على مدار الساعة
أخبار » آراء

فلسطين تسقط من الذاكرة الرسمية العربية: دول الخليج مشغولة بذاتها.. والمشرق غارق فى دمائه

14 شباط / فبراير 2018

يتزايد ابتعاد أهل النظام العربى عن قضيتهم التى كانت مقدسة، ذات يوم، وها هى تبتعد عنهم ويتباعدون عنها، تاركينها لمصيرها «الأمريكى ــ الإسرائيلى».

يقرر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن القدس «عاصمة أبدية» للكيان الصهيونى، فلا يصدر عن الدول العربية استنكار جدى أو اعتراض، أو تلويح بموقف جماعى رافض لهذا الافتئات على الحق العربى المطلق بملكية الشعب الفلسطينى مدينة القدس.. بل يهرب مسئول «السلطة» إلى مجلس الأمن الذى «يفتى» بأن الأمر لا يقع فى نطاق اختصاصه.

أما الدول العربية فقليل منها من أصدر بيان استنكار، لحفظ ماء الوجه، ومعظمها تصرف على طريقة «لم سمعنا، لم رأينا» ثم أن «لا جديد فى الأمر، فإسرائيل تحتل فلسطين جميعا، ولماذا التمييز بين منطقة وأخرى؟!» وبعضهم قال ساخرا: إن إسرائيل تقتل وتجرح يوميا أعدادا من الفلسطينيين وتعتقل المئات، فهل الحجر أهم من البشر! إن همنا وقف المذبحة!.

وبطبيعة الحال فإن المجزرة مفتوحة يتساقط ضحاياها شهداء وجرحى على مدى الساعة، وتهدم المنازل والمؤسسات بوتيرة يومية، فيأخذ «العرب» علما «بالحوادث» ثم يكملون حياتهم بهدوء.

والحقيقة أن العرب، فى دولهم، مشغولون بأمور أخرى أكثر أهمية: فدول سوريا والعراق، ومعهما اليمن، مشغولة بمكافحة الإرهاب الذى يمتد من «داعش» إلى «النصرة» إلى «جبهة الشام» إلى «فرسان السلطان السلجوقى» إلى المقاتلين الأفغان والمرتزقة المجمعة من بلدان شتى تحت قيادة سفاحى «البلاك ووتر» الأمريكيين، والذين يقاتلون فيقتلون ويقتلون فى كل مكان ولا يجدون من يدفنهم أو يحزن لغيابهم.

وفى مصر مشغولون بمكافحة الإرهاب وعصاباته فى سيناء وبعض الداخل المصرى، قبل أن يتفرغوا لمعركة التجديد لرئيس الجمهورية.

تبقى دول نفط الجزيرة والخليج التى انقسمت حول قطر، فكانت تحترب، من أن يتدخل الراعى الأمريكى إلا لبيع السلاح (دبابات ومصفحات وطائرات) للأطراف جميعا، وبالتساوى.. فلما احتاجت المملكة المزيد توجهت إلى روسيا ــ بوتين، فرحب بها أجمل ترحيب ووافق على بيعها منظومة من الصواريخ بعيدة المدى.

وثمة تطورات مهمة تشغل السعودية بداخلها عن هموم محيطها العربى.. فبعد حسم ولاية العهد للأمير محمد بن سلمان، نجل الملك الحالى، مما استدعى شطب ولى العهد الأول الأمير مقرن بن عبدالعزيز، ثم ولى العهد الثانى الأمير محمد بن نايف، باشر ولى العهد الشاب «ثورته» الشاملة:

اعتقل، بداية مجموعة كبرى من الأمراء (أعمامه وأبناء أعمامه) ومعهم عدد من رجال المال والأعمال المعروفين والذين كانوا نافذين جدا فى العهود السابقة.. وبعد احتجاز استطال لثلاثة أسابيع، وأحيانا لمدة أطول، أفرج عن هؤلاء جميعا بعدما دفعوا ما فرض عليهم أن يدفعوه، مع الشكر على إطلاق سراحهم، والتكتم على ما جرى لهم ومعهم فى فندق الريتز كارلتون، الأعظم فخامة من أى فندق فى العالم.

