الحرب إلا أن هناك اتجاها قويا داخل السلطة و خارجها يسعى لإلقاء كل تبعات ذلك على الدور الفلسطيني و بالتالي جعل الفلسطينيين في لبنان يدفعون فاتورة الحرب بالكامل[14]، و على مستوى الطرح السياسي المناهض للتوطين في هذا الاتجاه نجد أن التركيز يتم في الغالب في رفض توطين الفلسطينيين في لبنان دون ربط ذلك بحق هؤلاء بالعودة إلى وطنهم نظرا لغياب الموضوع الوطني أو القومي عن هذا الطرح فالمهم هو التخلص من الفلسطينيين بأي ثمن.

الاتجاه الثاني و الذي ينطلق من رفض التوطين لكن على أرضية وطنية قومية و تعبيراً عن التزام لبنان بحق الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم و رفض أن يدفع لبنان و الفلسطينيون ثمن الخطيئة الإسرائيلية، و قبل المضي في تفصيل موقف الفلسطينيين من مسألة التوطين لابد من إلقاء نظرة على الأفكار المتعلقة بهذه الفكرة.

أولًا لابد من ملاحظة أن لبنان بالرغم من أن مشكلة اللاجئين هي جوهرية بالنسبة له، إلا أنه لم يشارك في اجتماعات مجموعة العمل للاجئين المنبثقة عن مفاوضات متعددة الأطراف، و يعود ذلك إلى أن لبنان عندما وافق على الدخول في مسار مدريد كانت موافقته قائمة على أساس المطالبة بتنفيذ القرار الدولي رقم 425 القائل بإلزام إسرائيل بالانسحاب الفوري من جنوب لبنان، و اعتبر لبنان نفسه غير معني بكل القضايا الأخرى قبل الانسحاب الإسرائيلي، إلا أن ذلك لم يعف لبنان من التعرض لهجمات أفكار التوطين التي دارت حول عدة مشاريع.

ومن المعروف ربما أنه لا يوجد قضية أكثر إجماعاً لدى الفلسطينيين من رفض التوطين و التمسك بحق العودة، و لعل لفلسطينيي لبنان خصوصية في هذا الرفض و هذا التمسك نظرًا للمعاناة الاستثنائية التي عاشوها، و قد أظهر استطلاع للرأي العام[15] أجراه مركز بديل لحقوق اللاجئين، و أجري على الفلسطينيين أن 54 % منهم يريدون ممارسة الكفاح المسلح من أجل حق العودة، و إن 70% يرفضون اتفاق أوسلو لأنه لا يضمن حق العودة، كما أن 57% منهم يرفضون فكرة التوطين بلبنان جملة و تفصيلا، و 83% يفضلون العيش في فلسطين،  وفي آخر استطلاع للرأي أجرته المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (بيروت 21/10/1999)  على عينة عشوائية من 470 شخص من لاجئي لبنان المقيمين في المخيمات والتجمعات الساحلية في صور والخروب وأيضاً مدينتي صيدا وصور، تبين أن 88.99% لا يقبلون التوطين في لبنان، وأن 95.56% يعتبرون فلسطين وطنهم النهائي و 48.84% يقبلون بالتوطين إذا كان يشكل مدخلاً لحل المشاكل الاجتماعية (مما يعني وجود علاقة توافقية بين التضييق على الفلسطينيين وقبولهم بالتوطين)، ورد 100% من العينة بأنهم لم يتخلوا عن حق العودة[16]

تعكس الأرقام السابقة الموقف الفلسطيني الشعبي من مسألة التوطين المترافق مع موقف سياسي تجمع عليه كل الأحزاب و القوى السياسية الفلسطينية، التي ترى أن أي حل عادل و مقبول للقضية الفلسطينية لا يمكن أن يتم دون الاعتراف بحق العودة للشعب  الفلسطيني، بل و أيضاً تمكين هذا الشعب من ممارسة هذا الحق، و لكن ما يحدث على مستوى القضية الفلسطينية من تطورات خطيرة لا يبشر بالخير و يبقي اللاجئين في مهب الريح و بدون أي حماية مما يخبئه لهم مستقبل المؤامرات و الإلغاء، و لعل العالم الذي يقف متفرجًا الآن على ملايين الفلسطينيين و هم يخزنون آلام المنفى و كذلك أطراف العملية السلمية سواء "إسرائيل" أو القيادة الفلسطينية، وكذلك الأطراف الدولية والعربية التي تريد التخلص من عبئ هذه المأساة، هؤلاء جميعا سيدركون كم كانوا مخطئين عندما حاولوا فرض حل يتجاهل هؤلاء الملايين و حقوقهم المشروعة.

