على مدار الساعة
أخبار » آراء

السرية المريبة

19 شباط / يناير 2018

أصبحت السرية المريبة صفة ملازمة للمشهد السياسى العربى. كما أصبحت ممارستها من قبل بعض القيادات السياسية العربية إدمانا مرضيا خطرا.

لنأخذ على سبيل المثال موضوع «صفقة العصر» التى تتناولها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى العربية ليل نهار.

لا أحد يعرف على وجه التأكيد من الذى طبخها فى مهدها، ومن الذى ينتقل فيما بين العواصم العربية ليسوقها، ومن الذى قبل بأن يأكلها ومن رفض أن يمسها. هناك تخمينات كثيرة، ولكن ليس هناك حقائق رسمية مؤكدة.

الأمر نفسه ينطبق على موضوع الادعاء الأمريكى بوجود العديد من الحكومات العربية التى جرى إعلامها والحصول على موافقتها، وذلك قبل أن يأخذ الرئيس الأمريكى قراره الفضائحى المشين بالاعتراف التوراتى بالقدس كعاصمة للكيان الاستعمارى الاستيطانى فى فلسطين العربية المحتلة. من هم القادة العرب الذين نصبوا أنفسهم كسماسرة للجهات الأمريكية المتصهينة، وعلى أى أساس فعلوا ذلك، وما هى المكاسب، إن وجدت، التى وعدت أمريكا بتقديمها لدول تلك القادة أو لوضعها تحت تصرف طموحات هذا القائد أو ذاك المحلية؟

الأمر نفسه ينطبق على التلاعب الاستخباراتى التدميرى الأمريكى فى سوريا. فبعد أن فشلت أمريكا فى تجزأه العراق وسلخ أقاليمه الشمالية عن الجسم الوطنى العراقى التاريخى الواحد، فإنها تحاول الآن القيام بنفس التآمر التجزيئى، الذى لا تتعب من القيام به لصالح الكيان الصهيونى، فى الشمال السورى. إنه محاولة أخرى لفصل ذلك الإقليم وشعبه عن الجسد الوطنى التاريخى السورى، ويقدم كقرار لما يسمى بالتحالف الذى تقوده أمريكا. والسؤال، هل حقا أن الدول العربية المشاركة فى ذلك التحالف المشبوه قد استشيرت؟ ومن هم القادة، فى أرض أصبح فيها القادة مساوين للدول، الذين باركوا ما تريد أن تفعله أمريكا بدولة عربية شقيقة وضربوا عرض الحائط بالتزاماتهم العروبية القومية التى تقوم على الرفض التام المطلق لأى نوع من التجزئة لأى قطر عربي؟

قضايا بالغة الخطورة، وتمس المصالح القومية العربية الكبرى، تبحث فى غرف مغلقة، ويتحدث عنها القاصى والدانى، تخمينًا وظنونا وهلعا، ونسمع غمغمات عنها من فم هذا الموظف العربى الصغير أو ذاك بينما يبقى متخذو القرار صامتين كصمت القبور، وكأنهم ليسوا معنيين بالإجابة عن تساؤلات شعوبهم وعن مخاوف مجتمعاتهم.

إن هذا الوضع برمته، وهذه الطريقة التى يتعامل بها مع القرارات المصيرية الكبرى، أصبحت تثير الكثير من الريبة وتكاد تؤكد ما يقوله البعض من وجود مؤامرات خفية تستهدف مستقبل الأمة والوطن العربى كله.

نحن نعرف، بالطبع، إن ظاهرة السرية فى اتخاذ بعض القرارات من قبل الحكومات هى ظاهرة عالمية. ولقد وصلت إلى أحقر درجاتها فى الأكاذيب والسرية التى رافقت اتخاذ حكومتى أمريكا وإنجلترا قرار غزو العراق واحتلاله. لكن هناك، فى الدول الديموقراطية، وسائل إعلام تكشف المستور فى النهاية، وهناك مجتمعات مدنية قوية تحاسب متخذى القرار وتجعلهم من المنبوذين ومنكسى الرءوس.

لكن ماذا عن دولتنا العربية، غير الديموقراطية، وحيث سلطات الدولة بلعت فى جوفها مؤسسات المجتمع المدنى، وحيث الإعلام يخضع لسوط الجهات الأمنية؟

هل سنستمر فى السماح لأفراد قلائل، خاضعين هم بدورهم لفرد متسلط واحد، باتخاذ قرارات كبرى دون مناقشات مجتمعية مسبقة، ودون مداولات فى مؤسسات الجهات التشريعية، إن وجدت، ودون عرضها فى النهاية على الاستفتاء إن احتاج الأمر لذلك؟

إن ما يثير الاشمئزاز هو أن الجماهير العربية على استعداد لأن تخرج فى مظاهرات حاشدة صدامية عندما تتخذ قرارات فى غرف مغلقة تمس أسعار الخبز والغاز والرسوم المختلفة، ولكنها تقف ساكنة غير مبالية عندما تتخذ قرارات مصيرية كبرى فى الغرف المغلقة ومن قبل أفراد قلائل.

لنذكُر هذه الجماهير المتثائبة بأنها كانت تخرج بالملايين فى الشوارع لإسقاط معاهدة أبرمت مع هذه الدولة الاستعمارية أو تلك دون علم الناس، بينما يجرى الحديث الآن عن «صفقة القرن» فلا تحرك ساكنا لمعرفة جهات وأسماء ووسائل المتبنين لها والمتبرعين بنشر فضائل تلك الصفقة والعمل على قبولها.

مرة أخرى نعود إلى موضوع الديموقراطية بمبادئها ومؤسساتها. من مبادئها حق الناس فى المعرفة التامة لما تقوم به الدولة وما تتخذه من قرارات. ومن مؤسساتها هو عدم السماح لأية سلطة بأن تستأثر باتخاذ القرار لوحدها.

نذكر الذين يجلسون فى غرف مغلقة ويتجرأون بإعطاء وعود لدونالد ترامب أو ماكرون أو بوتين أو المجرم الصهيونى نتنياهو، نذكرهم بأن هناك شعوبا بحقوق وكرامة إنسانية وشراكة تامة فى كل ما يمس الوطن، وطن الجميع، وليس وطنهم هم فقط.

نذكرهم، بأن الملايين قد خرجت منذ بضع سنوات فى الشوارع، وأنها قادرة على الخروج مرات ومرات.

نذكرهم بأن السرية فى الحياة العامة هى مثل السرية فى الحياة الزوجية. إنها مقدمة للخيانة وللطلاق ولدمار العائلة، وفى الحياة العامة مقدمة لدمار الدول والأمم.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

علي محمد فخرو

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر