على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

مُختصون أكدّوا أهميته وجدواه في مواجهة

سلاحُ "مقاطعة البضائع الصهيونية" بين فوضى المعايير.. وموسمية التفعيل

18 شباط / يناير 2018
قاطع
قاطع

تقرير / وسام الخطيب

للمقاومة أشكال وأساليب عدة تستخدمها الشعوب الحرة في مواجهة أعدائها ومُستغلّيها، تختلف هذه الأشكال في تأثيرها باختلاف الإمكانات والإمكانيات هنا وهناك، لكنها تبقى ضربات موجعة يتلقاها جسد العدو الإمبريالي وتؤثر فيه مهما بدت غير مؤثرة أو استهان بها البعض، ومن هذه الأشكال المقاطعة.

رغم أن البعض يرمي لتقزيم المقاطعة وتصنيفها كأحد أنواع الاحتجاج السلمي فقط، لكن الفهم والإدراك التامّين لطبيعة العدو الإمبريالي، وجشعه الاستعماري القائم بالأساس على جشعه الاقتصادي، يطرح المقاطعة– تلقائيًا– كأحد الأسلحة الفتاكة التي تفتك بهذا العدو وأدواته، حتى أن الامبريالية العالمية بقُطبها الأمريكي وأداتها الصهيونية الاستعمارية في فلسطين يدركان مدى خطورة وتأثير هذا السلاح لهذا يستمران بمحاربة كل من يستخدمه أو حتى يُفكّر باستخدامه.

إعادة تفعيل سلاح المقاطعة بيد القوى الشعبية

لا يعتبر عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وسام الفقعاوي أن هنالك موجة مقاطعة في فلسطين والوطن العربي، ويعود ذلك لضعف المجهود المبذول على صعيد مقاطعة العدو السياسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية، إضافة إلى ضعف الاستجابة الرسمية والشعبية مع المقاطعة.

كما يرى د.الفقعاوي أن آليات المقاطعة ووضوحها، مرتبط برؤية واستراتيجية موحدة وخطط وبرامج عمل وأدوات تنفيذ واضحة بالأساس، وتنسيق جهود على نحو واسع، سواءً على صعيد الدول العربية رسميًا، أو الأحزاب والمؤسسات المدنية والشعبية، بحيث تصبع المقاطعة مرعية رسميًا وشعبيًا، وفي المقدمة من ذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ ويُعزي غياب ذلك عن الصعيد الفلسطيني لما أسماه أولويات الحالة الفلسطينية، والأزمة التي تعصف بها، إذ لا تولي المؤسسات الفلسطينية مسألة المقاطعة ما تستحق من اهتمام، وبصورة أدق هي ليست أولوية على أجندة هذه المؤسسات، على رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها “كما يفترض”، أعلى مؤسسة تقود الشعب الفلسطيني ونضاله، مرورًا بالسلطة الفلسطينية، وصولًا للتنظيمات والأحزاب والمؤسسات الشعبية، بحيث قلما نجد حملة واضحة ومحددة تروج للمقاطعة، وتحمل مقومات الاستدامة والاستمرارية وتحقيق النتائج المرجوة.

أمّا الكاتب اللبناني، وأحد مُؤسسي "حملة مقاطعة داعمي إسرائيل" في لبنان، د.سماح إدريس فيرى أن “تكرار الحديث عن الفرص الذهبية بيد القوى الشعبية لم يعد ذا معنى، لأن القوى الشعبية والتقدمية والوطنية تحترف منذ زمن إضاعة الفرص، بالتالي ولإعادة تفعيل سلاح المقاطعة يجب أن تكون هذه القوى والأحزاب، بحدّ ذاتها، مُفعّلة، أما استغلالها موضوع المقاطعة لتفعيل ذاتها، فيؤدي إلى عملها على المقاطعة عدة أيام فقط ثمّ تتوقف بعدها.”

ويتابع إدريس؛ “المقاطعة ليست عملًا موسميًا على الإطلاق، ويجب أن يكون هنالك آليات مُمأسسة لها داخل كل تنظيم، وكل فصيل. لا أن يكون العمل عليه كنوع من الهبّات كما لو أن العدو الاسرائيلي يرتكب المجازر، ويعمل على تهويد القدس اليوم فقط! فالنكبة مستمرة منذ العام 1948، لذلك ينبغي أن يكون لدى كل فصيل وكل حزب جهاز إداري خاص بالمقاطعة ومناهضة التطبيع".

المفارقة هنا، بحسب د.الفقعاوي، أنه “في الوقت الذي تغيب فيه المقاطعة، عن أجندة العمل العربي -ومنه الفلسطيني- بحكم الأزمة الشاملة الضاربة في أعماق الوضع العربي -ومنه الفلسطيني- نجد أن المقاطعة، وخاصة حركة المقاطعة ”BDC” حققت نجاحات ملموسة على صعيد الدول الأوروبية وداخل الولايات المتحدة الأمريكية أزعجت العدو الصهيوني، وخاصة على صعيد المقاطعة الاقتصادية (بضائع المستوطنات) أو الأكاديمية والثقافية، حيث ألغت العديد من الجامعات الأوروبية، خاصةً في بريطانيا وفرنسا، علاقات لها مع جامعات إسرائيلية، وكذلك على صعيد المؤسسات الثقافية، وبالطبع قد تلعب هذه المقاطعة دورًا هامًا إذا ما امتدّت واستمرت على المستوى السياسي.

معايير المقاطعة ومكتب الجامعة العربية للمقاطعة

عن معايير المقاطعة، يشير الموقع الإلكتروني لحملة مقاطعة داعمي “اسرائيل” في لبنان إلى جملة من المعايير التي نظمتها الحملة وأهمها؛ “أولًا: مقاطعة المستثمرين في الكيان الصهيوني، مثل بناء مصانع و”مراكز بحث وتطوير” في أراضٍ طُهّرت” من الفلسطينيين، مثل شركة نستله التي بنت أبرز موقع لها في مستعمرة سيديروت. ثانيًا: شراء شركات “إسرائيلية”، أو أسهم فيها. ثالثًا: توقيع عقود مع شركات “إسرائيلية”. رابعًا: تقديم دعم مالي مباشر إلى جمعيات “خيرية” صهيونية، فمثلًا، تدعم المكاتبُ الرئيسةُ لكوكاكولا في الولايات المتحدة فرعَ “الاتحاد اليهوديّ الموحَّد في أتلانتا الكبرى” الذي يَدْعم الجاليةَ اليهوديّةَ في الكيان الصهيونيّ عبر “إعادة توطين اللاجئين” (اليهود طبعًا) هناك. خامسًا: الإسهام، ولو عن غير قصد، في الحرب المباشرة على شعبنا وأمّتنا. فمثلًا، جنرال إلكتريك تصنّع محركاتِ طائراتٍ داخل “إسرائيل”.

سادسًا: التعبيرُ علنًا عن دعم الجيش والحكومة: مثلًا نشرتْ مايكروسوفت، بعيْد مجزرةِ جنين في العام 2002، إعلاناتٍ في منطقة تل أبيب تعبّر فيها عن امتنانها “من أعماق قلبها لجيش الدفاع الإسرائيليّ.”

سابعاً: ترويجُ الصهيونيّة. مثلًا: قامت شركة هاسبرو في العام 2000 بإنتاج لعبةٍ تمثّل “جنديًّا عصريًّا من جيش الدفاع الإسرائيليّ” مزوَّدًا بالقنابل وببندقيّة أمْ 16، فطبّعتْ في عقل الطفل في العالم أنّ هذا الجنديّ نموذجٌ للبطولة في وجه “الإرهاب” الفلسطينيّ والعربيّ.

بدوره يؤكد الفقعاوي أن “الولايات المتحدة الأمريكية لا تعرف سوى لغة المصالح، التي لو تضررت قد نجدها في موقف وموقع مختلف نوعاً ما عن الحالي – ولها مصالح جمة هنا، بدءاً من النفط وليس انتهاءً بمصانع الأدوية – لكن لا مقاطعة لها، كما لا مقاطعة “لإسرائيل”، بل أجندة وأولوية هذا النظام، تطبيع وتحالف وصداقة معها وحروب للمنطقة، مترافقًا مع آلة إعلامية ضخمة تشرعن ذلك عربيًا، بل ومرعية من رأس النظام، مثال البحرين مؤخرًا، بالإضافة، إلى كتابات باتت تهاجم الفلسطينيين وتشيطنهم، بل تحاول أن تدحض حقوقهم التاريخية في فلسطين.”

أما عن جامعة الدول العربية فيرى رئيس تحرير مجلة الآداب اللبنانية د.إدريس أن دورها رئيسي، لا مفرّ منه، فهي الناظم الأساسي للأنظمة العربية، لكن للأسف تحوّلت الجامعة العربية إلى ما عبّر إدريس عنه بـ “جامعة الأنظمة الرجعية”، ولم تعد جامعة الشعوب العربية، لذلك يجب على كل القوى والجماهير الضغط على الأنظمة من أجل تحويل جامعة الدول العربية إلى جامعة الشعوب العربية، وجامعة القوى الثورية العربية، لأن “الجامعة أصبحت الآن ورقة التوت التي تُغطّي الاستبداد والتطبيع العربي مع الكيان الصهيوني”

ويتابع إدريس، “في الوقت الذي تنجح فيه جامعة الدول العربية بممارسة قراراتها تكون إيجابية جدًا، وهذا ليس فقط من الأربعينيات أو الخمسينيات أو الستينيات من القرن الماضي، بل حتى منذ عدة سنوات عندما أصدرت قرارًا بمنع كل أفلام زياد الدويري، سرى على كل الدول العربية. ويضيف؛ “يجب علينا ألّا نعفي الأنظمة العربية من دورها، لذلك يجب أن يمارس عملنا ضغطًا على الأنظمة لكي تُغيّر سياسات جامعة الدول العربية، لتكون هي المعيار الأخلاقي الوازن الذي يجمع القواسم المشتركة بين كل الأنظمة العربية، لا أن ينحاز للأنظمة النفطية التي تدفع أكثر.”

