على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

التطبيع العلمي: هل يمكن فصل العلوم عن السياسة؟

25 شباط / يناير 2018
العدو
العدو

عروبة عثمان

قبل حوالي شهرين، عُقد، في الأردن، المنتدى العالمي للعلوم، تحت شعار «العلم من أجل السلم»، بمشاركة ثلاثة آلاف شخص يمثّلون 120 دولة، كان من بينهم مشاركون صهاينة جنبًا إلى جنب مع من يفترض بهم أن يقاتلونهم على التراب عينه؛ فلسطينيون وعرب. تفاعلت القضية نقاشيًا بين من يرى أن الاعتراض على المشاركة ليس إلا تلويثًا للعلم باستباحة السياسة له وإسقاط مشاريع قومية كبرى عليه عنوةً، وبين من يعتبر المشاركة جزءًا من التغطية على المشاريع السياسية التي يحملها البحاثة والأساتذة الصهاينة المشاركون، والدفع بهم نحو منطقة أكثر أمانًا في استكمال دربهم.

قد تبدو العودة إلى فتح هذه القضية متأخّرة نسبيًا، لكنها، رغم تأخرها، ضرورية، كون هذه المنتديات العلمية التطبيعية ملتزمة بتظهير صورة أنها فوق المساءلة، وأنها تخدم في نطاق نقي على الأقل، بل وأنها تكشف عن لغة مشتركة بمعيّة العلم ومفرداته، مع سحقّ كل الهويات السياسية لتشكّل العلم وكيفية توجيهه. ورغم أن هذه المسألة لا تستأهل أي برهنة علمية للإدانة، كون لغة السياق السياسي من المفترض أن تكون متسامية على أي اعتبار آخر، لكن يبدو أن بعض المباريات الدفاعية عن هذا المؤتمر التطبيعي التي تذرّعت بادعاء علمي، على اعتبار أن العلوم التطبيقية تحلّق في فضاء هلامي منفصل، ولا تنتمي لهدف إعلاء المشروع الاستيطاني الصهيوني وترسيخه بالحديد والنار ونظريات الفيزياء ودوال الرياضيات والحاسوب، تفرض أن يكون المبّرر المضاد خاصتنا من نفس «طينة» المبرّر خاصتها؛ بمعنى تفنيد مقولتهم بمقولة أخرى من واقع معطيات العلم نفسه.

عسكرة العلوم التطبيقية

يمكننا القول أن «إسرائيل» تمكّنت، إلى حدٍّ كبير، من عسكرة الأكاديميا، وإذابة أي خطوط رفيعة يمكن أن تستحيل حاجزًا بين المجتمعين المدني والعسكري. وبتصوير نفسها أنها تقبع تحت سطوة التهديد الدائم، يحضر أكاديميوها وباحثوها في مجال العلوم الطبيعية، منذ زمنٍ طويل، كمؤدّي أدوار متعددّة على مستوى متشابك زمنيًا، دون أن يعني ذلك تنافر نوع المنتوج السياسي والقومي الذي يقدّمه المجال البحثي والأكاديمي مع أدوار أخرى منوطة بالباحث نفسه. بمعنى آخر، يمكن لهذا الباحث أن ينتج بحثًا علميًا عن المركبات المقاتلة غير المأهولة، دون الحاجة إلى وسيط آخر يتكفّل عنه بتجريب إنجازه في الميدان، بل إنّه يمكن له أن يأخذ على عاتقه هذه المهمة، ويرتدي بزّته العسكرية، راكضًا نحو اصطياد «فئران تجاربه» في أي حرب تخوضها بلاده، ليبني على مخرجاتها لاحقًا في تطوير العقيدة القتالية ونمذجة كفاءة الجيش على المستوى الأدائي، مصحوبة بالطبع بشلال دم منهمر من فئران التجارب تلك.

في هذا السياق، يقول البروفيسور من جامعة تل أبيب، أفرهام كاتزير، إن «الأمر الذي يساعدنا هو أن كلًا منا مواطن إسرائيلي من جهة، ويعمل في أحد المجالات الأخرى من جهة أخرى. (..) أنا بروفيسور في الجامعة وخدمت في الجيش، وعملتُ آنفًا لعدّة سنوات في «رفائيل» [أهم شركات الصناعة العسكرية في إسرائيل]، وهو شيء لا يحصل البتة في أي مكان آخر، لقد كنت في الولايات المتحدّة وأوروبا، وكان ثمة انفصال بين ورش العمل «الأكاديمية» والجيش».

