على مدار الساعة
أخبار » صحافة المواطن

رسالة مفتوحة إلى المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبيرغ

23 آيار / يناير 2018
ستيفن سبيلبيرغ
ستيفن سبيلبيرغ

خالد جمعة - عن فيسبوك

تحية من فلسطيني تحت الاحتلال، لا أعرف شكل هذه التحية كيف سيكون، لكنها عادة افتتاحيات الرسائل، أما بعد!!!

عندما كنت صغيراً، كنت أربط دائماً بين الأنبياء والفنانين، لاعتقادي أن هؤلاء الفنانين من عالم يختلف عن عالمنا، وكنت أشعر برعشة عندما يذكر اسم أحدهم أمامي، تماماً كما أشعر بها حين يذكر الأستاذ في المدرسة اسم نبي من الأنبياء.

ارتبطت دائماً عندي فكرة الفن بالعدالة المطلقة والجمال المطلق والحق المطلق والخير المطلق، وحتى حين كان الواقع يخذلنا، كان الفن يأتي ليعدّل العالم في قلوبنا وأرواحنا، فنفهم أن الحياة بدون الفن لا يمكن فهمها، وبالتالي فإن من حق الحياة أن تغامر وتكسر وتكذب وتصنع طبقات من الناس وتغْني وتفقِر، لكن الفن لا يجوز له أن يفعل ذلك، يجب أن يبقى موقفه ثابتا من قضايا الظلم والقتل والاحتلال.

حين صنعت فيلمك الشهير الذي حزتَ فيه على جائزة الأوسكار "قائمة شندلر"، وقدمت الضحية اليهودية في سجون هتلر النازي، قلنا جميعاً إن هذا من حقك، لأن المأساة التي تعرض لها اليهود بغض النظر عن تفاصيلها، هي مأساة في حق الإنسانية كلها، وليس في حق اليهود فقط، فقتل إنسان واحد لمجرد القتل هو جريمة، وقتل جماعة بناء على انتمائها العرقي أو الديني أو الجغرافي، هو جريمة أيضاً في حق الإنسانية، فلن تجد في هذه الحال من يقف مع قتل اليهود وتعذيبهم في أوروبا، والغجر كذلك بطبيعة الحال، لكن هذا موقف يجب أن يقف عند مذابح هتلر، لا أن تتم حل مأساة اليهود الإنسانية على حساب شعب آخر.

دعني أذكّرك فقط بأن الأنجلوساكسون حين غزوا أمريكا اللاتينية في بدايات اكتشافها، ادعوا أنهم يفعلون ذلك حسب تعليمات الكتاب المقدس، وأن هذه الأرض "أمريكا"، هي الأرض الموعودة، وأن سكانها "الهنود الحمر" هم الكنعانيون المذكورون في الكتاب المقدس، وبالتالي ذهب الجندي الأنجلوسكسوني ليقاتل وهم مقتنع تماماً أنه ينفذ أوامر الرب، وهذا الأمر لم يعد يعني أحداً بعد أن أصبحت أمريكا أقوى دولة في العالم.

نأتي إلى تعاطفك مع دولة إسرائيل واستعدادك للموت في سبيلها كما هو استعدادك للموت في سبيل أمريكا تماماً، فهل يرجع هذا إلى نقص في معلوماتك التاريخية؟ أشك كثيراً في ذلك، لأنك تعرف جيداً تاريخ هذه المنطقة عموماً، وتاريخ القدس خصوصاً، بما يشمله من حضارات سبقت ولحقت الديانة اليهودية من حيث التاريخ، وقوة الحضارة وتأثيرها، وبالتأكيد أنك تعرف بأن الفلسطينيين لم يكن لهم يد في ما فعله هتلر باليهود، وبالتأكيد أنك تعرف أيضاً أنه لا توجد دولة واحدة في العالم تقوم على أساس ديني، أي أنها تشترط على سكانها أن يكونوا من ديانة محددة ليكونوا أبناءها، وفوق ذلك، يمكنهم أن يحملوا جنسيتها حتى لو لم يعيشوا فيها لحظة واحدة، فقط أن يولدوا يهودا، هذا كل ما يلزمهم.

في ظل معرفتك تلك، لم يبق إلا خيار واحد، وهو أن دعمك لإسرائيل وجيشها، مع علمك بما يقوم به من قتل يومي، قتل مستمر منذ سبعين عاماً إلى اليوم، منذ هجّروا مئات القرى ودمروها، منذ هجروا عشرات المدن ودمروها، وسرقوا منازلها وحقولها ومكتباتها ومصانعها ومسارحها ودور السينما فيها، سرقوا كل شيء، دعمك هذا لم يعد له من مبرر إلا كونك جزء من هذا المشروع الذي يحاول السيطرة على كل شيء، حتى على تراثنا وغرزة ثوبنا وحكايتنا الشعبية وأغنيتنا ودبكتنا وطعامنا الذي طورته أيادي أمهاتنا عبر آلاف السنوات، تماما مثلما فعلت دولتك العتيدة بتراث وحضارات الأوننداجو، والموهاك، والشيروكي، والأبورجينال، والبيبلو، والكوماتش، والبيمان، واليمان وغيرها..

هنيئاً لك ما تقدمه من فن يحصد الجوائز ويتمتع بنسب مشاهدة عظيمة، فيما أنت تساند دولة قتلة، دولة تمارس إرهاب الدولة، دولة تحاصر شعباً وتذبحه، وما زالت تتسول تاريخ المذابح النازية التي جعلت العالم يقيم دولة إسرائيل على أنقاض أجدادي وأجدادهم، فأين موقف الفن من العدل هنا؟ وأين إيمان الفن المطلق في تغيير العالم وإعادة الاتزان إليه؟.

على ما يبدو أن الفن قد أصبح مشتركاً في الجريمة أيضاً.

 

متعلقات
انشر عبر