معيقات توحيد آليات المقاطعة

يقول الفقعاوي، أستاذ العلوم السياسية، “إن المعيقات التي تحيط بتوحيد آليات المقاطعة للعدو الصهيوني، عديدة ومتشعبة ومتداخلة في آن، ومنها غياب المؤسسة الفلسطينية الواحدة والموحدة، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى العجز والقصور وغياب الدور الفاعل للتنظيمات الفلسطينية المتعددة، وخاصة المعارضة منها لاتفاقات أوسلو ونتائجها السياسية والاقتصادية والأمنية، وانعكاساتها الخطيرة على مجمل الوضع الفلسطيني، يضاف على ذلك انقسام التنظيمات على ذاتها، وتقوقع معظمها وانكفائها على داخلها التنظيمي، المثقل بالأزمات كما التحديات، ناهيك عن الانقسام بين حركتي فتح وحماس الذي أنهك الجسم الفلسطيني طوال 11 سنة.”

من جانبه يرى الدكتور سماح إدريس، أن “معيقات توحيد معايير المقاطعة هي لأن جزء من هذه الحركات موسمية، للأسف، تراها حين يكون هنالك مجزرة أو قرار أميركي، أو أي مسبب للتحرك ثم تنطفئ؛ لذلك حملات المقاطعة في الوطن العربي معظمها غير جدّي”، ثانيًا؛ “غياب الاستراتيجية الواضحة لدى جزء من هذه الحملات، فتراها تقاطع بضائع الشركات الأمريكية الداعمة للعدو، ولا يقاطعون بضائع الشركات الأوروبية – مثلًا – الداعمة للعدو الاسرائيلي. لذلك، يجب أن يكون المعيار الأساسي لهذه الحملات، هو مقاطعة كل الشركات الداعمة للعدو الاسرائيلي، وليس فقط الشركات الأمريكية، مع العلم أن هنالك شركات أمريكية لا تدعم “اسرائيل”، فلا يجوز أن تتسم الحملة بطابع عنصري ضد بلد معيّن، بدلًا من أن يكون ضد شركة ما أو سياسات معيّنة.”

ثالثًا؛ “أنانية بعض حركات المقاطعة، ومحاولتها فرض برنامجها على الجميع، كنوع من الاستئثار والفردية والشخصنة، حتى أنّها تصل إلى التخوين أحيانًا. يكمن مقتل حركات المقاطعة بإلصاقها، أحيانًا، بقوى حزبية؛ وهذا لا يعني غياب الأحزاب عن حركات المقاطعة، بل على العكس، يجب أن تعمل الأحزاب على تفعيل إدارات المقاطعة داخلها، لكن لا يجوز أن تُلحق وتُستتبع بقرارات الأحزاب وحدها.”

وأخيرًا، يتابع إدريس قائلًا؛ “البعض من حركات المقاطعة تتعامل بفوقية مع حملة المقاطعة العالمية BDS. نحن في حملة مقاطعة داعمي “اسرائيل” في لبنان لدينا اعتراضات على الـBDS، لكن وجود أسقف مختلفة بين حركات المقاطعة يجب ألا يعني عدم التعاون والتنسيق، فكلما تعاوننا مع حركة BDS ضمن معاييرنا نحن، كلما كانت حملة المقاطعة العالمية أنجح.”

كما تحدث الفقعاوي عن المنظمات غير الحكومية (NGOs)، المحكومة إلى رؤية الممول وأهدافه السياسية، على مدار 20 عامًا من إغراق المجتمع الفلسطيني بمئات المنظمات من هذا النوع، التي كانت حصيلة بائسة من النتائج المرجوة وطنيًا واجتماعيًا، من حيث خدمة النضال الوطني الفلسطيني وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، في مقابل تعميم ما أسماها “ثقافة” الارتزاق والاستهلاك والبحث عن الذات والفردية والانتهازية وغير ذلك من القيم السلبية.

يختم عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية، قائلًا: “إن سلاح المقاطعة، هو جزء لا يتجزأ من أسلحة المقاومة المتعددة الأشكال والأساليب: الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والإعلامية والعسكرية، وما إلى ذلك، التي يفترض أن تتناغم وتتكامل فيما بينها”، ويرى أنه وسط انطلاق هبة القدس المستمرة، التي يخوضها الشباب الفلسطيني، في ظل غياب قيادة موحدة وأهداف محددة وخطط وبرامج واضحة، وافتقادها إلى العمق الشعبي الحقيقي، أننا بتنا بحاجة جدية على الصعيد الفلسطيني خصوصاً والعربي عمومًا، إلى رؤية جديدة وسياسة جديدة ووعي جديد وأدوات جديدة، قاعدتها استعادة أسس ومنطلقات مشروعنا الوطني المرتكز على ثلاثية: التحرير والعودة والاستقلال، وانطلاقاً من جوهر الصراع، بما هو صراع عربي – صهيوني.

المصدر "نداء الوطن"

متعلقات
انشر عبر