يمثّل الجيش الصهيوني الذروة القصوى لحقل العلوم التطبيقية، بل التداخل الفتّاك والمتضافر بين ترشيد السياسة والبحث والعسكرة وصناعة التقنية العالية؛ أيّ أن هذه المؤسسة العسكرية تمثّل حزامًا آمنًا لنقل صورة أمينة أيضًا عن العلم التطبيقي تحديدًا؛ باعتباره وعاءً أيديولوجيًا يمتصّ ويواكب كل احتياجات الجيش ومعضلاته وتحدياته العملياتية، ويُصدّر نتائجه على شكل سياسة بالدرجة الأولى. يحيلنا ذلك إلى أن الدَفَق التأثيري والبشري بين الاتجاهين لا يتم في صورة أحادية، خصوصًا لو علمنا أن كثيرًا من الأفراد الذين ينهون مهامهم كضباط في الجيش الصهيوني يستحيلون مستشارين وخبراء عالميين في مجال التصنيع والبحث العلمي، ومنهم من يدشّن مشروعه الفردي تحت مظلّة القطاع الخاص، ومنهم كذلك من كان يلعب دورًا مزدوجًا داخل السلك العسكري والأمني؛ كأن تكون مهندسًا وضابطًا في الآن نفسه، لنكون بذلك أمام توليفة توازن بين الخبرة التقليدية العسكرية، وخبرة صناعة التقنية العالية. تدلّنا على كون الجيش الصهيوني ذروة العلوم التطبيقية في إسرائيل استعادة دور الجيش في تاريخ الحوسبة في «إسرائيل»، إذ أنشئت في العام 1960 وحدة عسكرية تدعى «مامرام» (اختصار من العبرية لمركز الحاسب الآلي والتسجيل الآلي)؛ أيّ أنّه قبل تسع سنوات من إدخال أول برامج علوم الحاسوب في الجامعات الإسرائيلية، وقبل الولادة الرسمية لصناعة البرمجيات الإسرائيلية عام 1969، كان الجيش الصهيوني متحصّنًا بالفعل بتطوير البرمجيات، فضلًا عن تأسيسه في باكورة «الدولة» قسمًا خاصًا بالبحث والتطوير، الذي سمي فيما بعد هيئة تطوير التسلّح، وتم تنظيمها باسم مؤسسة «رفائيل» كمؤسسة أكاديمية، قبل أن تستحيل في العام 1990 واحدة من أكبر المؤسسات التجارية التي تنتج وتبيع الأسلحة.

فلسطين مختبرًا كبيرًا

تحيلنا المعطيات السابقة إلى مفهوم يُدعى «اقتصاد الخبرة» -بمعنى شراء الناس للخبرات- وهو مفهوم مصكوك ضمنيًا للحالة الإسرائيلية، على اعتبار أن بيع صناعاتها الأمنية والعسكرية نابع من أنها تخبر هذا الرعب، لا افتراضيًا ولا محاكاةً، بل واقعيًا. وبناء على هذه الخبرة فإنها تجيد التعامل مع هكذا خوف، وهي في سيرورة دائمة من تطوير الأدوات المناسبة استجابةً لذلك الفعل. لذلك، تجربة العلماء والمهندسين والمهنيين ذوي التقنية العالية جنبًا إلى جنب مع تجربة أفراد القتال هي جزء لا يتجزأ من عملية الإنتاج بحدّ ذاتها. بمعنى آخر، هذه التجربة الإسرائيلية وتبينها النموذج المختبري على أراضينا المحتلة وساحات القتال هي أهم ما في «السلعة»، على الرغم من أنها تبدو غير مرئية وخارجة عن الأنظار في عملية الإنتاج نفسها، إلا أنها توفر عنصرًا إضافيًا للمنتج الذي لا يوجد بالضرورة في السلع الأمنية والعسكرية التي يتم إنتاجها في أماكن أخرى.

