على مدار الساعة
أخبار » منشورات

عرض وتلخيص لكتاب (علمانية الإسلام والتطرف الديني)

22 آيار / يناير 2018
علمانية الإسلام والتطرف الديني
علمانية الإسلام والتطرف الديني

بين دفتي كتاب المفكر اسماعيل حسني خمسة محاور رئيسية وهي:

الدين والسياسة.
اللاهوت الإسلامي والتطرف الديني .
العلمانية .
علمانية الإسلام .
الطريق الى العلمنة .

وهذه محاولة لتكثيف وعرض للمحاور المدرجة أعلاه مع توخي الدقة والموضوعية ومراعاة عدم تشويه جوهر ومضمون الأفكار التي يسعى الكاتب للتعبير عنها وإيصالها للقارئ..

الدين والسياسة:

يبدو غريباً ونحن في القرن الـ 21 أنه يوجد من يدعو إلي قيام (الدولة الدينية ), التي تنزع بطبيعتها إلى أن تكون دولة غير ديمقراطية, أو حتى مستبدة, ويكون الحاكم فيها ظل الخالق على الأرض , يحكم ويصدر التشريعات والقوانين, ويرسم السياسات وكل من يطيعه قد اطاع الخالق, ومع أنه مجرد بشر, قد يصيب وقد يخطئ, ولكنه يسعى ليضفي على نفسه صفات القداسة.

 إن جعل الدين أساساً في النشاط السياسي لأي مجتمع, ينزل الدين من عليائه ليستثمر سياسياً من هذا الطرف أو ذاك, وهو ما يثير مشكلات بحق مبدأ المواطنة ومبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين المنضويين في إطار وطن محدد, والحال, فإن العلمانية ليست مناهضة للدين, بل هي تحفظ له مكانته وقداسته كونه حاجه روحية للنفس البشرية, نائية به عن سوق المزايدات السياسية, واذا صح فيمكن القول أن العلمانية متناقضة مع الدين المجير سياسياً كونه يطرح تصورا نظريا لنظام سياسي يختزل دور الدين ويحشره في صراعات دنيوية هو في منأى عنها . وهذا لا يعني معارضة وجود أحزاب سياسية دينية من حيث المبدأ, فثمة كثير من الأحزاب ذات المرجعية الدينية في هذا العالم.. ولكن هذه الأحزاب جميعها تشكل جزءا لا يتجزأ من نسيج المجتمع المدني و العلماني في بلدانها ولا تطرح أبدا العودة بمجتمعها إلى نسق الدولة الدينية.

اللاهوت الإسلامي والتطرف الديني:

لقد استطاعت نظرية "العقد الاجتماعي" دحض أطروحة الدولة القائمة على "الحق الكهنوتي" وان تؤسس للعقد الاجتماعي والسياسي معا والمستند إلى حاجات جميع الافراد ومصالحهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل, بصوره أخرى توصلت تلك النظرية إلى أن ترسي فكرة العلمانية باعتبارها الشرط التأسيسي للديموقراطية .والحفاظ لكل من الدين والدولة على مجاليهما المتخصصين" مجال القيم الروحية والأخلاقية أو الفضائل بالنسبة للأول 'ومجال التشريعات والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية بالنسبة للثانية ".

لذلك لا نستغرب التحليل الذي يرى في أطروحة التعاقد من بين ما هيأ فعليا للثورة البرجوازية القومية العلمانية ثورة 1789في فرنسا, وكيف لا يكون "جاك روسو " منظًراً فعلياً للثورة الفرنسية ولقاعدتها العلمانية وهو القائل: من المهم بالنسبة للنظام أن يكون لكل مواطن دين يحثه على الإخلاص لواجباته .لكن لاهوت هذا الدين لا يعني النظام ولا أفراده إلا بقدر ما تتصل بالحقوق والواجبات لكل فرد داخل المجتمع اتجاه الآخرين.. وما يهم الدولة هنا قبل أن يكون الإنسان حسن التدين هو أن يكون حسن المواطنة إذ لا كهنوت في يده العصمة ولا سلطة مطلقه لتحدد مصائر الذوات لأن ذلك كامن في دواخل تلك الذوات نفسها.

