Menu
حضارة

مناورة نتنياهو الجديدة: لنتفاوض على حدود المستوطنات!

حلمي موسى

في خطوة سياسية لا تخلو من المراوغة الواضحة، أبلغ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني باستعداده للتفاوض على حدود الكتل الاستيطانية التي تنوي إسرائيل ضمها في أي اتفاق مع الفلسطينيين. ويكمن عنصر المراوغة في اقتراح نتنياهو في كون العالم عموماً، والفلسطينيين خصوصاً، لا يستطيعون التأكد من مدى جدية نتنياهو الذي تعهد قبل شهور قليلة، في حمى الانتخابات، بعدم السماح بقيام دولة فلسطينية، وكذلك في مدى قدرته على دفع شركائه اليمينيين في الائتلاف الحكومي لقبول ذلك.

وأبلغ نتنياهو موغيريني، وفق تقرير نشرته صحيفة «هآرتس»، أثناء لقائه بها، أنه معني باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، بهدف الوصول إلى تفاهمات على حدود الكتل الاستيطانية التي تضم إلى إسرائيل في إطار اتفاق السلام المستقبلي. وشرح نتنياهو أنه بذلك سيكون واضحاً في أي مناطق من الضفة الغربية يمكن لإسرائيل أن تواصل البناء.

وهي المرة الأولى التي يعرب فيها نتنياهو، بصفته رئيساً للوزراء، عن استعداده لبحث إقليمي مع الفلسطينيين على حدود الكتل الاستيطانية. وقد عقد اللقاء بين نتنياهو وموغيريني في مقر رئيس الحكومة، وعلى نطاق ضيق للغاية. إذ شارك من الجانب الإسرائيلي في اللقاء، فضلاً عن نتنياهو، مستشار الأمن القومي يوسي كوهين ومبعوثه الشخصي إلى مفاوضات السلام المحامي اسحق مولخو.

وأوضحت «هآرتس» أن نتنياهو تعامل باهتمام وحساسية شديدتين مع لقائه موغيريني، التي وصلت إلى المنطقة بغرض فحص ما إذا كان ممكناً إعادة تحريك العملية السلمية. ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن الهدف الأساس لنتنياهو من اللقاء كان إظهار الاستعداد، الرغبة بل والحماسة لاستئناف المسيرة السلمية، وذلك على خلفية انعدام الثقة العميق تجاهه في الاتحاد الأوروبي بالنسبة للمسألة الفلسطينية.

وفسرت الصحيفة تصرف نتنياهو بخشيته الكبيرة من الضغط المتصاعد على إسرائيل الذي تمارسه قيادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، والعواصم المركزية في أوروبا، في كل ما يتعلق بجمود المسيرة السلمية. وأضافت أن خوف نتنياهو ينبع من الاستعدادات في بروكسل لفرض عقوبات، كإلزام وضع إشارات على منتجات المستوطنات في أسواق أوروبا، وكذلك من المبادرة الفرنسية لاستصدار قرار في مجلس الأمن في الأمم المتحدة يقرر مبادئ حل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

وكان نتنياهو قد ابتدأ لقاءه مع موغيريني وأمام الكاميرات بالإعلان عن تجديد التزامه بمبدأ «الدولتين للشعبين»، وأن موقفه المؤيد لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل لم يتغير. وهذه هي المرة الأولى التي يقول فيها نتنياهو ذلك منذ تشكيل الحكومة، وعلى خلفية تصريحاته في الأيام الأخيرة من حملة الانتخابات، عندما أعلن، في محاولة لتجنيد أصوات اليمين والمستوطنين، بأنه طالما بقي رئيس وزراء فلن تقوم دولة فلسطينية.

ولاحظت «هآرتس» أن موغيريني ردت على نتنياهو ببادرة سياسية من جانبها، وبدلا من اصطلاح «حل الدولتين» استخدمت اصطلاح «الدولتين للشعبين». وقالت الصحيفة أن إسرائيل تفضل التعبير الثاني الذي يتناول بشكل مباشر طلبها أن يعترف الفلسطينيون بها بوصفها «الدولة القومية للشعب اليهودي». وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي هذا المصطلح. وقد قدرت موغيريني إعلان نتنياهو التزامه حل الدولتين، لكنها قالت أن هذا ليس كافيا. وأضافت «أنا معنية أيضاً برؤية خطوات على الأرض تسند تصريحاتك وتظهر الالتزام بحل الدولتين للشعبين».

وحينها رد نتنياهو بأنه معني باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين في اقرب وقت ممكن، وعرض المواضيع التي سيكون مستعداً للبحث فيها إذا ما استؤنفت المحادثات. وقال «واضح لي بأنه توجد مناطق ستبقى في كل اتفاق تحت السيطرة الإسرائيلية، مثلما هو واضح لي بأنه توجد مناطق ستبقى في كل اتفاق تحت السيطرة الفلسطينية. في ضوء ذلك سيكون ممكناً التقدم والتفاهم حول المناطق التي سيكون ممكناً فيها مواصلة البناء، لأنها في كل حال ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية».

وأشارت «هآرتس» إلى أن هذه هي المرة الأولى منذ تولي نتنياهو رئاسة الحكومة في العام 2009 التي يعرب فيها عن استعداده لقبول حل إقليمي يقوم على التباحث مع الفلسطينيين على مساحة وحدود الكتل الاستيطانية. كما لاحظت أن هذه هي المرة الأولى التي يقبل فيها نتنياهو عملياً، وبشكل غير مباشر، مسألة تجميد الاستيطان خارج الكتل الاستيطانية.

وقد رفض رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات دعوة نتنياهو لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين للتفاهم على حدود الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية. وأكد عريقات أن دعوة نتنياهو لتحديد المستوطنات، وعقد جلسات تفاوضية مع الجانب الفلسطيني لهذا الأمر، هي «مراوغة خطيرة» يُطلقها من جديد أمام المجتمع الدولي، لإظهاره بأنه يريد المفاوضات ويسعى لتحقيق السلام. وأوضح أن مثل تلك الدعوات تهدف بشكل أساسي إلى إعطاء الشرعية الفلسطينية والعربية والدولية لحكومة الاحتلال، للاستمرار في نهجها الاستيطاني المرفوض تماماً على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقال عريقات «نتنياهو يريد من خلال ما أسموه بالمبادرة الجديدة، تفعيل ملف المستوطنات وإعطاءها الطابع الشرعي، وهذا الأمر في غاية الخطورة، والقيادة الفلسطينية تعلم تماماً حجم المخاطر في حال تم قبول مثل تلك الدعوة».

ولكن ليس الفلسطينيون وحدهم من يرون أن كلام نتنياهو مراوغة. فقد نقلت «هآرتس» عن مسؤول إسرائيلي قوله إن كلام نتنياهو أمام موغيريني، قبل أسبوع، مشكوك في جديته. وقال إن نتنياهو يبدي مرونة ظاهرية فقط بسبب الضغط الدولي، وهو يعرض ذلك لعلمه أن الفلسطينيين يرفضون هذه المقاربة. ولا يخفي مسؤولون إسرائيليون تقديرهم بأن نتنياهو يهدف إلى تلطيف الضغوط الأوروبية عليه ومحاولة استعادة الشرعية الدولية.

ومعروف أن التشكيلة الحالية للحكومة الإسرائيلية لا تسمح لا بمفاوضات ولا بتحقيق أي اختراق على صعيد التسوية. فوزيرة الخارجية فعلياً تسيبي حوتبولي أبلغت الديبلوماسيين الأجانب المعتمدين أن «الله أعطى هذه الأرض لشعب إسرائيل»، كما أن النقاش يدور حول تعزيز الاستيطان في كل مكان في القدس والضفة الغربية. ويؤمن معظم الوزراء في إسرائيل بأن لا مجال لحل الدولتين.

 

نقلا عن: السفير