يقودنا هذا إلى أن المجتمع الفلسطيني يتم التعامل معه بوصفه مجتمعًا مختبريًا على مدّ البصر وبمختلف الأدوات العلمية، لتصبح الحرب تحديدًا فرصة مواتية للاختبار ليس فقط أمام ناظري «إسرائيل»، بل عند الدول الأخرى التي تعيش هاجسًا أمنيًأ أو عسكريًا، وهو ما يفنّد الاعتقاد الرائج بأنّ الحرب لا يمكن تفسيرها إلا كعبء اقتصادي دومًا، إذ أثبتت الأرقام أن «إسرائيل» كثيرًا ما باعت منتجاتها في السوق العالمي بعد مِحن الحروب هذه. شاهدنا هذا في تعامل إسرائيل مع غزة، في الحرب الأخيرة، على أنّها «بقرة نقدية»، خاصةً أنها زادت من «عملائها» في الخارج بعد الحرب مباشرة وبعد تجريب إنجازاتها على مرأىً من المهتمين، فباعت صواريخ «تاموز» على سبيل المثال التي جرى إطلاقها 200 مرة أثناء الحرب. ويمكننا تعقّب ذلك من خلال تتبع السنوات التي شهدت فيها «إسرائيل» حروبًا وعمليات عسكرية، ففي عام 2002 (السور الواقي) بلغت قيمة الصادرات العسكرية 2 مليار دولار، وارتفعت إلى 3.4 مليار دولار في عام 2006 (الحرب على لبنان)، لتبلغ 6 مليارات دولار في عام 2012 (الحرب الثانية على غزة)؛ كل ذلك لم يكن ليتم لولا نجاعة حقل العلوم التطبيقية سواء في البرامج الموجّهة والممولة من مؤسسة «الدفاع» الإسرائيلية في الجامعات الإسرائيلية، أو في الوحدات الداخلية للجيش الخاصة بالبحث والتطوير، أو برنامج «الاحتياطي الأكاديمي» ببرامجه المختلفة، أو في مؤسسات أكاديمية أخرى غير الجامعات.

في حالة الجامعات الإسرائيلية تحديدًا، تتجلّى المقاربة الأساسية في الجمع بين مركبات ثلاثة؛ وهي المؤسسات والمصالح والأفكار، إذ تُطوّع المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية نفسها للامتثال لمصالح «الدولة»، مقابل تغذيتها ربحيًا أيضًا. من الأمثلة، وُجهة العلوم التطبيقية في جامعة «تل أبيب» المشيّدة أصلًا على أنقاض قرية الشيخ مونس المدمّرة والمهجّرة، لنجد أنفسنا نقف على أرضٍ صلبة للعسكرة والأمننة على حدٍّ سواء، مكوّنة من أبحاث علمية عن المتفجّرات في قسم الكيمياء العضوية، والصواريخ الدفاعية في مجال البصريات الإلكترونية (قسم الهندسة)، وأنظمة الليزر والرادار الدفاعية الجوية (كلية العلوم)، وتقنيات الفرز والمراقبة البيومترية والجينومية (قسم الكيمياء)، والتنصّت الإلكتروني وتطورات تتبع الإرسال (الهندسة الإلكترونية)، والحوسبة وتقنيات التشفير (مدرسة علوم الحاسوب)، وغيرها من الأبحاث.

لا يتم كل هذا السيل من الأبحاث في «سماء زرقاء صافية»، وفي جو معقّم من الاستثمار السياسي المابعدي، بل هي ممولة ومرعية بالدرجة الأولى من مؤسسات الجيش الصهيوني، لتصبح هوية الجامعة ما يشبه معقلًا كبيرًا لشركات تم خصخصتها كنوعٍ من الائتمان على هذه المنتجات العلمية بأدء قتالي مُثبت. في ديسمبر 2007؛ أي بعد سبعة عشر شهرًا على الحرب على لبنان، عقد كبار القادة في الجيش مع كبار العلماء والمهندسين ورش عمل لتقييم دور التكنولوجيا الجديدة في الاستراتيجية العسكرية، تحديدًا «البصريات الإلكترونية في ساحات المعركة مستقبلًا»، ودورها في ترحيل لبنان عشرين سنةً إلى الوراء بتدمير بناها التحتية.

