Menu
حضارة

نقل السفارة.. ليس مجرد استفزاز!

هاني حبيب

القرار الأميركي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة منتصف أيار القادم، في ذكرى النكبة الفلسطينية والإعلان عن ولادة الدولة العبرية، ليس مجرد استفزاز، بقدر ما ينطوي على تحد واضح، ذلك أن هذا القرار يأتي إثر التحدي الفلسطيني لدور الولايات المتحدة كوسيط في إدارة المفاوضات على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بعدما غادرت واشنطن هذا الدور إثر إعلان ترامب عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، هذا القرار "المستعجل" بنقل السفارة يأتي مباشرة بعد أيام قليلة من خطاب الرئيس عباس أمام مجلس الأمن وإعلانه عن خطة فلسطينية من ثلاث نقاط رئيسة كبديل للدور الأميركي، في إطار هيئة دولية تتكفل بالعملية التفاوضية، ومع أن قرار النقل، ما هو إلاّ أداة تقنية وفنية بالأساس، ترجمة للقرار السياسي الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة العبرية، إلاّ أنه يعتبر أداة تحد واضحة في مواجهة مع الرؤية الفلسطينية التي لا تستجيب كما هو واضح للخطة الأميركية التي ستقترح قريباً تحت عنوان "صفقة القرن".

إذاً، قرار النقل أبعد من كونه استفزازاً، باعتباره تحدياً ورداً على خطاب السلام الفلسطيني الذي تقدم به الرئيس عباس أمام مجلس الأمن مؤخراً!

وإذا ما عدنا للوراء قليلاً، لاكتشفنا أن كافة التقارير الأميركية الرسمية والإعلامية كانت تشير إلى أن نقل السفارة إلى القدس المحتلة لن يجري هذا العام، بينما تقارير رسمية أخرى أشارت إلى أن النقل ربما لن يتم قبل ثلاث سنوات من إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل.

وأثناء زيارة نتنياهو الأخيرة إلى الهند، صرح بأن نقل السفارة سيتم أسرع مما هو متوقع وخلال هذا العام، إلاّ أن الرئيس ترامب قال رداً على سؤال من وكالة "رويترز" (18ـ1ـ2018)، "إن ذلك ليس صحيحاً" في حين أشار وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، قبل ذلك بأيام، إلى أن نقل السفارة لن يتم قبل ثلاثة أعوام "وهذا تقدير طموح للغاية" على حد تعبيره. ولكن وكما رأينا فإن تقدير رئيس الحكومة الإسرائيلية، أخذ صفة القرار وبحيث بات الأقدر على أن يمليه على رئيس أكبر دولة في العالم، الرئيس ترامب، الذي وجد نفسه مضطراً إلى مقارعة التوجه الفلسطيني الذي عبر عنه الرئيس أبو مازن في مجلس الأمن، كشكل من أشكال التحدي الغاضب، أكثر من كونه مجرد استفزاز لمشاعر الفلسطينيين والعرب عموماً!

وكان من الممكن، أن يعلن الرئيس ترامب عن قرار نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس المحتلة إثر عقد القمة الأميركية ـ الإسرائيلية في آذار القادم، إذ من المقرر أن يجتمع نتنياهو وترامب للتداول بشأن العملية التفاوضية وخاصة "صفقة القرن" الأميركية، وربما تكون هذه القمة مناسبة أفضل من وجهة نظر سياسية، للإعلان عن موعد نقل السفارة، إلاّ أن الاستعجال بهذا الإعلان إثر خطاب الرئيس أبو مازن في مجلس الأمن، يشير إلى رغبة أميركية صارخة بالمواجهة مع القيادة الفلسطينية، فكان هذا الإعلان المستعجل والمناقض لكل التقديرات والمواقف السابقة المعلنة من قبل البيت الأبيض، والخارجية الأميركية.

أسبوعين، ويلتقي نتنياهو بترامب في البيت الأبيض، بينما تتعدد التصريحات الأميركية بأن اقتراح خطة السلام الأميركية المسماة "صفقة القرن" قد اكتمل تقريباً، حسب آخر تصريح لمندوبة الولايات المتحدة الأميركية نيكي هايلي، الربط بين قمة ترامب ـ نتنياهو وهذه الصفقة بات واضحاً وجلياً، ومن شأن هذه القمة وضع اللمسات الأخيرة على هذه الصفقة التي سيتم فرضها على الجانب الفلسطيني، كما أشارت تصريحات أميركية عديدة، وباعتقادنا أن هذه الصفقة قد تمت صياغتها وإن كانت بحاجة إلى تعديلات إسرائيلية سيقوم بها نتنياهو في البيت الأبيض في الخامس من الشهر القادم، إلاّ أن الإعلان عن هذه الصفقة، قد يتأخر قليلاً بانتظار تهيئة الوضع الفلسطيني تحديداً لمثل هذا الإعلان.

الموقف الفلسطيني ما زال أكثر وضوحاً وتحديداً في رفض هذه الصفقة ومقدماتها من إعلان ترامب حول السفارة وتقليص دعم "الأونروا"، ربما لم يتوحد الموقف الفلسطيني من كافة الفصائل ومنظمات المجتمع المدني والرأي العام الفلسطيني كما توحد ضد هذه الصفقة، إلاّ أن استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي، وتعثر الوصول به إلى استعادة الوحدة، ما زال يشكل أرضية للاختراق الأميركي ـ الإسرائيلي لحساب هذه الصفقة، ولعل أحد سيناريوهات هذا الاختراق، عدوان إسرائيلي جديد على قطاع غزة، يمكن معه التوصل إلى هدنة جديدة مع صياغات جديدة بمباركة عربية وإقليمية ودولية، وبحيث يصبح قطاع غزة، في جوهر صفقة القرن هذه، الأطراف المعينة بهذا الاختراق ستجد في الوضع المتأزم اقتصادياً ومعيشياً في القطاع منطلقاً لتغييرات جوهرية من شأنها تهيئة الوضع الفلسطيني للاستجابة بشكل أو بآخر لاستهدافات "صفقة القرن" هذه، وهنا لا بد من التذكير بالمقدمات الاقتصادية والاجتماعية التي مهدت لاتفاق أوسلو، هذا الاتفاق الذي اعتبر في حينه خشبة الخلاص من الأزمات المفتعلة، وعود على بدء، من اتفاق أوسلو.. إلى صفقة القرن!