Menu
حضارة

سلطات الحكم الذاتي

تعبيرية

بوابة الهدف

في المنطقة العربية يجري تفتيت الكيانات والدول واستبدالها بإدارات محلية تُصرف الأعمال بعيداً عن السلطة السياسية المركزية لهذا البلد أو ذاك، وبمعزل عن أي مشاريع وطنية عامة، إنها إدارات تبقيك على قيد الحياة فحسب، فيما يختفي شكل الوطن تحت طبقة من الأدوار الغربية المختلفة تتحكم في الشؤون المختلفة لهذا البلد.

في فلسطين عملياً تم تقسيم البلاد منذ النكبة وازدادت التقسيمات والحواجز تعقيداً مع كل يوم أمضاه المشروع الاستعماري الصهيوني في هذه البلاد، ولكن ذلك لم يقسم الشعب الذي ظل يدرك دوماً هويته الموحدة وقضيته، ومنذ حدوث الانقسام الفلسطيني ظلت التحذيرات التي تخوفنا مما يحيق بوحدة هذا الشعب، لكننا حقا لم نتناولها جدياً.

ما يحدث اليوم من طروحات لبناء إدارات محلية تحل مكان السلطة التي حلت محل الاحتلال في أداء دوره هو ليس مؤشر خطر فحسب، ولكن بالأساس وصمة عار على جبين من يطرحه أو يدافع عنه فلسطينياً، فقد يجوز تقسيم الإدارات أو اللجوء لأي ترتيب إداري ملائم للقيام بما هو مطلوب وطنياً، ولكن إحالة القضية الفلسطينية لمجموعة من القضايا المعيشية والإدارية الجزئية المحالة بدورها إلى مجموعة من الإدارات الفرعية التي تمارس سياسات مختلفة ومتباينة ولا تملك أي صلة بالمشروع الوطني هو نهاية لهذا المشروع، وشهادة إعدام للحقوق الفلسطينية سيمتد حبلها ليطوق عنق كل فلسطيني.

المشكلة ليست في غزة "المدينة" أو رام الله، المشكلة باتت في العقول والأخلاق السياسية، فلقد مر زمن كان الساسة يمتلكون بعض الحياء؛ فيخفون الكثير مما يفكرون فيه ويحاولون تغليفه بشعارات وطنية، لكن هذا الحياء قد ضاع في الطريق، طريق أوسلو وسلطة الحكم الذاتي، ثم سلطات الحكم الذاتي المحلي الآخذة في التشكل، فنحن اليوم في زمن الإدارة المدنية، والارتباط المدني، ومجالس إدارة شركات أباطرة المال وتجار الدم الفلسطيني.

لأبناء فلسطين، لقد نبت الكثير من العشب السام في أرضنا الطيبة، وأصبحت الرذيلة هي تبرير بحد ذاتها في عرف هؤلاء، وأصبحت الخيانة بالفعل وجهة نظر، لهذا كله يقتضي الأمر أن ننتقل من خانة وصف هذه المسارات وفضحها إلى خانة مواجهتها بلا ذرة من ندم.

أما عن القيادة السياسية الفلسطينية، فقد أخفقت هذه القيادة في الحفاظ على وحدة الشعب والقضية، وتركت شعبنا نهباً لكل مشاريع التقسيم والتفتيت، وقادته من مأزق لآخر، والأسوأ أنها لا زالت تصر على البقاء جاثمة على صدر هذا الشعب دون أدنى خجل.

على ذلك يبدو أن أمام القوى الفلسطينية المنتمية لهذا الشعب الكثير الكثير لتقوم به، وأوله هو إدراك طبيعة ما يحدث واستحالة القبول باستمراره أو الإغفال عنه بحيث تكون قد انتقلت من مربع عدم القبول إلى الشراكة!