Menu
حضارة

هي الشام هكذا دائماً تعيد توجيه البوصلة إلى حيث يجب!

نصّار إبراهيم

تعبيرية

"وعليكِ عيني يا دمشقُ فمنك ينهمِرُ الصّباحُ!"

هي الشام هكذا دائما تعيد توجيه البوصلة إلى حيث يجب!

"يا شَـامُ عَادَ الصّـيفُ متّئِدَاً وَعَادَ بِيَ الجَنَاحُ

وأنا إليك الدربُ والطيـرُ المُشَـرَّدُ والأقَـاحُ

في الشَّامِ أنتَ هَوَىً وفي بَيْرُوتَ أغنيةٌ ورَاحُ

أهـلي وأهلُكَ وَالحَضَارَةُ وَحَّـدَتْنا وَالسَّـمَاحُ

وَصُمُودُنَا وَقَوَافِلُ الأبطَالِ، مَنْ ضَحّوا وَرَاحوا"

لقد أدمت إسرائيل بنا حتى فاض الدم والقهر والألم والموت والدمار والذل... ...فتحملنا ما تحملنا... ننظر نحو السماء حينا، ونحو الأرض أحيانا، ونحلم... متى يا ترى سيأتي اليوم الذي نقدم فيه جردة الحساب...!؟ متى سيأتي اليوم الذي ستفرح فيه هذه الأمة المفجوعة بشهدائها وأسراها وجرحاها وأمنياتها التي طالت... متى سيشرق فجرها؟ متى سيأتي اليوم الذي تقف فيه إسرائيل عاجزة مرتبكة مهانة.. وتطلب العون هروبا من لحظة الحساب!؟.

لقد بنت إسرائيل استراتيجياتها على صدمة الرعب والتفوق المطلق، على استحالة هزيمتها، واستحالة انتصار العرب..

وهكذا تحولت ثقافة الخوف إلى بنية مقيمة في العقل الرسمي العربي وامتدت لتشمل الوعي الشعبي العربي، بأن إسرائيل خارج العقاب والحساب والهزيمة.

الوجه الآخر لثقافة الهزيمة هذه ترسيخ إسرائيل ثقافة التفوق في وعي جمهورها حتى أصبح ثابتا، أساسه جيش إسرائيل الذي لا يقهر..

ولكي تحافظ على هذه المعادلة كانت تراكم ما تستطيع من أسباب القوة والتفوق تدعمها في ذلك أمريكا ودول الغرب الاستعمارية فتزودها بكل ما تصل إليه تكنولوجيا السلاح من فتك ودقة وسرعة وحسم... وفي القمة سلاح الطيران ودرته طائرات أل F 16.

استمرار فعل معادلة الرعب والخوف هذه بالعمل ، كان يستدعي أن تمارس إسرائيل عربدتها واعتداءاتها وحروبها بصورة منهجية منتظمة، فتهاجم متى وأين تشاء، كانت تخوض المواجهات في الوقت والزمان الذي تريد.. وذلك من أجل أن تبقي الوعي العربي في دائرة الشلل التام.

هكذا استمرت اللعبة القاتلة... حتى أصبحت مقولة "سنحتفظ بحقنا في الرد في المكان والزمان المناسبين" مثار سخرية الكثيرين، البعض خفة ونذالة وتوطئا، والبعض ألما ووجعا ويأسا.

وبقي الحال هكذا حتى استيقظ الجميع صباح العاشر من شباط عام 2018 على أصوات تكسر عظام ألF 16 الإسرائيلية في سماء الجليل الفلسطيني، ومعها تحطمت وانهارت معادلات وثقافة بكاملها...

هنا، علينا أن نعلن وبدقة: بأن إسقاط الطائرة الإسرائيلية لم يكن صدفة أو مجرد ضربة حظ، بل هو نتاج صيرورة طويلة مريرة قاسية من الصبر والتهيؤ والاستعداد، وتجاوز مصائد المغفلين التي كانت تحاول استفزاز سورية لتذهب لحرب مبكرة يحدد زمانها ومكانها العدو..

من كان يدفع سورية لهذا الخيار كان يتمنى أن تسقط سورية في هذه المصيدة لكي يتم قطع سياقات برامجها واستراتيجياتها الطويلة المدى..

غير أن العقل السياسي الاستراتيجي السوري كان يعي جيدا هذه المصيدة القاتلة والمدمرة، فلم يغادر رباطة جأشه، وبقي منشغلا وبصمت شاهق في ملئ تلك المساحات والمسافات الفاصلة بين عدوان وآخر ببناء منظومة الرد بما هي منظومة شاملة سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية وثقافية وتحالفات وإمكانات وعدة عتاد... فدمشق تعرف وتعي أن ليس من الحكمة والبطولة والذكاء أو الشجاعة أن تذهب لمصيدة الحرب التي يعدها ويهيؤها ويحددها العدو في الوقت والمكان وبالسلاح الذي يريد، بل إن الذكاء والشجاعة والحكمة هي أن تجبر الخصم على خوض الحرب والمواجهة حين تقرر أنت ذلك في الوقت والمكان والسلاح الذي تريد... لهذا تركت دمشق إسرائيل تحلق في حساباتها وغطرستها، وبقيت كذلك حتى اكتملت دورة القمر السوري التي سخر منها التافهون... امتلاك شروط القوة والمواجهة الشاملة، في تلك اللحظة كان يكفي خطأ إسرائيلي واحد في حساب التكتيك والاستراتيجيا، لكي تطلق دمشق ردها وفق معادلاتها وحساباتها هي لا حسابات إسرائيل واستفزازاتها.

في فيلم "الأوديسا" الذي يروي تاريخ حروب طراودة، حين عاد أوديسيوس البطل السطوري الإغريقي ملك إيثاكا بعد عشر سنوات من الحرب، وجد اللصوص والتافهون والسفلة قد احتلوا قصوره وشربوا نبيذه وحاولوا إجبار زوجته الجميلة بنيلوب على الزواج باحدهم... دخل القاعة في يوم القرار .. وجلس بجانب ابنه المراهق دون أن يعرف الشاب أنه والده... حاول الشاب أن أن يستل سيفه ويهاجم الملوك واللصوص والأنذال والسفلة الذين يحاولون الاستيلاء على أملاك ومكانة والده البطل.. حينها أمسك ادويسيوس بيده وأجبره على الجلوس وقال له: ليس الآن... احتفظ بغضبك للوقت المناسب... وحين جاء الوقت المناسب.. واستعاد أوديسيوس قوسه وسيفه وكشف خسة ونذالة الطامحين بإيثاكا وزوجته قال لابنه: قم وأغلق الأبواب .. وبعد أن أغلقها الشاب .. استل كل منهما سيفه وقال له: الآن فجر غضبك.. كما تشاء.

سقوط طائرة أل F 16الإسرائيلية يتجاوز كثيرا الحسابات العسكرية، فإسقاط تلك الطائرة بالمعنى المباشر والمحدد لم يدمر الجيش الإسرائيلي، فهي مجرد طائرة واحدة، ما جرى هو إسقاط ثقافة الوعي البائس ثقافة القبول بدور النعجة.. ما سقط هو ثقافة "رامبو" الإسرائيلي...

ما قام به الجيش العربي السوري وقيادته الشجاعة هو صدمة شاملة لكل معادلات الواقع التي بنيت على مدار سبعة عقود... لقد أسقط الجيش العربي السوري اليوم ثقافة بكاملها، أسقط ثقافة الغطرسة الإسرائيلية التي بنيت وتأسست على العجز العربي واستحالة المواجهة مع "رامبو" أو "البعبع" الإسرائيلي والانتصار عليه، هذا ما تأسس بصورة ما في حرب تشرين عام 1973، ثم جاء إجبار إسرائيل على الانسحاب والهروب من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضربات المقاومة ولأول مرة بدون أي قيد أو شرط، ثم في عام 2006 عندما تحطمت أسطورة قواته البرية المتحصنة بالميركفاة التي تحولت إلى كيس رماية للمقاومين في وادي الحجير اللبناني، ثم في غزة التي أمطرته وهي في ذروة الحصار بنارها وأنفاقها، وصولا إلى هذا اليوم الشاهق حيث حولت سورية درة تاج سلاح الجو الإسرائيلي إلى خردة تشتعل فيها النيران على أرض الجليل الفلسطيني.

لهذا فإن ما سقط اليوم ليس أل F 16، بل منظومة كاملة من الأكاذيب، منظومة كاملة حاولت أن تزرع في وعي الأمة العربية أن الانتصار مستحيلا...وأن الخيار الوحيد المتاح هو أن نستجدي إسرائيل لتقبل بنا حليفا لها في مواجهة "عدو" افتراضي اسمه إيران، لقد بذلت ثقافة البؤس كل ما تستطيع لكي لا نصدق أن بالإمكان هزيمة إسرائيل... فلم يتركوا وسيلة لاحتلال الوعي العربي: الطائفية الابتذال، الهبوط، الخضوع، الجهل، تحويل الوطن العربي إلى كازينوهات للمضاربة، تحطيم الوعي بإعلام مستلب وتافه.

وهكذا فإن أحد أهم ابعاد ما جرى يوم 10 شباط 2018 هو أنه نقل معادلات الصراع الاستراتيجية في المنطقة وبصورة جذرية من مستوى لآخر، فقرار أسقاط الطائرة الإسرائيلية هو تعبير مكثف عن قرار إستراتيجي شامل اتخذه محور المقاومة على أعلى المستويات، وهو بقدر ما يعبر عن شجاعة فهو أيضا يرسل رسالة واضحة عنوانها: أن محور المقاومة أصبح الآن مستعدا لكل الاحتمالات...

لقد لعبت إسرائيل ومن خلفها أمريكا على حافة الهاوية، لقد حاولتا أن تحصدا نصرا من خلال الاستفزاز والتلويح بالحرب، فكان الرد من محور المقاومة وفي القلب منه سورية، بالنسبة لنا ليست هناك بعض حرب أو شبه حرب أو ربع حرب، فإذا بدأت الحرب فلن تتوقف حتى النهاية... ومن الآن وصاعدا لن تكون الحرب وفق مقاسات إسرائيل وحساباتها وتوقيتها...

لهذا بدت إسرائيل بعد سقوط طائرتها وبعد أن راحت الصواريخ السورية تلاحقها في عمق فلسطين مذهولة ومرتبكة لا تدري ماذا ستفعل... فلم تجد أمامها سوى الاستنجاد بطلب تدخل روسيا وغيرها لوقف التصعيد... ذلك لأنها أدركت متأخرة أن من اتخذ قرار اسقاط درة سلاحها الجوي مستعد للذهاب حتى النهاية...

ليس هذا فحسب، بل إن صدمة أل F16 الإسرائيلية ومأساتها لم تقف حدودها عند إسرائيل فقط، ذلك أن مفاعيل وتأثير ما أحدثته من صدمة ويأس وإحباط في قوى العدوان على سورية من عربان وغيرهم من أدوات منذ آذار 2011 هو بمثابة كابوس لم يتخيلوه في أصعب لياليهم... فإذا كانت سورية قادرة ومستعدة على ضرب رأس إسرائيل وتحطيمه دون أن تجرؤ الأخيرة على التصعيد والذهاب للحرب كعادتها... فهذا معناه أن أشياء كثيرة قد تغيرت... إنه يعني نعيا لكل أحلامهم وأوهامهم بإمكانية إسقاط الدولة الوطنية السورية وهزيمة جيشها الأسطوري الباسل... فإذا كان صاروخ سام 5 قد فعل ما فعل.. فماذا عن تلك الصواريخ الأكثر حداثة ودقة.. لمن يا ترى يحتفظ بها الجيش العربي السوري!؟.

ومع ذلك يجب الحذر فالحرب لم تضع أوزارها بعد، وإسرائيل رغم وجع الضربة ومن ورائها أمريكا وحلفائها وأدواتها، لا زالوا يملكون القوة، إنها جولة حاسمة، لكنها لم تنه الصراع بعد، بل إن أخطر الفصول لم تكتب بعد... هذا الحذر لا يلغي مفاعيل ما جرى بالمعنى الاستراتيجي وبمعنى قواعد الاشتباك الجديدة، لكنه أيضا ليس النقطة الأخيرة في رواية الصراع المحتدم.

خلاصة القول أن سورية تعيد كتابة التاريخ وتعيد البوصلة نحو وجهتها الطبيعية... فلسطين.

أما نحن الفلسطينيون... فإننا نعرف أكثر من غيرنا ماذا يعني أن ترد دمشق.. نعرف ماذا يعني ان نكون مع دمشق... فبعيدا عن الثرثرات والهلوسات والرهانات البائسة، فإن فلسطين هي البوصلة حتى لو جانب بعضها الصواب واختلت موازينهم وطاش صوابهم وأضاعوا الطريق حينا سواء لحسابات خاطئة أو لخيارات فاشلة.

هي دمشق عبر التاريخ تلبي نداء فلسطين.. ففلسطين هي الموعد والموقد.. فمنها بدأت المؤامرة وفيها سيكون قبرها... فلا يخطئن أحد الحساب والمقاربات والمواقف... فلم يتم اختيار فلسطين صدفة لتكون جسر العبور لاحتلال وعي الأمة العربية قبل أرضها... كما ليس صدفة أن تكون دمشق دائما عند خط الواجب القومي الأول.. ذلك لأنها تدرك أن سورية بدون فلسطين لن تكون كما يجب أن تكون... كما هي فلسطين بدون سورية لن تكون هي ذاتها فلسطين...