Menu
حضارة

عن ذراع الشين بيت الطويلة في التعليم العربي في الداخل

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

منذ نشأة الكيان الصهيوني اعتبر ميدان التعليم ساحة حرب إضافية، وأداة للضبط والسيطرة وتدجين ال فلسطين ي الصامد في أرضه وزجه في بوتقة صهر، ولكنها ليست مثل تلك التي استهدف منها دمج اليهود، بل الهدف منها صهر وعي العربي الفلسطيني بدونيته وخضوعه كونه مواطنا وإنسانا من الدرجة الثانية في بلده وأرضه.

وبالتالي تعاملت المؤسسة الصهيونية مع التعليم العربي بمنطق الأمن والمصلحة الأمنية للدولة الصهيونية، وصممت على منع استقلالية التعليم العربي، وإن حافظت على شكلين منفصلين من التعليم، بينهما فوارق هائلة في الموارد والجودة، وطرق الهيمنة والإلحاق. ولم تكن هذه السياسات خاصة بحزب معين، وهي نشأت أصلا في عهد حكومات العمل وورثها نفتالي بينيت من عهود الحكم العسكري، ولكنها عبرت دائما بفوارق طفيفة عن الاجماع القومي والحزبي الصهيوني اتجاه المواطنين الفلسطينيين، وكيفية المحافظة على وضعهم القائم ضمن ثنائية الالحاق والاخضاع. وكمثال على ذلك الاجماع نذكر تجربة مجلس التعليم العربي الذي شكله وزير ميرتس أمنون روبنشتاين في التسعينيات في عهد حكومة رابين، واستمر عمله ثمانية أشهر ورفضت توصيته بإقامة سكرتارية تربوية للتعليم العربي من قبل وزير ميرتس الذي شكله بالذات.

من التدخل في المناهج إلى سياسة التعيينات الأمنية إلى تقليل الموارد والحرمان التعليمي، كلها أدوات السلطة الصهيونية لقمع العقل العربي والسيطرة على الجيل الناشئ بما يتوافق مع سياسة الاستعلاء الصهيونية ومصالحها. وهي سياسات مستمرة رغم الإنكار، وتكفي متابعة سياسات وزارة نفتالي بينت للحظها وتسجيلها وقد انتقلت من حيز السرية إلى حيز البرنامج "الوطني" لحكومة نتنياهو.

 السياسات الصهيونية تجاوزت موضوع الهيمنة وفرض المناهج عن طريق الإدارات المدنية، ليمد جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" أذرعه السوداء الطويلة داخل قطاع التعليم العربي، بهدف تنحية العناصر التربوية الوطنية وصياغة القطاع التعليمي بعناصر مؤيدة للسلطة ونهجها، ولا نعرف إن كانت أجهزة أمنية أخرى تدخلت في هذا الأمر أيضا. يستند هذا النص على تقرير مطول نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، حول كشفها عن وثائق سرية تفضح نشاط جهاز الأمن الداخلي الصهيوني "الشين بيت" في المجتمع الفلسطيني في الداخل وخصوصا في المدارس ومراكز التعليم، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم الصهيونية بغرض استبعاد المدرسين والمديرين وإحباط تعيين من يعتبرون خطرين على "دولة إسرائيل"، و "من يختارون شعبهم"  ومعادين "لدولة إسرائيل"، ولم تكن حالات الفصل مرتبطة بنقص التأهيل كما زعمت إدارات التربية بل لأسباب أمنية –سياسية دون أن يعلم هؤلاء المعلمون والمديرين السبب الحقيقي لفصلهم من عملهم.

تقول الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة أن انتقال تدخل الشين بيت السافر في شؤون التعليم العربي والهيمنة عليه  من حالته السرية والمموهة إلى مستوى المنهجية المؤسسية بدأ عام 1978، عبر اجتماع لرجال الشين بيت  مع الوزير زيفولون هامر وبحضور مدير إدارة التعليم العربي ومستشار رئيس الحكومة مناحيم بيغن للشؤون العربية آنذاك. ذلك الاجتماع وصف بأنه سري للغاية وكذلك روست الوثيقة التي نشرتها يديعوت أحرنوت والتي احتوت على تفاصيله بـ "سري للغاية، رغم أن  رئيس قسم الشؤون العربية في الشاباك أنكر وجودها كليا.

هذه الوثيقة غير العادية لخصت مجريات الاجتماع المذكور أعلاه،. وقد تم توثيق المحضر على ورق الشين بيت الرسمي، وفي هذه الوثيقة تم النص على الطريقة التي بموجبها سيتم وضع الرقابة الأمنية على المعلمين ومديري المدارس في "الوسط العربي"، وكيف  سيكون عملاء الشين بيت قادرين على العمل خلف الكواليس للتخلص من المعلمين المزعجين قوميا وأمنيا  وتنفيذ سياسة "المكافأة والعقاب" بل التأثير  سرا في المسابقات المتعلقة بتعيينات مدراء المدارس.

الشهادات والوثائق الجديدة التي كشفت عنها صحيفة يديعوت، والتي تشمل أيضا ملفات سرية للشاباك، تلقي الضوء على تراث المخابرات الإسرائيلية في التعامل على مر السنين في المؤسسات التعليمية العربية داخل الكيان الصهيوني وطريقة التعيينات والتعامل مع المعلمين المشتبهين بإمكانية أن يشكلوا خطرا على دولة "إسرائيل" فيطلقون عليه اسم "غير مؤهل"  ليس فقط بموافقة بل أيضا بالتعاون مع مسؤولي وزارة التعليم دون أن يتضح "غير مؤهل" لماذا، رغم أنه يحوز جميع الدرجات العلمية والتربوية المطلوبة لشغل المنصب.

سياسة الاستبعاد لم تطل فقط المعلمين والمربين "المشتبه" بعدائهم للكيان ودولته، بل أيضا من يرى الشاباك أن أحد أفراد أسرته أو أقاربه متورط في مثل هذا النشاط، وفي هذه الحالة يوصف الوضع بـ "تنحية غير مباشرة" لهذه الحالات.

ويزعم جهاز الشين بيت وأيضا الدولة، أن هذه الأساليب انتهت و لم تعد موجودة، ويزعمون بأن هذه الأفعال كانت لمنع "إساءة استخدام الكرسي الأكاديمي" من قبل المعلمين العرب، ومنع المعلمين من استخدام نفوذهم على جيل الشباب للإساءة "إلى البلاد"، على حد الزعم.

والقصة قديمة جدا، رغم التشوش في الحقائق، إلا أن المحامي الفلسطيني حسن جبارين يقول في شهادته أن قصة " تورط الشاباك في التعيينات داخل نظام التعليم سرا في المجتمع العربي، يعود تاريخها إلى 1948"، وخلال فترة الحكم العسكري كانت هناك تقارير عن الشين بيت وعمله في هذا الميدان، على سبيل المثال كانوا يرسلون رسائل إلى الأهل من نوع "إذا استمر ابنك في المشاركة مع ماكي (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، لن يكون مدرسا". ويضيف جبارين أنه على مر السنين قام الشين بيت برصد ما كان يجري في المدارس العربية في "إسرائيل"، وكذلك يراقب المعلمين، وعند الضرورة يتصرف ضدهم.

مثال على هذا النشاط يمكن العثور عليه في وثائق وزارة التربية الداخلية التي وصلت إلى الصحيفة، كحالة مدرسة أم الفحم الثانوية.  حيث تذكر الصحيفة بناء على ما لديها من وثائق أنه في آذار / مارس 1976، اتصل المستشار القانوني للوزارة مع مديرها العام اليعازر شميلي، محذرا إياه من "التحريض" في المدرسة. وقال المستشار إن مجلس أم الفحم المحلي يجب تحذيره لوقف التحريض في المدرسة وإلا سيتم إغلاقها.

والمعلومات عن مؤامرة التحريض المزعومة، تم استخلاصها من وثيقة قدمها الشين بيت. حيث أرسلت  رسالة أخرى إلى المدير العام شميلي تقول إن الوضع في المدرسة لم يتغير بعد عام على الرسالة الأولى  " التحذير لم يؤد إلى أي خير". كما لوحظ أن هذه المعلومات جاءت مباشرة من جهاز الأمن.

لم يكن الشين بيت هو المزود الوحيد للمعلومات عن معلمي القطاع العربي. فعلى سبيل المثال، أفادت مراسلة بين موظفي مكتب رئيس الوزراء عن اقتباس قدمه معلم مدرسة سخنين الثانوية أثناء درس "مع من يريد (الرئيس ال مصر ي آنذاك أنور السادات) أن يسعى إلى تحقيق السلام؟ مع الفاشي، الإرهابي الذي نفذ مجزرة دير ياسين، هل هذا هو النوع الذي يريد السادات أن يصنع معه السلام؟"  وفقا لما نقل عن المدرس، وورد في الرسالة الداخلية المذكورة "أليس الوقت المناسب للحصول على بعض النظام مع المعلمين من أمثال هذا؟"

رد موشيه شارون مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية في رسالة موجهة إلى الشين بيت كان أكثر غرابة من الرسالة نفسها ويعكس حقيقة التفكير المؤسسي الصهيوني تجاه العرب "ما قاله هذا المعلم هو أحد أعراض سوء التغذية داخل النظام التعليمي حيث يعتمد المعلمون العرب على كرسيهم الأكاديمي لتفصيل آرائهم السياسية والوعظ على منبر الفتوة القومية ... واقتراحي هو الرد بشدة في هذه الحالة، وفي حالات مماثلة كنا نراقب ".

 وتدل الشهادات على أن الشين بيت بذل جهودا كبيرة على مر السنين للتأثير على نظام التعليم في القطاع العربي،  وثيقة 1978 آنفة الذكر تعكس المشاركة الحميمة للجهاز في نظام التعليم في القطاع العربي. وقالت الوثيقة إن "ممثلي الدائرة أثاروا جميع القضايا الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في القطاع العربي الإسرائيلي والتي لها تأثير مباشر أو غير مباشر على نشاط الدائرة على أرض الواقع".

 وثيقة الشين بيت التي تنظم نشاطه في نظام التعليم شملت القضايا التي نوقشت في الاجتماع من حيث، وضع المعلم وأهميته في القطاع العربي وسياسات الأهلية المباشرة وغير المباشرة وسياسات المكافأة والعقاب والمعلم وترخيص العمل، ومسابقات تعيين المديرين، وما إلى ذلك.  وبعد مقدمة عامة، تنتقل الوثيقة إلى القسم العملي، حيث تناولت أولا، مسألة عدم حرمان المعلمين العرب من التعليم في المدارس مباشرة، نتيجة لإجراءات ويبدو أن وزارة التعليم ليست لديها مشكلة في ذلك. وقالت وثيقة الشين بيت "فيما يتعلق بالتعويضات المباشرة، ستعتمد وزارة التربية توصياتنا". "طلب مدير عام وزارة التربية والتعليم تسليم المواد إلى مكتبه مع سبب عدم أهلية المرشح ". وفي حالة عدم الأهلية بشكل مباشر، وبعبارة أخرى، إدانة المعلم بسبب أفعال  أقاربه، لم تكن الوزارة حريصة على التعاون مع الشين بيت.

 وجاء في الوثيقة "موقف وزير التعليم هو أنه إذا لم يكن هناك معلومات أمنية سلبية على مرشح لمناصب التدريس، وإذا كان المرشح لا يخضع لتأثير سلبي من أقاربه المقربين، سيكون من الصعب جدا أن يتم تنحيته بشكل غير مباشر " وفقا لما ذكرته الوثيقة.

والجزء التالي من الوثيقة التي تلخص الاجتماع بعنوان "سياسة المكافأة والعقاب" ويذكر فيها أن "وزارة التعليم والثقافة سوف تحاول تلبية طلب الدائرة (الشاباك)  في اعتماد توصياتنا بشأن تشجيع المعلمين الإيجابيين". أما الجزء الثالث، فيتعلق بمشاركة  الشين بيت في المدارس العربية، وكشفت عن أن المعلم لن يمنح الرخصة  إلا بعد سماع رأي الشين بيت. واتضح أن الشين بيت شارك أيضا في لجان المسابقات لتعيين المديرين. وقالت الوثيقة  "لقد وافق وزير التربية والثقافة على أن" نعطي أي معلومات أمنية سلبية عن المرشحين لمنصب الرئيس ونائبه لممثل وزارة التربية والتعليم في لجان المسابقات ".

 قد يكون الجزء الموضوعي من الوثيقة هو الأكثر إثارة للاهتمام، حيث تشير إلى أن وزارة التربية والتعليم سوف  تستخدم نوعا من "الإثارة " بالنيابة عن الشاباك: "اقترح وزير التعليم تعيين ممثل (الجهاز) كموظف كامل في التعليم العربي  في وزارة التربية والتعليم، لتنسيق أنشطة الدائرة في الوزارة، كما سيتعامل الموظف مع القضايا الأخرى ذات الصلة بالإدارة ".

و الشهادات والوثائق التي حصلت عليها صحيفة يديعوت أحرونوت تؤكد أن هذا لم يبق على الورق فقط وتصف  النشاط السري للشاباك، في الوسط العربي وتكشف كيف تم طرد المعلمين فجأة تحت ذريعة  "غير مؤهل" دون إبلاغهم السبب الحقيقي لفصلهم. ومن الأمثلة التي تعرضها الصحيفة، كان مدرس العلوم في المجلس المحلي في طرعان في الجليل قد تم استبعاده حسب المعلومات من الشين بيت وأبلغ صاحب العمل - المجلس المحلي في طرعان - من قبل وزارة التربية والتعليم أنه يستخدم حق النقض ضده كمعلم.

وثائق أخرى منذ نوفمبر  1978، تكشف عن طلب من وزارة التربية والتعليم إعادة النظر في قرارها بسبب النقص في معلمي العلوم في الصفوف العليا. وفي الوقت نفسه، عقدت المفاوضات وراء الكواليس مع الشين بيت. في نهاية المطاف، كشفت الوثائق أن الشاباك وافق بشريطة  توظيف المعلم مؤقتا "من أجل الطلاب، الذين هم على وشك أداء امتحانات نهاية العام."

 وأوضح قرار الشاباك، مع ذلك، أن المعلم " لا يجوز توظيفه كمدرس في السنة الدراسية المقبلة تحت أي ظرف من الظروف ". وفي الواقع، في العام التالي، رفضت وزارة التعليم السماح لمجلس طرعان بإبقاء المعلم المذكور وقد تم إخفاء سبب عدم أهليته ومشاركة الشين بيت خلف الكواليس.

 وقال مسؤول رفيع المستوى بوزارة التربية والتعليم في وثيقة سرية حول مدرس طرعان: "لا يسمح لنا بالإشارة إلى أن وظيفة المعلم قد تم إنهاؤها لأسباب أمنية". غير أن الحادثة وصلت إلى برنامج تلفزيوني في القناة الأولى بعنوان "بين المواطن والسلطات". وحين حاول منتجوا البرنامج الحصول على معلومات عن المدرس أكد مسؤولون في وزارة التعليم على وثيقة داخلية لوزارة الداخلية وقعها إيمانويل كوبيليتش، الذي كان يعمل في ذلك الوقت كرئيس للإدارة العربية للتربية والثقافة في الوزارة، ووصف سلسلة الأحداث غير العادية. وقال كوبيليتش لمسؤول في الوزارة "ليس لدي أي اقتراح حول كيفية الرد على المنتج في هذا الصدد". وأضاف "أعتقد أننا يجب أن نجد طريقة، من خلال إدارة التلفزيون أو من خلال إدارة هيئة الإذاعة ، لمنع إثارة هذه المسألة سواء في هذا البرنامج أو أي برنامج آخر ... إذا لزم الأمر.".

نموذج آخر هو المربي رمزي سليمان الذي كان قد بدأ العمل كمرشد نفسي استشاري في مدرسة المعلمين في الشمال، بعد يوم واحد تلقى أمر رفض التعيين  من وزارة التعليم. وفي محاولة لتغيير القرار، توجه مسؤول كبير في المعهد إلى مكتب رئيس الوزراء. بدأ مسؤولون في المكتب مناقشة هذه المسألة في تشرين الأول / أكتوبر 1978، في محاولة لفهم السبب في عدم أهلية المعلم، وإذا كان لدى الشين بيت أي علاقة به. وقد حل هذا اللغز عندما أكد كوبيليتش أن الشين بيت كان بالفعل وراء تنحية سليمان".

قصة البروفيسور (حاليا) سليمان تعكس جو الإرهاب والقمع والتخويف والابتزاز الذي فرضه الاحتلال ودولته وحكمه العسكري، حيث يتذكر رمزي سليمان تلك الحادثة، وكيف تعرض لوشاية من معلم آخر، بسبب حيازته كيتيبات من (حداش) وتم تبليغ المدير الذي كان خائفا وأبلغ الشين بيت. وفي وقت لاحق، أوضح المدير أنه لم يكن لديه خيار سوى الإبلاغ عنه، وإلا فإن شخصا آخر كان سيبلغ عنه. وبعد ذلك لم يكن لديهم بديل، يقول سليمان  " طلبوا مني مقابلة شخص من الشين بيت، لكنني رفضت، قلت أنني لم أفعل أي شيء خاطئ" ويضيف "كان هناك جو من الخوف في ذلك الوقت. كان الجميع يخشون من شخص ما أن يشي بهم، وإذا وشى بك شخص ما لن تحصل على موعد، لن تحصل على وظيفة. الناس يشتبه بعضهم ببعض، وكانوا يخشون فتح أفواههم في الأماكن العامة، ظللت أسمع قول "الجدران لها آذان".

ويصف ايمانويل كوبيليتش الذي كان مسؤولا عن القسم العربي في الوزارة حتى عام 1987 أنه بعد اجتماع مع الوزير هامر عام 1978 أصبحت الأمور رسمية، وعندما يتم استبعاد معلن فإن هناك قناتين: في القناة الرسمية، يتم إخطار المعلم، وأشخاص مختلفون بأشياء مختلفة. و في قناة غير رسمية، يلمح شخص ما إلى هذا الشخص أنه قد تم استبعاده.

ويزعم أنه كان هناك قضيتان متعارضتان في بعض الأحيان، " فمن ناحية، فإن مصلحة جهاز الأمن مسؤولة عن منع الأشخاص الذين يتصرفون ضد مصلحة الدولة العليا  ومنع وصولهم  في المؤسسات الرسمية أو المؤسسات التعليمية. لا أحد منا يريد ذلك " ويضيف " من ناحية أخرى، هناك اهتمام تعليمي للأطفال العرب للحصول على أفضل تعليم ممكن، بما في ذلك أفضل المعلمين، وفي كثير من الحالات فإن أفضل المعلمين العرب لديهم اتجاهات معادية لإسرائيل".

ويعترف كوبيليتش "إن هذا  ينعكس في معظم الأحيان في تعيين مديري المدارس". "كانت هناك بعض الحالات التي رفض فيها تعيين  أفضل المرشحين وأخذ معلم من الدرجة الثانية و استبعاد المرشح الأنسب." ويقول عضو الكنيست يعقوب بيري، الذي شغل منصب مدير الشين بيت في الفترة من 1988 إلى 1995 "القرارات التي اتخذت في العقود الأولى للدولة مبررة. إن الإشراف على السكان كان سيشكل خطرا أمنيا هو شيء مشروع ينبغي أن يتم بطريقة لائقة ومتوازنة، ومع مرور السنوات يتم بطريقة أكثر شفافية" وقد حرم بيري خلال فترة ولايته التعامل مع الانتقادات التي بدأت في الظهور ضد نشاط الشين بيت في وزارة التربية والتعليم، حتى إنه عقد مناقشة مع وزيرة التربية والتعليم آنذاك شولاميت ألوني، التي تقول "كوزيرة للثقافة، لم أوافق على هذا التدخل". وقال ألوني في وثيقة من عام 2001، وصفت فيها اجتماعها مع بيري، "إن أيام الحكومة العسكرية في إسرائيل قد انقضت منذ فترة طويلة" وتضيف "إن انتهاك الحقوق المدنية لم يكن القضية الوحيدة التي أثارتها لقد لاحظت أيضا أنه يجب علينا النظر في الضرر الهائل الناجم عن التدخل، مثل الصراع بين العشائر، واختيار من الموالين (لمن؟) ومع المعلمين غير المؤهلين، والمدرسين الذين تم تقويض وضعهم".

