Menu
حضارة

إيران تُدفع إلى قوس الأزمات

محمد السعيد إدريس

رغم أن أحداث الاحتجاجات الشعبية الأخيرة التي شهدتها العاصمة الإيرانية طهران والعديد من المحافظات ليست هي الأولى من نوعها، وحتماً لن تكون الأخيرة، إلا أنها تكتسب أهمية استثنائية لكونها جاءت لتؤكد وتكشف حقيقة مهمة, وهى أن إيران التي كانت ومازالت، مثلها مثل القوى الإقليمية الأخرى خاصة تركيا وإسرائيل فاعلاً أساسياً في تداعيات معظم الأزمات التي شهدتها الكثير من الدول العربية، باتت معرّضة هي الأخرى لتفجير أزمات داخلية، كما هو حال تركيا، وأنها لن تكون، ابتداءً من الآن، بمنأى عن الدخول في ما بات يسمى بـ«قوس الأزمات» الذى شمل وطننا العربي وقبله شهدته أفغانستان، لكنه الآن يمتد إلى إيران وتركيا ومن ثم أخذ يشمل الرقعة الممتدة لإقليم الشرق الأوسط. إيران قد تكون مهيأة من الداخل للتعرض هي الأخرى لأزمات من عدم الاستقرار السياسي، بسبب ضخامة ما تعانيه من تراكمات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغياب الحريات السياسية، لكن الأوضح أنها تُدفع من الخارج للوقوع ضمن «قوس الأزمات»، وما أعلن عنه مؤخراً من التوصل إلى «استراتيجية مواجهة» مع إيران بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقبله الأزمة التي فجرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفضه اعتماد الاتفاق النوويالإيراني وإعلانه عزمه على إنهاء الالتزام الأمريكي به، وبعده، تفجير أزمة دولية وإقليمية حول ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية الدقيقة، والأهم هو احتلال إيران موقعاً عدائياً متميزاً فياستراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ أيام، كلها شواهد تؤكد أن الاحتجاجات الحالية التي تشهدها إيران، حتى لو أمكن للنظام احتواؤها، هي مقدمات لأزمة كبيرة تنتظر إيران من شأنها أن تجعل إيران في عمق قوس الأزمات، لأسباب كثيرة أبرزها ثلاثة أسباب. أول هذه الأسباب هي الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي تجتاح البلاد منذ فترة طويلة وبلغت ذروتها في الأشهر الأخيرة على النحو الذى تحدث عنه الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في معرض صراعاته مع الرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس القضاء صادق لاريجاني. هذه الأزمة لها جذورها ولها أسبابها وفى مقدمتها العقوبات الاقتصادية الهائلة التي تتعرض لها إيران بسبب برنامجها النووي منذ سنوات طويلة وبالذات العقوبات الأمريكية والأوروبية إضافة إلى انخفاض أسعار النفط الذى هز الميزانية الإيرانية، وضخامة الإنفاق العسكري وتبعات تمدد النفوذ الإيرانيفي الخارج، وهو ما أدركه المتظاهرون وعبروا عنه في هتافاتهم «لا غزة ولا لبنان.. حياتي لإيران» في اعتراض شديد وواضح لرفض هدر الإمكانيات على حساب رخاء الأوضاع المعيشية في الداخل.

 الواضح أن هذه الأزمات مرشحة لمزيد من التفاقم لأن أسبابها لم تجد أية معالجة من جانب الحكومة ولأن إيران معرضة لمزيد من العقوبات الدولية، والملايين من الإيرانيين يشعرون بـ «خيبة الأمل» وتعيش المردود السلبى لما يمكن تسميته بـ «انتكاسة ثورة التوقعات» هؤلاء توقعوا أن يكون مردود حل أزمة البرنامج النوويفي الاتفاق الدولي الذى جرى توقيعه في يوليو 2015 انفراجاً في الأوضاع المعيشية لأنهم ربطوا بين توقيع الاتفاق وبين رفع العقوبات، لكن العقوبات لم ترفع بالكامل خاصة من جانب الولايات المتحدة، والرخاء لم يتحقق، والأموال التي جرى تحصيلها جرى تبديدها فى المزيد من الإنفاق العسكري وتوسيع النفوذ في الخارج.

ثاني هذه الأسباب تفاقم الأزمات والصراعات السياسية الداخلية بين أركان النظام التي تصيب الملايين بالمزيد من الإحباط وفقدان الأمل في مستقبل النظام. هذه الصراعات بلغت ذروتها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت هذا العام ووصلت إلى درجة التعريض والإهانة لشخص الرئيس حسن روحاني، لكنها تفاقمت هذه الأيام بين الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد وكل من الرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس القضاء صادق لاريجاني، والهجوم الحاد من رجال القضاء على شخص أحمدي نجاد ومساعده حميد بقائي الذى صدر بحقه أحكام قضائية أخيرة بلغت 63 عاماً، زاد من حدة هذه الصراعات التي وصلت إلى درجة توجيه أحمدي نجاد انتقادات حادة وغير مسبوقة لرئيس الجهاز القضائي ووصفه بـ «الغاصب» وطالبه بتقديم استقالته، مشدداً على أنه «يفتقر للمشروعية لسبب عدم امتلاكه للشروط المطلوبة لرئاسة القضاء»، كما برر حميد بقائى الأحكام الصادرة بحقه بأنها ترجع إلى أنه كشف عن 63 حساباً بنكياً تابعاً لشخص رئيس القضاء صادق لاريجاني. أزمات تكشف أن النظام يواجه التحدي من داخله بدرجة لا تقل عن تحدياته الخارجية. أما السبب الثالث، فهو جدية التربص الدوليوالإقليمي بإيران بسبب دعم إيران ومساندتها لدول ومنظمات وحركات معارضة وبسبب إصرارها على تمديد نفوذها في مناطق صدام مصالح مع الولايات المتحدة وأطراف إقليمية عديدة في مقدمتها إسرائيل. الصراعات الراهنة المتفجرة ضد إيران وضد أعوانها وحلفائها خاصة فى لبنان و اليمن والعراق تؤكد أن الاحتجاجات المتصاعدة حالياً داخل إيران سوف تجد ما يدعمها من الخارج مع إعلان أطراف كثيرة معادية لإيران مخططات لمواجهة واحتواء النفوذ الإيراني وتصدير الأزمة إلى داخل إيران. أحدث هذه المخططات ما ورد في تقرير للقناة العاشرة الإسرائيلية منذ أيام قليلة نقلاً عن مسئولين رفيعي المستوى أمريكيين وإسرائيليين كشف عن توصل واشنطن وتل أبيب إلى «استراتيجية مواجهة مع إيران» عبر «وثيقة تفاهمات» تضمنت تشكيل طواقم عمل مشتركة تعمل ضد البرنامج النوويالإيراني وضد التمدد الإقليمي لإيران في مناطق هذا التمدد وضد حلفاء إيران، إضافة إلى طاقم خاص لمواجهة البرنامج الصاروخيالباليستى لإيران. إذا أضفنا إلى هذه الأسباب الثلاثة أن إيران مقبلة على مرحلة «خلافة سياسية» للمرشد على خامنئىفي ظل ما تعانيه من انقسامات حادة بين أطراف الحكم من إصلاحيين ومحافظين متشددين بكل ما يعنيه ذلك من توفير بيئة خصبة لتصعيد الصراعات والأزمات الداخلية، واحتمال انفلات التوافق الوطني على الزعامة الجديدة، في ظل غموض البديل المرجح لتولى تلك المسئولية، فإن الأرجح أن هذه الاحتجاجات الراهنة، إذا تم احتواؤها مثل احتجاجات أخرى سابقة، فإنها ستؤسس لمرحلة جديدة من الأزمات التي ستواجه إيران كغيرها من دول المنطقة وأنها ستكون مضطرة لتشرب من ذات الكأس التي فرض على معظم الدول في المنطقة أن تتجرعها، والشاهد على ذلك أن الاحتجاجات التي بدأت بشعارات تسيطر عليها المطالب المعيشية أخذت تتحول إلى شعارات تطالب، ربما للمرة الأولى، بإسقاط رأس النظام في صعود درامي للأحداث قد يصعب احتواؤه بسهولة.