الفلسطيني سلعة في الخارج

إن التحالف والتداخل المرئي بين العلمي التطبيقي والعسكري لا توظّفه «إسرائيل» في نطاقها المحلي الضيق، بل تصدّره نحو الخارج، على أساس التعاطي مع مأساة الفلسطيني في ذاك السوق كسلعة تدرّ مالًا. مثال على ذلك ما تفعله إسرائيل في علاقتها مع الهند، التي تعتبر من أهم مستهلكي السلاح الإسرائيلي. المقاربة التي يؤلّفها ذلك التحالف؛ مفادها «النهج التعاوني» المسوّر بالخطاب والذاكرة. مثلًا، ثمّة سردية مختلفة من شأنها أن ترفد الواقع العملي بين الهند و«إسرائيل»، على اعتبار أن هذه البنية الخطابية هي البنية التحتية للتكامل بين الطرفين. تتجه «إسرائيل» نحو التذكير بأنها والهند انتزعتا استقلالهما من المملكة المتحدة عامي 1947 و1948، وأعقب ذلك حرب مع «الجيران»، إذ خاضت الهند حربها مع الصين عام 1962، ومع باكستان في عامي 1965 و1971، فيما الأخرى خاضت حروبها ضد الدول المجاورة المعادية في الأعوام 1956، 1967، 1973. هذه المنظومة الخطابية المشتركة تحاول أن تحاكي أمرين؛ أولهما أن «البلدين» يلتقيان في نفس القيم والتبريرات «الشرعية» لأفعالهما، وثانيهما أن كلًا منهما محفوفٌ باستحقاقات تلك القيم والتبريرات، وبالتالي نفس التحديات والأزمات الوجودية وخوض الحروب ضد «مستهدف إرهابي» واحد، أيّ أنّ العلاقة المصلحية والنفعية بين الهند و«إسرائيل» ليست تقنية تستهدف رأس الهرم فحسب، بل هي مبنية على السردية والأيديولوجيا الناظمة لكلّ تلك التغيرات لتمريرها إلى المجتمع بذاته.

بناءً على هذه الوقائع المبنية على التشابك بين العلمي والعسكري، والانفتاح به نحو «زبائن» الخارج الذين تضمن بهم «إسرائيل» تضخّم جيبتها المالية، وبالتالي السماح لمخيلتها العلمية بمزيد من التوغّل في أجساد الفلسطينيين، فإن أكبر عقد دفاعي في تاريخ «إسرائيل» مسجّل مع الهند، بما قيمته 1.6 مليار دولار، تحديدًا في «MRSAM»، وهو نظام متقدم من الدفاع الجوي والصاروخي يوفّر الحماية ضد مجموعة متنوعة من التهديدات الجوّية، والذي تطوّر بشكل مشترك بين الجيش الهندي ومنظمة تطوير الأبحاث الدفاعية الهندية مع «رفائيل» الإسرائيلية.

تجدر الإشارة إلى أن حقل العلوم التطبيقية في «إسرائيل» ليس مقصورًا على الجسم العسكري فحسب، بل يستفيد منه القطاع الأمني وصناعات الرقابة وأنظمة الحماية والسلامة. بل يمكننا الادعاء أن التضافر بين العسكري والتطبيقي في إنتاج الصناعات العسكرية، هو ما نتج عنه لاحقًا ذاك القطاع المعني ظاهريًا بـ«بيع السلامة» عن طريق ترويض أنواع مختلفة من المخاطر، إذ ظهرت، مثلًا، شركات أمن إسرائيلية على الساحة العالمية، تحديدًا في أولمبياد أثينا عام 2004، وبكين كذلك عام 2008، غير أنّ المعنى الأكثر اتساقًا مع هذا القطاع هو الفرز والتصنيف السياسي والاجتماعي بين الفلسطيني المشتبه به على الدوام، وغيره من الفئات، والذي بطبيعة الحال يُترجم على هيئة حواجز أكثر، وسجون و«أمننة» التعذيب بمواصفات أعلى؛ وما يعني في الوقت نفسه ضرورة عزوف المتلقي عن تلقي العلوم التطبيقية كحقل سلبي لا يشارك في صوغ حاضر ومستقبل المستعمَر، بل يحيلنا ذلك إلى ضرورة التفكير بها كفاعل يستنزف حياة الفلسطينيين، ويقضم من أعمارهم.