من جهة أخرى يؤكد "جون لوك " 1689 في كتابه " رسالة التسامح" إن التعصب أو الانغلاق الكهنوتي يؤدي بالضرورة إلى التعصب الاجتماعي اي تشريع سياسية الالغاء  وغزو الأوطان باسم اللاهوت والدعوة والهداية .. إنها حرب ذات أغراض دنيوية بحته يقع تبريرها عبر إعطائها ضرباً من القداسة.

 أما على مستوى المؤسسات فيقول جاك روسو في كتابه "العقد الاجتماعي". "إن الجمع بين سلطتي الدين والدنيا يؤدي إلى قيام حكم ثيوقراطي مستبد ". أي أن الحاكم هو الوحيد الذي يملك حق تخصيص المفاهيم التي لها تأثير على الوجود الاجتماعي للمواطنين. وفي هذه الحالة فإن المجتمع يسير على رأسه وليس على قدميه....

العلمانية:

ربما يشهد مفهوم العلمانية في العقود القادمة تطوراً وتعمقاً وسيرتبط على نحو وثيق في العصر الحالي بقضية الديمقراطية حيث يسود المبدأ القائل "لا ديمقراطية دون علمانية ولا علمانية دون اعتمادها على الديمقراطية" من الصعب تصور قيام دولة مدنية ديمقراطية في العصر الحديث من دون الفصل بين الدين والدولة, وتحقيق العلمانية بوصفها التجسيد الحقيقي لهذا الفصل, ولا بدّ من القول خلافاً لما يذهب إليه منظرو التيارات الدينية بآن "العلمانية تعني محاربة الدين ونفيه من المجتمع وأن الفصل بين الدين والدولة سيؤدي إلى اضمحلال الدين " على العكس من ذلك فالعلمانية ليست نظرية سماوية لتحل محل الدين في الحياة البشرية, بل هي مسار تاريخي يستند إلى العقلانية في الفكر والممارسة والى الحرية الإنسانية في تقرير المصير, وانطلاقاً من ذلك فإن الفكر العلماني يتصدى للمورثات السائدة في المجتمع والتي تعيق تقدمه وتحرر الإنسان فيه.

هكذا يمكن القول: إن العلمانية بمضمونها الحقيقي هي أحد تجليات الحداثة في مرحلتها المتقدمة حيث يتميز النظام العلماني باحترام المواطن وحرية الضمير وضمان الحرية الدينية لجميع المواطنين من دون استثناء, إضافة إلى الاعتراف بالتعددية الدينية, كما أن الدولة العلمانية هي دولة حيادية تقف فوق جميع المذاهب والأديان والطوائف وتعاملهم على قدم المساواة أمام الدستور, لكونهم يمتلكون الحقوق نفسها ويترتب عليهم الواجبات ذاتها. أيضا.

إن العلمانية هي التي تحرص على البعد الروحي الذي يحتاجه الإنسان وهي بالتالي تضع هذا البعد في مكانه الصحيح وتمنع المتاجرة بالسياسة وبه أو استغلاله لأهداف غير نزيهة...

علمانية الإسلام:

تدرك العلمانية أهمية الدين في حياة الإنسان فهي تحترم خياراته العقائدية وحريته الشخصية فجميع أبناء الوطن بمختلف مذاهبهم وطوائفهم وأديانهم واعراقهم سواسية تحت مظلة القانون كما ترفض العلمانية تسييس الدين وترفض تحويل الخطاب الإلهي إلي مطية لذوي الطموحات السياسية... وترفض تدخل الدين في تسيير المجتمع وتفصل المقدس عن " المدني الدنيوي " وتعيد الإيمان إلى مكانه الطبيعي, وهو العلاقة الخاصة والحصرية بين الفرد والله بوصفها حرية شخصية... والعلمانية بالأساس رؤية وممارسة للسياسي قائمة على الفصل الجذري بين الديني والدنيوي باعتبار الأول شأناً خاصاً يتصل بضمير الفرد وعلاقته بالخالق, والثاني شأناً عاماً مرتبط ...بعلاقة الذوات (الآنا الجمعية) داخل المجتمع ومؤسساته السياسية والاجتماعية. لقد جاءت العلمانية حلاً منطقياً لكل أشكال الصراع التي يترتب عليها تدمير الفرد والجماعة، لأن إضفاء القداسة على أفكار ما، أو مبادئ ما، هي المقدمة لفسح المجال واسعاً أمام أشكال من التعصب والتناحر والحروب الأهلية التي لا حدود لها..! وهناك من يرى بأن انفصال السياسة عن الدين، كان في الجوهر، هو الواقع المعاش في مسيرة التاريخ الإسلامي، وبأن التجربة الإسلامية نفسها تشير إلى أن ( الدولة الإسلامية) في عهود ازدهارها - الأموي والعباسي مثلاً- كانت أقرب إلى الدولة العلمانية المدنية، حيث كان الدين هو الشعار العريض الذي تتحرك في ظله سياسات المصالح العليا للدولة، إضافة للصراعات والحروب التي يتم تفسيرها وفهمها وفق عناصر المصلحة السياسية البحتة، وكان الشعار الديني وسيلة للتوظيف السياسي وساهم في انجاح المشاريع السياسية وتوطيد أركان الدولة لكثير من الحكام والخلفاء المسلمين.