في أعقاب اللقاء،  تعترف آلوني بأنه تم خداعها حيث وصلت لانطباع  أن " الشين بيت قد وجد مسائل أكثر أهمية للتعامل معها، والتي لن تسبب ضررا كبيرا لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل، وأن تدخلا سافرا في تعيين مديري المدارس وفي التأثير على المسابقات (بدون تفسير وبدون وقت مبكر أو الإشعار المتأخر) قد وصل إلى نهايته ... كنت مقتنعة جدا بأن هذه المسألة قد تم حلها، وأنني لم يعد علي التعامل مع هذه المسألة خلال فترة ولايتي، ربما كنت قد خدعت أو ربما كنت ساذجة ".

 عندما وصل أمنون روبنشتاين (ميرتس) إلى منصب وزير التعليم طلب من مدير الشاباك حينها كارمي غيلون إنهاء  منصب مسؤول الشين بيت في وزارة التربية، وتكلم مع  رئيس الوزراء اسحق رابين في هذا الشأن. وقال "لقد بدأنا النظر في القضية في محاولة لإعداد ورقة موقف موجزة ووضع حد لها، ومنحنا رابين موافقته"، ويكشف أن هذا المسعى تم احباطه بعد اغتيال رابين،  ويزعم غيلون إن إنهاء وظيفة مسؤول الشين بيت داخل وزارة التربية والتعليم "ليس بالضرورة أمرا سيئا.  وكذلك يزعم أنه رغم ذلك بطريقة أو بأخرى ستقوم الوزارة بإرسال رسالة إلى الشين بيت بأن مثلا " أحمد تقدم بطلب للحصول على وظيفة تدريس في الطيرة "، والشين بيت يقول نعم أو لا، والطريقة الأخرى . وهي خطوة التفافية على السؤال الحقيقي:  من أعطى الشيطان حق الفيتو؟ وهذا يحدث حتى اليوم، حيث من المعروف أن التعيينات في التعليم تخضع لسلسلة من التدقيق الأمني المكثف للتأكد من "حياد" الشخص، ويفضل ولاءه للدولة.

قبل إلغاء المنصب رسميا عام 2004 قدم مركز عدالة التماسا إلى المحكمة العليا ضد وزارة التربية والتعليم والشاباك ومكتب رئيس الوزراء. لوضع حد لتدخل الشاباك في تعيين المعلمين في "الوسط العربي"، وتم تأييد الالتماس برسائل من ثلاثة وزراء تعليم سابقين ويقول  أمنون روبنشتاين: "رأيي هو أن تدخل الشاباك في وزارة التعليم خاطئ، وبالتالي يجب أن يتم إلغاؤه". ومن جهته كتب يوسي ساريد رسالة بهذا أيضا غير أن  قضية تدخل الشين بيت في وزارة التربية لم تناقشها المحكمة أبدا، وكان رد الدولة على الالتماس أنه جزء من اصلاحات لجنة دوفرات، والتي تركز على إعادة تنظيم شامل لنظام التعليم، وسبق أن تقرر إلغاء منصب نائب مدير التعليم العربي الذي شغله ممثل الشين بيت، وقد تمكنت الدولة عن طريق الإعلان عن الالتماس بأنه زائد عن الحاجة من إغلاق النقاش.

هذه السياسات مستمرة، بغض النظر عن الزعم بإلغاء المنصب الخاص بمراقب الشين بيت في الوزارة، فمن يحتاج مثل هذا المنصب في حكومة عنصرية متطرفة يقودها بنيامين نتنياهو ويشغل منصب وزير التربية والتعليم أيدلوجي متشبع بالكراهية والتطرف ضد الفلسطينيين مثل نفتالي بينت، الذي توحش في سياسته ضد التعليم العربي خصوصا في  القدس  المحتلة تحت شعارات "منهج واحد" و"منع التحريض" وكلها تصب في خدمة سياسات تزييف الوعي والهيمنة والالحاق وتهميش الذاكرة والأسرلة، وما الفرق بين عمل موظف الشاباك ودور مكتب الوزير حاليا في ملاحقة ما يدعي أنه شكاوى ضد التحريض في التعليم العربي، ومحاولة فرض خطته الخماسية على التعليم العربي في القدس مثلا.