Menu
حضارة

ماذا يفعل أهل الفضل؟

طلال عوكل

بضعة آلاف تدفقوا على معبر رفح يومي الثلاثاء والأربعاء السادس والسابع والعشرون من هذا الشهر، شهر مايو أيار، الذي يقفل العام السابع والستين على وقوع النكبة الكبرى الأولى، التي أدت من ضمن ما أدت إليه، إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم وأسست لما يعرف بحق العودة.
بعد أكثر من شهرين ونصف الشهر على آخر مرة فتح فيها المعبر للعائدين والمغادرين، فتح هذه المرة للعالقين الموجودين في مصر وخارجها، فيما ظل مغلقاً على الراغبين في السفر.
بشارة جيدة للمنتظرين منذ سبعة وستين عاماً، بأن عليهم التحلي بالصبر حتى يأتي يوم عودتهم إلى الأرض التي تمنعهم إسرائيل من الوصول إليها، حتى كزوار، أو سائحين.
لن نسأل من صاحب الفضل في إنهاء معاناة آلاف الفلسطينيين الذين خرجوا من غزة اضطرارياً، وقضوا أحكاماً بالبقاء لمدة طويلة خارج الديار، بدون أن تصدر بحقهم اتهامات تقتضي معاقبتهم، يعود الآلاف ويبقى مئات الآلاف من الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة، عالقين حتى إشعار آخر ليس بمقدورهم سوى الانتظار والانتظار، لكن الكثيرين منهم لا يملكون الخيار، سوى أن يموتوا على فراش المرض، جراء محدودية القدرات والخدمات الطبية المتوفرة في مستشفيات قطاع غزة.
حتى العائدين من رحلة الاستشفاء، بعد فتح المعبر، قد لا ينجو الكثير منهم، لأنهم خرجوا للعلاج، لكنهم يعودون محملين بأمراض أخرى أقلها العصبية، والأمراض النفسيةـ عدا عن مرض الإفقار.
هل يعلم أصحاب الفضل في فتح المعبر، أن، من يخرج طلباً للعلاج، أو سعياً وراء مصلحة، والمصالح متعددة، ليس من بينها السياحة، حيث يضطر الكثيرين منهم إلى الاستدانة، أو ربما التسول، أو قضاء أيام كثيرة على الخبز والملح نظراً لمحدودية والموازنة المخصصة لسفر لم يدر في بالهم أنه سيطول...؟
هل يعلم أصحاب الفضل في فتح المعبر، أن الكثيرين من العالقين لمدة طويلة قد فقدوا عزيزاً، أباً أو أماً أو أخاً، بدون أن يتمكنوا من الالتحاق بجنازاتهم؟ غزة فعلياً تحولت إلى سجن حقيقي كبير، لا أدري إن كانت أكبر أو أصغر مساحة من غوانتانامو، لكن الأكيد أنها السجن الأكثر اكتظاظاً بالنزلاء من أي سجن آخر على وجه الأرض.
هم سجناء بلا تهم وبلا أحكام صادرة بحقهم، سجناء إداريين بدون تحديد مدة محكومياتهم، الأمر الذي ينبغي على أهل الفضل، وأصحاب الحل والربط، هو أن هذا السجن، الذي تقول تقارير البنك الدولي بأنه يضج بالفقراء، والعاطلين عن العمل، يشكل البيئة المناسبة جداً للتطرف من كل الأنواع، بما في ذلك التطرف الديني، الذي ينتج ظواهر مثل داعش وأخواتها، نحو مليوني فلسطيني يقاسون الأمرين، فردياً وجماعياً،  سيكون من الصعب على فصائل العمل الوطني، إقناعهم بضرورة الاحتفاظ على اعتدالهم، ورزانة عقولهم، فإن طال انتظارهم للعلاج والطعام، والحركة، والكهرباء، وإعادة الاعمار، والحكومة والمصالحة و.......، فإنهم سيبادرون لتغيير واقعهم، ماذا سيفعل أهل الفضل حين يتحول بسببهم قطاع غزة إلى عش دبابير حقيقي.