بيد أن جوهر التسييس اليومي والعلاقات التي تنسج حوله كان بعيدا عن تحكم الدين، لذلك فإن التطلع نحو حلم ( الدولة الإسلامية) كما يرسمه ( الإسلام السياسي) اليوم، والاستشهاد بمراحل ازدهارها، هو قراءة قاصرة وافتراضية للتاريخ العربي والإسلامي، هي لا تاريخية أيضاً لأنها تستثني تجربة ( 14 قرناً) من التسييس الإسلامي..! كثيرون في الإسلام من رواد الإصلاح الديني - أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين- ممن لم يجدوا تعارضاً بين الدين والعلمانية، وأبرزهم الإمام محمد عبده الذي قال: الأمة هي صاحبة الحق في السيطرة على الحاكم، وهو حاكم مدني من جميع الوجوه.. أما الفكرة الشائعة عن توحيد الإسلام بين السلطتين المدنية والدينية فهي خطأ محض ودخيلة على الإسلام.. أيضاً عبد الرحمن الكواكبي الذي اعتبر أن ( الأمة الحية ما أخذت في الترقي إلا بعد أن عزلت شؤون الدين عن شؤون الدنيا، وجعلت الدين أمراً وجدنياً محضاً لا علاقة له بشؤون الحياة الجارية على نواميس الطبيعة) .. وكذلك علي عبد الرازق الذي خلص إلى القول بأن ( لا آيات القرآن الكريم، ولا الفلسفة النبوية، تلزم المسلمين بأي نوع من أنواع الحكم.. وأن الله ترك للمسلمين أن يختاروا ما يناسبهم من أنواع الحكم).

الطريق إلى العلمنة:

ما أحوجنا إلى ثورة ثقافية تطاول مجال فهم الدين، وتتعامل مع العلمانية ليس بوصفها عقيدة مضادة للدين، إنما باعتبارها مبادئ لتنظيم المجتمع البشري، أو إحلال مبادئ يأتي في مقدمتها إحلال مفهوم المواطنة، الذي يكرس وجود المواطن، الفرد، المستقل بشخصه وتفكيره، محل مفهوم الرعية، واعتبار الشعب هو مصدر السلطة، وإن العلاقة بين الإنسان وربه هي علاقة فردية لا تحتاج إلى وسيط، والابتعاد عن التكفير وضمان حرية التفكير والبحث في جميع المسائل، بما في ذلك الدينية، أما السياسة التي تقوم على تكريس الأحادية، فهي تفضي إلى نزوع مضاد للعلمانية حكماً ، إذ أنها تريد، والحالة هذه التسليم بها كمصدر وحيد لقناعات الناس وموقفهم، والتسليم هنا هو نقيض العلم والعقل والديمقراطية.

وينطبق هذا على سياسة الدول، كما ينطبق على سياسة الأحزاب التي تريد من أعضائها الالتزام المطلق بآراء ومواقف القيادة، ولا تسمح للتنوع والتعدد في الرأي و التعبير داخلها، والتمتع بعقل نقدي فعال يقبل بالأخر والحوار معه، وبذلك تكون نموذجاً لأحزاب السلطة في ممارساتها وسلوكيتها واستبدادها، ولا تشكل بديلاً، في أي حال عن تلك الأنظمة المستبدة وأحزابها!..  بهذا المعنى لا تجد العلمانية حقها في الوجود إلا في مجتمعات تعرف قيمة الإنسان وتحترم حقوقه وتقدس حرياته، أما في فترات التخلف، فمن الطبيعي أن تنحسر قيم الديمقراطية، وتصبح المطالبة بحقوق الإنسان واحترام حرياته تهمة، تقع تحت طائلة المناسبة والعقاب.

