على مدار الساعة
أخبار » منشورات

قراءة في كتاب: لماذا تفشل الأمم .. أصول السلطة والازدهار والفقر.

13 نيسان / فبراير 2018
لماذا-تفشل-الأمم
لماذا-تفشل-الأمم

(تنشر بوابة الهدف الإخبارية، هذه القراءة في كتاب: لماذا تفشل الأمم .. أصول السلطة والازدهار والفقر، لمؤلفيه: "دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون الباحثان في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا"، حيث قام بالقراءة الصحفي المصري: إسلام أنور، حيث رأينا نشره من باب الاطلاع والنقد).

بعد سبعة أعوام على ثورة 25 يناير 2011 المصرية، ما تزال كافة الأسئلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بنظام الحكم والعدالة الاجتماعية مطروحة بقوة، دون إجابة واضحة، فرغم كل التضحيات الكبيرة التي قدمها ملايين المصريين الذين شاركوا في الثورة، سعيًا لتأسيس مجتمع يحكمه القانون ويعاد فيه توزيع الثروة بصورة عادلة، إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال، فبينما تحققت بعض المكاسب في العامين التاليين للثورة من حد أدنى للأجور، وحرية تأسيس الأحزاب، وانتخابات تنافسية، لكن منذ عام 2014 والأوضاع تزداد سوءاً على كافة المستويات، خاصة مع سياسات رفع الدعم وتحرير سعر الصرف وما نتج عنها من إفقار لعشرات الملايين من المصريين.

في هذا السياق يناقش كتاب “لماذا تفشل الأمم .. أصول السلطة والازدهار والفقر” تأليف الباحثان في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون، الأسئلة المرتبطة بكيفية ازدهار وتطور المجتمعات، أو إفقارها وتخلفها، يستند مؤلفيّه لوقائع تاريخية ودراسة اقتصادية للعديد من الدول من مختلف القارات، يتتبع من خلالها مؤلفا الكتاب كيف تطورت بعض هذه الدول؟ وكيف انهارت دول أخرى؟

يطرح مؤلفا الكتاب العديد من الأسئلة حول لماذا تتفاوت الدخول من دول إلى أخرى، وما هي القيود التي تمنع الدول الفقيرة من أن تتحول لدول غنية ومتطورة؟، وهل ظاهرة الفقر في الكثير من دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية غير قابلة للتغيير؟

أكثر ما يميز الكتاب أنه لا يردد الإجابات المكررة التي تربط فقر أو تقدم الأمم بموقعها الجغرافي، أو الاختلاف في العرق، أو الهوية، أو الدين، أو الثقافة، أو الجهل بأسباب التقدم بالطبع. قد تلعب هذه المتغيرات دوراً في تقدم أو تخلف الأمم لكن دورها يظل محدود كما يشير مؤلفي الكتاب، في حين تبقى الأسباب الأكثر تأثيرًا مرتبطة بمؤسسات الدولة ونظام الحكم ومدى عدالته وقدرة الشعب على اختيار ومحاسبة النخب الحاكمة.

يشير المؤلفان كذلك لدور الحكومات الغربية وسياساتها الاستعمارية التي ساهمت في تدمير العديد من الدول في أفريقيا وآسيا، وحكمت على الكثير من الدول بالتخلف الطويل، كما يؤكد مؤلفي الكتاب على أن نظام الحكم الديمقراطي يحتاج لمجتمع ومؤسسات ونخبة واعية تدرك أهمية التعددية وحرية الاختيار، وإلا سوف تتحول الديمقراطية لمجرد أداة يصل من خلالها مجموعات معادية للديمقراطية وقيمها إلى الحكم، ثم ينقلبون على كل قيم العدالة والحرية والتعددية، مثلما حدث في البيرو خلال تسعينيات القرن الماضي في فترة حكم ألبرتو فوجيموري.

فرضية الجغرافيا
يستعرض الكتاب العديد من النماذج التي تعكس مدى هشاشة النظريات التي تربط بين تقدم أو تخلف المجتمعات وموقعها الجغرافي أن الموقع، وفي هذا السياق يحلل مؤلفا الكتاب الواقع الاجتماعي والاقتصادي لمدينة “نوغاليس” كنموذج معبر عن رؤيتهما للدور البارز للمنظومة السياسية والاجتماعية في تقدم وازدهار المجتمعات أو تخلفها.

تنقسم مدينة “نوغاليس” إلى منطقتين إحداهما في الشمال تتبع ولاية أريزونا وتقع ضمن حدود الولايات المتحدة الأمريكية، أما الجزء الآخر من المدينة فيقع جنوبًا ضمن حدود دولة المكسيك، يرصد الكاتب الاختلاف الكبير في معدلات الدخول بين الشمال والجنوب من مدينة نوغاليس” كذلك التفاوت الكبير في الخدمات التي يحصلوا عليها من رعاية صحية وتعليم ومياه نظيفة وشبكة كهرباء.

يتساءل مؤلفا الكتاب “كيف يمكن لهذين النصفين بنفس المدينة أن يكونا مختلفين بهذه الدرجة؟ فليس هناك اختلاف في الموقع ولا المناخ، أو حتى الأمراض المنتشرة والمعروفة في المنطقة، ولكن ربما هناك اختلاف بين السكان الذين يقطنون في هاتين المدينتين، فقد يكون سكان نوغاليس في أريزونا، أحفاد المهاجرين الذين أتوا من أوروبا، في حين أن سكان الجزء الواقع في المسكيك ينحدرون من قبيلة الأزيتك، لا ليس الأمر كذلك، أن خليفات السكان متشابهة تمامًا".

المؤسسات الاستحواذية

للإجابة عن سؤال التفاوت بين الجزء الشمالي من مدينة “نوغاليس” والجزء الجنوبي يركز مؤلفا الكتاب على طبيعة المؤسسات التي تأسست في كل من الدولتين خلال الحقبة الاستعمارية، ودورها في تطور المجتمع بعد ذلك، فبينما عملت الإمبراطورية الإسبانية على استنزاف موارد دول جنوب القارة الأمريكية، وتكريس مؤسسات “استحواذية” تهمين على ثروات المجتمع، في حين في تجربة الولايات المتحدة، قام الاقتصاد على منح أراض شاسعة للمستوطنين لتنميتها واستصلاحها، وترتب على هذه وضع أسس الديمقراطية الأمريكية، والمشاركة في الثروة وتأسيس مؤسسات تحترم قيم الديمقراطية من حرية وعدالة اجتماعية وسيادة للقانون، بعد رحلة معاناة وصراع كبير دفع فيه المواطنين والمجتمع تكلفة باهظة على مدار عقود طويلة.

يوضح مؤلفا الكتاب أنه رغم تحرر معظم دول أمريكا اللاتينية من الاستعمار، إلا أنها ما تزال تعاني سطوة المؤسسات “الاستحواذية” وهذا النمط من المؤسسات صمم لتحقيق مصالح شريحة صغيرة من المجتمع، تسعى لبسط نفوذها على السياسة والاقتصاد، وتنتشر هذه المؤسسات في العديد من الدول حول العالم وتأخذ أشكال مختلفة فقد تكون ممثلة في الحزب الواحد أو السلطة العسكرية المباشرة أو طبقة محددة أو أسرة وعائلة حاكمة.

فرضية الجهل

يشير مؤلفا الكتاب إلى أن كثير من علماء الاقتصاد يرون أن أسباب عدم المساواة بين الشعوب والدول تعود لجهل الشعوب الفقيرة والسلطات الحاكمة فيها بالخطط والسبل التي تمكنهم من التطور والتقدم، وفي هذا السياق يتسأل المؤلفان "هل يمكن لفرضية الجهل أن تفسر عدم المساواة التي تسود العالم؟ وهل يمكن أن تكون الدول الإفريقية أكثر فقرًا من بقية دول العالم لأن حكامها يمليون إلى اعتناق نفس الأفكار والرؤى الخاطئة حول كيفية إدارة دولهم؟".

المفارقة التي يعرضانها أن معظم الدول الإفريقية لا تتعاقد مع مستشارين وخبراء محليين ودوليين وتحصل منهم على الاستشارة والحلول الأفضل لمشاكلها، وبالتالي الأمر ليس متعلق بالجهل أو بالمعرفة ولكن متعلق بخيارات السلطة الحاكمة وانحيازاتها "أن الدول الفقيرة تعد فقيرة لآن أولئك الذين يستحوذون على السلطة يتبنون اختيارات تعمل على إحداث الفقر؛ ليس عن غير قصد أو نتيجة للجهل وإنما عن عمد".

في هذا السياق يستعرض مؤلفا الكتاب تجربة غانا في عهد رئيس الوزراء كوفي بوسيا في سبعينيات القرن الماضي، وكيف أهدر موارد الدول من أجل تحقيق بعض المكاسب السياسية ودعم مناطق جغرافية وفئات اجتماعية عن أخرى "كانت سياسته الاقتصادية التي تبناها، ليس بسبب أنه كان "جاهلًا" وأعتقد ان هذه السياسات كانت تمثل سياسة اقتصادية مناسبة لتحقيق التنمية والتطور، لقد تم اختيار هذه السياسات لأنها تمثل نظام سياسي يمكن "بوسيا" من تحويل موارد الدولة لمجموعة قوية ومؤثرة من الناحية السياسية ".

نتيجة هذه السياسات تم إهدار كم هائل من الموارد، ثم عانت غانا من عجز في ميزان المدفوعات، وتراجع كبير في احتياطي العملات الأجنبية، مما اضطرها لتوقيع اتفاقية للاقتراض من صندوق النقد الدولي، وتبني سياسات تقشفية عنها تراجع كبير لقيمة العملة المحلية، وارتفاع في الاسعار ومعدلات التضخم، واضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة "لقد مارس صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي والمجتمع الدولي برمته، ضغوطًا على (بوسيا) حتى يقوم بتنفيذ الإصلاحات المتضمنة في الاتفاقيات المبرمة. وكانت النتيجة المباشرة لإجراء تخفيض قيمة العملة المحلية هي اندلاع أعمال شغب وحالة من الغضب والاستياء في العاصمة الغانية أكرا، والتي تصاعدت بصورة لا يمكن السيطرة عليها حتى تم الإطاحة (ببوسيا) من قبل الجيش، وهى الحركة التي قادها الكولونيل أشيامبونج، والذي قام على الفور بإلغاء إجراء تخفيض قيمة العملة".

متعلقات
انشر عبر