ولعل أخيرًا،  أفضل ما يلخص موقف فلسطينيي لبنان من مسألة التوطين هو ما قالته السيدة شتوة الفلسطينية من ترشيحا التي أجبرت مع عائلتها البدوية على المغادرة منذ 1948 ، حيث تقول رداً على سؤال صحفية لبنانية "لا تسأليني أنا شو أنا اسأليني شو بدك أنا  بدي وطني.. أنا عشت لاجئة لكن ما أريد عظمي يبقى لاجئ .. هذه  وصيتي لأولادي"[17].

ونقول أيضا، إن السياسة الحكيمة الفلسطينية –اللبنانية التي يجب بناؤها بمشاركة مبنية على الثقة والنزاهة وميزان العدل، هي بالنتيجة لمصلحة الطرفين الشقيقين والشعبين، بدون حساسيات أو انتقاص حقوق أو واجبات، وهي تستند على الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان، وكذلك التمسك اليقيني غير القابل للمساومة بالحق الأساس والاستراتيجي بالعودة إلى الديار، بدون السماح بتفكيك الأونروا، أو انسحابها من واجباتها بصفتها الشاهد الدولي الأخير على هذه المأساة.

 

[1] يمكن الإطلاع على نتائج هذا الإحصاء وتفاصيل إضافية من كتيب التعداد على  الموقع الرسمي للجنة الحوار http://www.lpdc.gov.lb/منشورات/كتيب-نتائج-التعداد/399/ar

 

[2] يمكن الاطلاع على الوثيقة هنا: http://www.lpdc.gov.lb/منشورات/رؤية-لبنانية-موحدة-لقضايا-اللجوء-الفلسطيني-في-لبنا/384/ar

 

[3] مجلة البناء.  عدد 990، 25-9-1999، "التوطين"، مشروع بيع وطن ص(6-11).

[4] تماري، سليم: قراءات: من لاجئين إلى مواطنين: الفلسطينيون ونهاية الصراع العربي الإسرائيلي، في: الدراسات الفلسطينية: 39، صيف 1999، ص 217- 220.

[5] صايغ، روز ماري: الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع إلى الثورة، ت:خالد عايد، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، 1980بيروت، ص138.

[6] تم تحديد أماكن توزع المخيمات بناء على اتفاق بين الحكومة اللبنانية والأونروا ، وللاطلاع على المزيد من التفاصيل، أنظر: ثابت، جاد: المجال الفارغ في لبنان ومخططات التنظيم المدني، النهار اللبنانية (الملحق)، عدد323، ص6.

[7] صايغ. سبق ذكره.

[8] السهلي، نبيل محمود: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان من النكبة إلى الثورة إلى فقدان المرجعية (1948-1998)، دراسة غير منشورة، ص12(مسودة).

[9] الصايغ والسهلي. سبق ذكرهما.

[10] أ صدر وزير العمل قرارين عام 1993 يطوران قرارات سابقة صادرة عام 1964: الأول، رقم 2/1 يحدد المستندات اللازمة للحصول على أي إجازة عمل ، وهي أقرب لأن تكون شروطاً تعجيزية مما يفسر أن عدد الإجازات التي حصل عليها الفلسطينيون عام 1993 لا تزيد على 377، وعام 1994 لا تزيد على 350. الثاني، يحدد المهن التي يعمل بها اللبنانيون دون سواهم، أي لا يحق للفلسطينيين العمل بها وقد بلغت أكثر من 72 مهنة. للمزيد من التفاصيل، أنظر : اللاجئون الفلسطينيون في لبنان – دائرة شؤون اللاجئين، م.ت.ف، 1998.

[11] السهلي، سبق ذكره. ص16.

[12] http://www.lpdc.gov.lb/أعداد-وخصائص-سكانية/أعداد-وخصائص-سكانية/30/ar

 

[13] أبو ستة، د.سلمان: سياسة الترحيل والتوطين في الفكر الصهيوني، جريدة السفير، 25/8/1999.

[14] عثمان، أحمد علي: المفاعيل السياسية والاجتماعية لاتفاق أوسلو على الفلسطينيين في لبنان، مركز بديل لحقوق اللاجئين، بيت لحم.

[15] نفس المصدر.

[16] جريدة الحياة. السبت 23 تشرين أول 1999. عدد 12277.    

[17] عيسى، سامية.م: " أين يقع مخيم أوزو "، النهار اللبنانية (الملحق)، عدد 323، ص4.