بينما في الواقع فإن الأغلبية الساحقة من دول العالم، هي دول علمانية، أو تحاول الاقتراب منها، إلى هذا الحد أو ذاك، وعلى النقيض من مزاعم بعض الأوساط التي تدعي عدم توافق العلمانية وانسجامها مع واقع الدول ذات المجتمعات الإسلامية فإن وقائع الحياة تدحض هذا الادعاء, حيث, 48‎%‎ من المسلمين في العالم إنما يعيشون في دول ذات أنظمة علمانية.

فالمجتمع المدني القائم على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، ووجود ثقافة ديموقراطية وفكر سياسي حر ومرن، وتعدد لمنابر التعبير، والصحافة الحرة، ووجود الأحزاب السياسية، وحرية المرأة ومساواتها، هو المجتمع الذي يضمن أنسب الشروط والمناخات لجعل العلمانية ممكنة على أرض الواقع.

خلاصة القول:

لقد توصل الكاتب لاستخلاص مجموعة من الأسس التي يمكن أن تساعد على قيام مجتمع ونظام علماني.. داعياً القوى والاحزاب الوطنية والقومية لتوحيد جهودها، واعتبار تلك الأُسس مهام عاجلة ينبغي توفيرها والعمل بهديها:

 أولاً: وجود دولة وطنية قوية قادرة على فرض هيبتها عبر سيادة القانون واحترام الدستور، حيث نشهد حالياٍ فقدان الدولة الوطنية لهيبتها ودورها ونمو للنزاعات الطائفية والقبلية والمذهبية على حسابها.

ثانيا: اصلاح القوانين والمناهج التعليمية والخطاب الاعلامي فيما يتصل بالمسائل التالية:

تجريم ثقافة كراهية الاخر، وتقديس مبدأ المواطنة، وتدريس الاعلان العالمي لحقوق الانسان وملحقاته، واعتباره مادة أساسية في مناهج الدراسة، وحظر الثقافة المعادية لحقوق الاقليات والمرأة، ولحرية الفكر والضمير والنقد.

نشر وتعميق ثقافة القيم الانسانية، من حرية وعدالة واستقلالية ومساواة وسلام وديمقراطية وتعددية ومشاركة وحق الاختلاف. واعادة هذه القيم الى اصولها الانسانية والتاريخية، وليس الى اصول دينية أو مذهبية او طائفية، فالإنسانية موجودة قبل الايديولوجية ومستمرة بعد موت الكثير منها، كما ان هذه المفاهيم لها مدلولات حديثة تختلف عن مدلولاتها القديمة والمثبتة في كتب التراث، مما يؤدي الى تشويه تلك المفاهيم في الذهنية العامة للامة.. فمثلا مفهوم الحرية ورد في التراث مقابل مفهوم العبودية فقط، وليس له الدلالة الواسعة للمفهوم الحديث، وكذلك مفهوم الديمقراطية له دلالات تختلف عن دلالات مفهوم الشورى.. وهكذا.

القضاء على الأمية في المجتمع، والتي تجعل المواطنين فريسة سهلة لجماعات التطرف والتعصب والانغلاق، وللمنهج الخرافي في التفكير. ويؤدي محو الامية الى تدعيم احساس الفرد بقيمته الانسانية واستقلاله الفكري، ومقاومة الفكر القائم على السمع والطاعة والتقليد والنقل.

الغاء ذكر الديانة في الاوراق الثبوتية الشخصية كبطاقة الهوية وفي سائر الوثائق والمستندات الحكومية.

منع استخدام المؤسسات الحكومية أو مقراتها في الدعاية لأي رموز دينية, أو سياسة، مثل اللافتات والملصقات والصور.. وغيرها، فهذه المباني ملك لجميع المواطنين والاستئثار بها من قبل فريق أو فئة يعتبر مخالفاً للدستور.

ثالثا: أهمية وجود مشروع نهضوي وطني وقومي ديمقراطي يهدف إلى تحديث المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة الشاملة.. ونظرا لعدم وجود مشروع وطني وقومي تأتلف حوله جميع القوى والاحزاب والنخب ذات الصلة.. وذلك لضعف الرؤية والفاعلية السياسية والثقافية للمعارضة والموالاة على السواء في بلادنا، فإنه يصبح مفيداً اعتماد العلمانية مشروع وطني وقومي واستراتيجي..

متعلقات
انشر عبر