Menu
حضارة

نقد العولمة ومعاداة السامية

نقد العولمة ومعاداة السامية

بقلم / الحسن الزاوي

أشار الاقتصادي والمفكر الفرنسي جاك سابير في إحدى ندواته، إلى إشكالية عالمية تزداد حدة مع تنامي سطوة اللوبيات المالية على القرار السياسي في الدول الصناعية الكبرى، وتتعلق هذه الإشكالية بمحاولة نخب مؤثرة في المشهد الدولي، ربط كل انتقاد لمسار العولمة المالية، بمسألة معاداة السامية، من منطلق أن العولمة المالية التي عرفت تطوراً هائلاً منذ العقود الأولى من القرن الماضي، ارتبطت في قسم كبير منها برجال المال وأصحاب البنوك من اليهود، الذين استطاعوا الهيمنة على أبرز المراكز المالية في العالم في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وسويسرا. الأمر الذي يجعل كل تحليل لمسار العولمة المالية في صورتها الراهنة، يفضي حتماً إلى التساؤل عن الدور الغامض الذي تلعبه النخب المالية اليهودية في إدارة دفة الاقتصاد العالمي، الذي بات يعاني اختلالاً كبيراً على مستوى توازناته الكبرى، كما أضحى يتسبب في تزايد معاناة قسم كبير من المجتمعات الفقيرة.

ويمكن القول إن من الأشياء الرئيسية التي تثير الانتباه بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، هو تزايد إصرار الأوليغارشيات المهيمنة على مصادر القرار في العالم، على ربط كل المبادرات الداعية إلى إصلاح المنظومة المالية العالمية، بالتهمة الجاهزة المتعلقة بمعاداة السامية، لأنه وبصرف النظر عن موقف المراقبين الدوليين من الدور الذي يلعبه اللوبي اليهودي على مستوى الساحة الدولية، فإنه من الصعب على جميع الأطراف، من المؤيدين ومن المعارضين لهذا اللوبي، على حد سواء، إغفال الدور المحوري الذي لعبته وما زالت تلعبه الأقليات اليهودية في صناعة القرارين الاقتصادي والسياسي داخل الدول الصناعية الكبرى منذ أكثر قرن من الزمن، قبل مرحلة الحربين العالميتين، وطوال كل العقود التي تلتهما.

ويركّز «يوري سليزكين» أستاذ التاريخ الروسي في جامعة بيركلي، على الدور الذي لعبه اليهود في المرحلة المعاصرة في كتابه الموسوم: «قرن اليهود»، حيث يتحدث الكاتب عن انتقال اليهود من الاتحاد السوفييتي ومن أوروبا الشرقية نحو الولايات المتحدة و «إسرائيل»، ناقلين معهم «قيماً» جديدة تتعلّق بالتربية والحركية المتمثلة في الانتقال عبر الأمكنة بسلاسة ويسر. ويصل سليزكين إلى القول إن القرن العشرين هو قرن اليهود، والحداثة تعني في أبعادها اليهودية أن يصبح كل واحد منا حضرياً ومن سكان المدن، قادراً على الحركة وعلى التنقل، حاصلاً على التربية، ومرناً على مستوى وظيفته وعمله. وبالتالي فإن الحداثة تفيد، انطلاقاً من هذه المقاربة، «أننا أصبحنا كلنا يهوداً»، لأن «الرحالة الوظيفيون» كما يسميهم، ومعهم أيضاً المغامرون من اليهود وغير اليهود، أصبح لهم دور بارز في قيادة هذا العالم.

وإذا كان من حق سليزكين وغيره من الكتّاب أن يتكلموا بإسهاب عن النصف الممتلئ من الكأس الذي تكاد مياهه الفاسدة أن تغرق الكرة الأرضية، فمن حق الآخرين أن يتحدثوا أيضاً، عن نصف الكأس الفارغ الذي يصل تأثيره إلى مناطق التصحر والجدب والفقر، والذي تحاصر آثاره السلبية، الحواضر والبوادي من كلكوتا في الهند وصولاً إلى الدول التي تنتشر فيها المخدرات والجريمة المنظمة في أمريكا الجنوبية، مروراً بدول مثل الصومال ورواندا ومنطقة الساحل الإفريقي، التي تقذف أمواج البحر المتوسط بجثث أبنائها على الشواطئ الجنوبية للقارة الأوروبية. وبالتالي فإنه إذا كان من حق النخب اليهودية أن تدافع عن النظام النقدي العالمي السائد حالياً والذي يضمن للدول الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، السيطرة المالية شبه المطلقة على العالم، فمن حق دول أخرى مثل مجموعة «البريكس» أن تطالب بتغيير قواعد اللعبة الاقتصادية التي تحرمها من جني ثمار جهودها الهادفة إلى تحقيق أكبر قدر من الإنصاف في توزيع الثروة العالمية عبر مختلف قارات المعمورة من روسيا شمالاً إلى أقاصي إفريقيا جنوباً.

يقول الفيلسوف الألماني نيتشه في سياق موضوع لا يبتعد كثيراً عن موضوع إشكاليتنا، إن أفظع جريمة تُرتكب ضد الذهن البشري، تتمثل في الخلط ما بين الأسباب والنتائج، وذلك بالتحديد ما يحدث حالياً مع النظام المالي العالمي، الذي يسعى أقطابه إلى تحميل الدول مسؤولية المديونية المضاعفة الناجمة عن الجهود التي بذلت من أجل إنقاذ المؤسسات المالية بعد الأزمة التي هزّت الاقتصاد العالمي سنة 2008، والتي أدت إلى تفاقم مستويات الديون السيادية للدول، حيث ارتفعت المديونية العمومية لمجمل الدول، من سنة 2007 إلى سنة 2011، بنسبة 57 في المئة. ولا تقف تناقضات النخب اليهودية عند هذا الحد، فهي تدافع من جهة عن التنوّع الثقافي في العالم وعن حق الأقليات في الاختلاف، ولكنها تسعى في المقابل إلى تحويل «إسرائيل» إلى دولة يهودية خالصة، يُحرم فيها العرب من حقوقهم التاريخية المشروعة.

من الواضح في كل الأحوال أن النخب اليهودية لا يختلف وضعها، في معظم دول العالم، كثيراً عن وضع الأقليات الأخرى المنتشرة في مختلف بقاع الأرض، وقد أسهمت مثلها في ذلك مثل مكوّنات المجتمعات التي وجدت فيها، في تطوير المعرفة ذات الصلة الوثيقة بالهوية الحضارية لتلك المجتمعات، مثلما سبق لابن ميمون أن أسهم مع غيره من الفلاسفة والمفكرين العرب في تطوير الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس. أما أن ينسِب سليزكين الحداثة المعاصرة إلى اليهود، فإن الأمر لا يعدو أن يكون دجلاً وتضليلاً وتشويهاً لحقائق تاريخية ثابتة، وسطواً على حداثة عالمية انطلقت مع عصر الأنوار في أوروبا قبل أن تصل إلى أمريكا، وأنجبت مفكرين كباراً، بداية من جون لوك، فولتير، مونتيسكيو، وكانط، مروراً بجول فيري مؤسس المدرسة الجمهورية الحديثة، ووصولاً إلى رموز العلوم والتقنية في الولايات المتحدة الذين لا علاقة لأغلبيتهم الساحقة، بالجالية اليهودية.