التخنيون نموذجًا آخر

تُغالب مؤسسة «التخنيون» الزمن، وتعمل وفقًا لمنطق العسكرة بحذافيره؛ كونها أولًا مختصة حصرًا في مجال العلوم التطبيقية (الهندسة والكمبيوتر والعلوم)، وبالتالي احتكاكها بالميدان مُمأسس جدًا، وثانيًا أنها تكسر الجغرافيا والديمغرافيا الإسرائيلية الصغيرة نسبيًا، تعبيرًا عن هوية «الدولة» في إحلال التقنيات العسكرية عوضًا عن الحاجة لجيش كبير، وثالثًا كون خزانها البشري هو أكبر تصنيف من بين المؤسسات الأكاديمية ينطوي تعريفه على تجذير نموذج «الجندي الطالب» الذي يكرّس، بدوره، تفاقم الهوّة المزدوجة في المجتمع الإسرائيلي: الانقسام الداخلي بين اليهود وغير اليهود، والانقسام بين «إسرائيل» وبيئتها الجيوسياسية.

قدّمت «التخنيون» على مرّ السنوات مشاريع بحث وتطوير مختلفة للجيش الصهيوني؛ أهمها بلدوزر D9 (آلية ضخمة تستخدم في الهدم والإزالة والتجريف» بتقنية التحكم عن بعد، والمستخدمة في هدم بيوت الفلسطينيين، كما طوّرت طريقةً للكشف عن الأنفاق الأرضية في قطاع غّزة، والتي استخدمها الغزيون للتحايل على الحصار المفروض على خاصرة القطاع، بيد أن «التخنيون» ارتأت أن تكون شريكة في الحصار.

بالطبع لا تعني الوقائع السابقة أنّ هذا “التعاون” مسألة تحتكرها مؤسسة «التخنيون» وتقبض عليها بمفردها، بل ثمّة مسار واسع للتآلف بين المجالين قابل للاستيعاب، فمثلًا شاركت جامعة «بار إيلان» في مستوطنة «أرييل» الرابضة على أراضي شمال الضفة في عدّة بحوث مشتركة مع الجيش في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي حول تطوير المركبات القتالية غير المأهولة، كما تتعاون الجامعات الثمانية الرئيسية في «إسرائيل» مع الجيش الصهيوني في البرامج المنضوية تحت البرنامج الرئيسي «الاحتياطي الأكاديمي»، مثل برنامج «عتيديم» لتشجيع خريجي المدارس الثانوية المتميزين للانضمام إلى الجيش الاحتياطي للدراسة في مجالات الهندسة والعلوم الدقيقة والطب والهندسة المعمارية والتمريض، فضلًا عن القانون والاقتصاد واللوجستيات. واللافت هنا أن هذا البرنامج، تحديدًا، يفتح بابه لمن أسماهم على موقع الجيش «السكان الخاصون»، مثل «أفراد الطائفة الدرزية والشركس وأعضاء القطاع البدوي والمهاجرين الأثيوبيين»، ما يعني محاولة الجيش من خلال الهويّة العلميّة سحق الانتماء العربي للأقليات، وفصلهم عن محيطهم، وتشغيل بوتقة الصهر التي يحملها الجيش على أكتافه.

وكان الجيش الصهيوني قد أسس برنامجًا عام 1979 يُدعى «تالبيوت»، يقوم على فكرة اختيار نخبة التلامذة في المدارس الثانوية، ويُعرّضهم لثلاث سنوات من الدراسة الشاقة في الفيزياء والحاسوب وغيرها من العلوم، وتليها ست سنوات أخرى من الخدمة العسكرية، إذ يتكفّلون برفع أداء القوات المسلحة عبر الابتكار التكنولوجي. وتشترك الجامعة العبرية، حاليًا، في هذا البرنامج، إذ توفّر قاعدة عسكرية خاصة لمنتسبي البرنامج داخل حرمها، وتسمح لهم بارتداء زيّهم الرسمي وحمل سلاحهم داخل الجامعة، كما كانت قد فازت في مناقصة لتأسيس مدرسة للطب العسكري لتدريب طاقم طبي متخصّص بقوات الجيش. الحال نفسه تنسحب على جامعة حيفا التي تتبنّى برنامج «هافتسولوت» المخصّص لضباط الاستخبارات العسكرية مستقبلًا، والذين يمتلكون قاعدة عسكرية خاصة بهم كذلك داخل حرم الجامعة.

خاتمة

مع عقد المؤتمر التطبيعي العلمي في الأردن عادت إلى الساحة المساجلات المكرورة عن ضرورة ترسيم خط فاصل عريض بين العلوم التطبيقية والسياسة، وقبله بضرورة التمييز والفصل بين الرياضة والسياسة، وقبله عن استحقاق الفصل كذلك بين منتديات العلوم الاجتماعية والسياسة. السؤال هنا؛ ممّ تتكوّن السياسة أصلًا؟ وعلى أيّ خيط ناظم تعيش وتعتاش؟ كل ما سبق ذكره هي السياسة بعينها، ولم تكن يومًا فوق السياسة ومتطلباتها أو في طبقة أسفلها أو على هامشها المركون بعيدًا. في الحالة الإسرائيلية تحديدًا كما أوضحنا في متن المقالة، تعيش «إسرائيل» على إدماج كل المجالات في بوتقة واحدة وبطابع العسكرة والتسييس القومي، نظرًا للإلحاح الظرفي والجيوسياسي لـ«الدولة» بدرجة رئيسية، بمفهمة حاجتها الدائمة إلى استجداء شرعية وجودها من غيرها.

كل ما يسير على شاكلة هذا المنتدى يساهم في نبذِ النبذِ السياسي والاجتماعي لـ«إسرائيل» ومختلف عناصر بنيتها المؤسسيّة، ومنح المشاركين الصهاينة هامشًا واسعًا من بلورة الراحة التي تعني مزيدًا من التضخّم في أداء أدوار متعددة في وقتٍ واحد للأكاديميا والجيش والسياسة دون حدود واضحة بينها، والدفع بهم نحو مزيد من التجريب والنحت العلمي المشرعن على أجساد الفلسطينيين والمستضعفين في أصقاع الارض، ومواكبة أيّ فعل فلسطيني في نطاقه المقاوم برد فعل أكبر وبضبط أكثر صرامة من ذي قبل، والاقتصاص منهم بحرمانهم من مواردهم الطبيعية. المفارقة هنا أن المؤتمر ركّز على موضوعة الطاقة والمياه لخلق عالم أكثر استقرارًا، في وقت تعيش فيه غزّة على العتمة والتحذيرات المتكرّرة من عدم صلاحيتها للعيش الآدمي بحلول العام 2020 لتلوّث المياه بالدرجة الأولى.

إنّ خلافنا مع هذا المؤتمر، وغيره، لا يكمن في مساءلة العلم كقيمة منفردة، بل في كيفية تأطيره وتصديره، في نهاية المطاف، لمشروع استيطاني قائم على فكرة السلب والإبادة بمعناها الاجتماعي والثقافي. خاصة أن وَقع العلوم التطبيقية في هذه الحالة يكون أكثر فجاجة في صراحته ومباشرته من العلوم الاجتماعية التي تستعين بالمداراة والمواراة أحيانًا لإخضاع المجتمعات المستعمرة وتأزيمها على المستوى النفسي والفكري. مع ضرورة الحذر من محاكمة جميع التجارب العلمية واستبطان الإدانة بشكل استباقي، بعيدًا عن استيعاب كل الظروف الموضوعية لها، والمشروع السياسي الذي تحمله.

أخيرًا، قد يبدو النقاش حول التطبيع مرهونًا بسلطة الترف والنخبوية أحيانًا، خاصةً إن كان النقاش معتّدًا بمعايير مقوننة وبأسباب عينية، لا بكليّة المسألة؛ بمعنى أنّ الاضطرار للمحاججة حول هكذا منتديات علمية تطبيعية بأدلة عينية، والانفعال بالمنطق الذي تفرضه المشاركة، والتنقيب عن تمظهرات عسكرة البحث العلمي، وتعليمها كندوب كبيرة على أجسادنا وحيواتنا، والانفتاح بها على الخارج بتسليعها وتصديرها إليه، تعبّر بالضرورة عن انتكاسة، خطيرة، في وعي عربي، يحتاج إلى كثير من الحجج والبراهين من أجل مقاطعة أدوات مشروع استعماري استيطاني، يحتل أرضنا ويقتل شعبنا.

يعاد نشره نقلا عن موقع حبر  بإذن من الكاتبة 

متعلقات
انشر عبر