وكان فى جملة من اعتقله رئيس حكومة لبنان السيد سعد الحريرى، الذى دعاه إلى رحلة صيد، فذهب مغتبطا.. وهناك احتجز وأجبر على تلاوة بيان استقالة (إجبارية) من الحكومة التى يرأسها، تضمن حملة على شركائه فيها.. ولم يفرج عنه إلا بعد وساطة بذلها الرئيس الفرنسى ماكرون، الذى كان فى زيارة رسمية لأبى ظبى، فطلب إليه ولى العهد فى دولة الإمارات أن يبذل مساعيه الحميدة لإطلاق سراح رئيس وزراء لبنان. وهكذا أدخل الرئيس الفرنسى تعديلا على رحلته، فعرج خلال العودة على الرياض حيث استقبله ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، فطلب إليه أن يلتقى رئيس الحكومة اللبنانى المحتجز، فجىء به إلى المطار.. وتعهد ولى العهد أن يخلى سبيله ويفرج عن أسرته فتلحق به العائلة جميعا إلى باريس.. وهكذا كان، وعاد الحريرى إلى بيروت وسط موجة تضامن واسعة شملت رئيس الجمهورية وكبار المسئولين وجماهير اللبنانيين الذين استهجنوا ما صدر عن المملكة تجاه أقرب السياسيين إليها، وابن معتمدها لفترة طويلة فى لبنان (وسوريا) الرئيس الراحل رفيق الحريرى.

ولقد كشفت حادثة احتجاز سعد الحريرى فى الرياض عمق العلاقة بين وليى العهد فى كل من السعودية، الأمير محمد بن سلمان، ودولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد ويقول كثيرون أن له تأثيره الكبير على الأمير محمد، الذى يتصرف بزخم الشباب معتمدا على رصيده كابن الملك سلمان، ولا سيما وقد تخلص من النافذين فى الأسرة (أبناء أعمامه) ومعظمهم من كبار رجال الأعمال، الذين صاروا «من جماعته».. بالاضطرار.

وفى تقدير خبراء عارفين بأمور المملكة المذهبة فإن الأمير محمد يستقوى بمكانة أبيه، الملك سلمان، ويحاول التخلص من كل من يمكن أن يشكل «شريكا» أو «منافسا»، من أبناء عمومته الكثر.. وإنه بات يعتمد على الجيل الثالث من شباب الأسرة، وهو قد عين الكثير منهم أمراء على الولايات.

كذلك فإن العارفين بأمور المملكة وعلاقتها بواشنطن يقولون إن الشيخ محمد بن زايد هو من فتح أبواب البيت الأبيض أمام صديقه الأمير محمد بن سلمان، فاستقبله الرئيس دونالد ترامب و«عقد معه اتفاقا طويل الأجل» تبدت بعض بنوده حين خصص ترامب زيارته الأولى للسعودية وعاد منها بغنيمة فاقت كل تقديراته: أكثر من أربع مليارات ونصف المليار دولار.

فلسطين يا لوحدك!

ونعود إلى فلسطين المنسية التى تشيع كل يوم شهيدا أو أكثر، وتحمل جماهيرها بضعة جرحى إلى المستشفيات. 

لقد سقطت فلسطين من الذاكرة العربية، أو تكاد.. فكل بلد مشغول بهمومه الثقيلة، والعديد من الحكومات العربية يفترض أنه قد أدى واجبه وآن أن يرتاح من فلسطين والصراع المفتوح مع العدو الإسرائيلى، والذى يتبدى وكأن النظام العربى غير مؤهل لتحمل مسئوليته فيه.

وهكذا حلت المناقصة محل المزايدة، فبعد شعار «التحرير من الأرض إلى البحر» صارت السياسة المعتمدة الآن: ارضى بالقليل منها، مقابل السلام، حتى لا يذهب كل شىء.

فإضافة إلى الدول العربية التى اعترفت، رسميا، بالكيان الإسرائيلى، هناك عدد من الدول (لا سيما بين أقطار الخليج) باشرت بإقامة علاقات مموهة مع دولة العدو.. ويحكى عن قنصليات تتلطى خلف الستار التجارى أقيمت فى بعض عواصم الخليج، إضافة إلى حديث عن خط طيران بين الهند وتل أبيب يعبر أجواء شبه الجزيرة العربية.

وهكذا، ومع غياب السلطة الفلسطينية عن الوعى، وانشغال الدول العربية عنها، تواصل دولة العدو الإسرائيلى التهامها الأرض الفلسطينية، وقد بدأت أصوات المتطرفين فيها ترتفع مطالبة باحتلال القدس كلها، وترك بعض الأرض خارجها للفلسطينيين الذين يجدون أنفسهم بلا نصير الآن.

فى هذه الأثناء بدأ فلسطينيو غزة يتضورون جوعا، فى ظل الحصار الإسرائيلى على هذا القطاع الذى أسقط من فلسطين.. ومن الذاكرة العربية.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

طلال سلمان

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر