على مدار الساعة
أخبار » آراء

محمود الغرباوي.. غابت شمسك ليبزغ نجمك

30 حزيران / مايو 2015

من الصعوبة بمكان أن تكتب عن حياة الشهداء، الأكرم منا جميعاً، عن مناضلين وثائرين أفنوا حياتهم في ساحة النضال الأرحب وخلف قضبان السجون،  وربما من الإستحالة أن تجد في قاموس اللغات من الكلمات ما يليق بمكانتهم وبطولاتهم وعظمة تضحياتهم وقدسية دمائهم الطاهرة.

ولا شك أني أتردد كثيراً قبل البدء بالكتابة عن هؤلاء الشهداء. لكني أجد نفس مضطراً للكتابة عنهم أو عن بعضهم أحياناً كجزء من الوفاء لهم. رغم الصعوبة الكبيرة التي أواجهها أثناء الكتابة لاختيار ما يفيهم حقهم من حروف صادقة. وربما الأصعب حينما أقرر الكتابة عن شهداء اعرفهم عن قرب، وعايشتهم بين جدران السجون لسنوات طويلة، وشكّلوا لي ولأجيال كثيرة مدارس ونماذج تُحتذى في الوعي والسلوك.

محمود محمد الغرباوي .. هو واحد من أولئك الشهداء الذين رحلوا عنا قبل ثلاث سنوات، وهو أحد الثائرين التي أنجبتهم فلسطين ليدافع عنها وعن شعبها، وهو من المؤسسين الأوائل والقادة التاريخيين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قطاع غزة، وعضو مكتبها السياسي، وهو أحد رجالات الزمن الجميل وفدائيي التضحية النموذجية.

ومَن لَم يَعرف محمود الغرباوي، فانه بالتأكيد لا يعرف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولم يقرأ تاريخها ونشأتها، ولم يتصفح أدبياتها ونشراتها، ولم يعرف كذلك الحركة الوطنية الأسيرة ونضالاتها ورموزها.

محمود .. ثائر فلسطيني، قبل أن يكون قائد جبهاوي وجماهيري، وهو نموذج للأسرى بمختلف انتماءاتهم، في وعيه وسلوكه وقلمه الرائع، فهو علم من أعلام الحركة الوطنية الأسيرة وأحد رموزها وقياداتها طوال أكثر من عقدين من الزمن أمضاهما في سجون الاحتلال على أربع فترات، وكان من بُناتها الأساسيين واحد أعمدتها الراسخة، ومن أبرز من كتب الشعر والقصائد داخل السجون وخارجها، ويُعتبر من رواد أدب السجون.

محمود الغرباوي (61 عاماً) ينتمي لعائلة مناضلة ذاق أفرادها مرارة الأسر وقدمت الشهداء، وتسكن مخيم البريج وسط قطاع غزة، متزوج وأب لإبنتين، وحصل على شهادة البكالوريوس– ادارة أعمل – بعد تحرره منتصف التسعينيات.

محمود .. كان ثائراً وقائداً في مواجهة الاحتلال في ساحات النضال الأرحب، وخلف جدران السجون. ومن المدافعين الأشداء عن قضية اللاجئين والمتمسكين بحق العودة، وعمل مسئولاً للجنة السياسية في اللجنة الشعبية للاجئين بمخيم البريج في السنوات الأخيرة التي سبقت رحيله.

تعرض الشهيد للاعتقال أربع مرات كان أولها عام 1970، وأمضى ما مجموعه اثنان وعشرين عاماً، قضاها متنقلاً ما بين غرف السجون الإسرائيلية تارة، وما بين زنازين العزل الإنفرادي وغرف التحقيق تارة أخرى، وتعرض خلال سنوات اعتقاله لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي.

لقد تعرفت إلى هذا المناضل القدير بعد تحرره من الاعتقال الثاني عام 1982، حينما فتح "مكتبة الجماهير" بالقرب من مدرسة الزهراء الثانوية حيث مسكني هناك في حي بني عامر العريق، وكانت المكتبة تضم أفضل الكتب والكتيبات الثورية وكاسيتات الأغاني الثورية وكانت من المكتبات النادرة وقتذاك.

 كنت طفلاً حينها ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر من عمري ، فإذا بأحد الجيران يبلغني بأن صاحب المكتبة يريد لقائك .. ذهبت دون تردد وتعرفت عليه ولا أخفي إعجابي به وبهدوئه منذ اللحظات الأولى ، فإذا به يحدثني عن والدي الذي كان يقبع في السجون الإسرائيلية ولقائه به والعيش معه في سجن بئر السبع ، وهذا ربما ما عزز العلاقة به ودفعني للتردد كثيرا على المكتبة لأستمع لمزيد من القصص والحكايات عن والدي الذي اعتقل وأنا طفل صغير لم أكن قد بلغت الثالثة من عمري .

ومرت الأيام والشهور فاعتقل الشهيد في يناير عام 1984 للمرة الثالثة وقامت قوات الاحتلال بإغلاق المكتبة ومصادرة محتوياتها، ليمكث في الأسر قرابة عام ومن ثم أطلق سراحه، وفي ابريل/ نيسان من نفس العام 1985 اعتقل للمرة الرابعة ولمدة عشر سنوات اثر قيام شقيقه " فتحي " - وهو أسير سابق بالمناسبة - بتنفيذ عملية فدائية ضد جنود الاحتلال في حي النصر شمال مدينة غزة أوقعت عدة قتلى في صفوفهم فيما استشهد خلالها شقيقه " فتحي " وكان ذلك في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني السابع عشر من ابريل عام 1985، وقام الاحتلال بهدم بيتهم المكون من طابقين. ومرت الأيام والسنون وكان لي شرف الالتقاء به خلال فترة اعتقالي الرابعة في سجن غزة المركزي، وعايشته فترة طويلة فتعلمت منه الكثير وتأثرت به أكثر،  وشكّل لي نموذجا في كل شيء  ..

" محمود" .. كان هادئا إلى أبعد الحدود، وتكاد تسمع كلماته بصعوبة، لكنك إن سمعتها لم ولن تنساها أبداً، لذا كنا نتسارع للتفاعل معه، وأحياناً نتسابق للحصول على مزيد من الكلمات التي لا ينطق بها إلا أمثاله وهم قلائل، وحينما نعجز عن ذلك، نبحث عما كتبه من مقالات وتقارير، و أشعار وقصائد، وهي بمجملها كانت في غاية الروعة.

وهو بالمناسبة عضو في اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين منذ أوائل 1981، وعضو في اتحاد الصحافيين الفلسطينيين، حاز على المرتبة الثالثة بمهرجان الأدب الأول في الأرض المحتلة. وصدر له ديوان شعري عام 1989 باسم " الفجر والقضبان"، و ديوان شعري ثاني بعنوان "رفيق السالمي يسقي غابة البرتقال". كما وأنه شارك مع اخوانه ورفاقه داخل السجون بتحرير مجلة "إبداع نفحة عام 1988 وكان من ضمن المشرفين عليها، وكذلك "صدى نفحة" التي تأسس عام 1989 ، وممن أثروا أدب السجون.

"محمود" الثائر والأسير والشاعر. "محمود" الصديق الوفي والرجل الطيب، والمناضل الغيور على وطنه وشعبه وقضيته العادلة، وقضايا أمته القومية. رحل عنا في الثلاثين من مايو/آيار عام 2013 بعد صراع مع المرض.

أدرك أني لم أوفق في منحه ما يستحق من الكلمات، فهو بحاجة لكتّاب مهرة، وشعراء عظام، يدونون سيرته، وينصفونه بما يليق به من قاموس اللغة. فليس بالضرورة أن تكون جبهاوياً كي  تحترمه. كما ليس مهماً أن تكون قد عايشته كي تتعرف على خصاله، فيكفيك فخراً أنه ثائر فلسطيني، انتمى لفلسطين قبل أن ينتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فشكل نموذجا يحتذى، بوعيه وسلوكه.

"محمود" .. كنت نموذجاً في حياتك وشهيدا خالداً في مماتك ... وستبقى قنديلاً لن ينطفئ نوره حتى بعد رحيلك .. ليس فقط لرفاقك في الجبهة الشعبية، وانما لكل من عرفك وسمع عنك، أو قرأ سيرتك وقصائدك واشعارك.


نقلاً عن: محيط

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

عبد الناصر فروانة

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر