على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

صدمة الأرقام في العلاقات التجارية بين ماليزيا و"اسرائيل"

25 حزيران / فبراير 2018
صدمة الأرقام في العلاقات التجارية بين ماليزيا و
صدمة الأرقام في العلاقات التجارية بين ماليزيا و

خاص بوابة الهدف _ م. حسام عطا الله

يجري الحديث مؤخراً عن "التطبيع" بين "إسرائيل" وماليزيا، وهي البلد "الإسلامي" الأسيوي الكبير الذي لا يقيم علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، بل يراه كثيرون بلدًا داعمًا للفلسطينيين.

يمكن تقسيم من يتناولون هذه القضية - التطبيع – إلى ثلاث فرق، أحدهم يؤكد أن "التطبيع" قائمًا، وآخر ينفي وثالث لم يحسم ظنه!.

يستند كل فريق إلى شواهد أو وقائع تدعم موقفه. فمن يؤكد وجود علاقات "تطبيع"، يستدعي في طرحه وقائع سابقة من قبيل سماح ماليزيا، في أكثر من مناسبة، لـ"إسرائيليين" بدخول أراضيها سواء كانوا ضمن وفود رياضية أو مشاركين في مؤتمرات أو حتى سياح، وكان آخر الوقائع هو مشاركة وفد دبلوماسي رسمي من "تل أبيب" في أعمال مؤتمر دولي، نظمه برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، في مدينة كوالالمبور مطلع هذا الشهر، 7 فبراير/شباط 2018.. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، نجد من ينفي الأمر، ومن يراه مجرد اتهامات، يستدعي لذاكرتنا مواقف وتصريحات رسمية جاءت، في أكثر من مناسبة، على لسان سياسيين وشخصيات رسمية حكومية في ماليزيا، مضمونها هو إعلان دعمهم للشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية ورفضهم لإقامة علاقات مع "إسرائيل"، وكان أبرز التصريحات في هذا الصدد ما صدر مؤخراً، في ديسمبر 2017، على لسان وزير الدفاع الماليزي، هشام الدين حسين، عقب الإعلان الأمريكي الاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة "لإسرائيل"، حيث قال أن جيش بلاده مستعد دائماً لتولي "مهمة ما من أجل قضية القدس".

ولكن وقائع التاريخ تواصل تأكيدها مقوله أن "السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد"، وإلا لما رأينا "العقوبات الاقتصادية" تستدعى لفرض شروط سياسية!، وهذا يعني فيما يعنيه، أن للسياسيين ما يشاؤون ويشتهون من القول و"لرأس المال" يبقى القول الفصل.

وحتى نستجلي الحقيقة، ونحسم الظن، نضع هذه القضية - التطبيع -  في ميزان الأرقام، ذلك أن الحسابات لا تجامل، والأرقام لا تنحاز للأيدولوجيات، والبيانات تكشف زيف الشعارات وخداع الحكومات.

خلفية تاريخية

شهد العام 1956، أول زيارة "إسرائيلية" إلى اتحاد الملايا، الذي حمل اسم ماليزيا في وقت لاحق. الزيارة قام بها "وزير الخارجية الإسرائيلي" في ذلك الوقت، موشيه شاريت، إلى مدينة كوالالمبور، وكان الوزير اقترح حينها تعيين قنصل لـ"تل أبيب" في البلاد، وقد وصف موشيه شاريت، وفقا "للرواية الإسرائيلية"، رد الجانب الماليزي على الاقتراح بقوله "مقبول بلا تردد".

وكان الرد الماليزي وقتها قد جاء على لسان، الوزير الأول في اتحاد الملايا، في حينه، تونكو عبد الرحمن الحاج، الذي أصبح أول رئيس للوزراء بعد استقلال اتحاد الملايا في أغسطس عام 1957م، وأُطلق على بلاد الاتحاد (اسم ماليزيا منذ عام 1963م).

ولقد دعمت "إسرائيل" طلب انضمام اتحاد الملايا لعضوية الأمم المتحدة في العام 1957، من خلال التصويت لصالح الانضمام. عاودت "إسرائيل"، في بدايات العام 1960، اقتراح إقامة علاقات دبلوماسية مع اتحاد الملايا، لكن المساعي فشلت بسبب المعارضة الداخلية في البلاد إلى جانب ضغوط عربية تمت ممارستها على الاتحاد.

أوسلو فتح الباب

منذ بدايات دخول "القيادة" الفلسطينية في مستنقع أوسلو، في العام 1990، تجددت مساعي إقامة علاقات دبلوماسية طبيعية بين ماليزيا "وإسرائيل"، وذلك في عهد رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد.

وفي العام 1994، أعرب وزير التجارة الدولية والصناعة الماليزي، تشوا مينج، عن "اعتقاده بإمكانية أن تصبح "السوق الإسرائيلية"، في أي وقت، وجهة للاستثمارات الماليزية".

وكانت "الحكومة الإسرائيلية" قد كشفت أن رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد، بعث في تاريخ 21/ديسمبر 1993، رسالة مكتوبة إلى "رئيس وزراء اسرائيل" في حينه، اسحاق رابين، لكنها اكتفت بذكر أن الرسالة حملت مطالبة "بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة"، دون ذكر المزيد!، كما اكتفت "الحكومة الإسرائيلية" بذكر، أن مهاتير محمد بعث أيضًا رسائل مكتوبة إلى كل من بنيامين نتانياهو في مارس/ 1997، وايهود باراك في حزيران/ 1999. "الحكومة الإسرائيلية" كشفت عن الرسائل الماليزية في مارس 2012.

هكذا مسائل لا يجوز أن تمر، كما تمر غيرها من المسائل، وإنما لا بد أمامها من وقفة تأمل، فما الغاية من تصريح كالذي قاله وزير التجارة الدولية والصناعة الماليزي؟ ولمن يتوجه به؟ وما الرسائل المستترة خلفه؟ وما الغاية من الرسائل المكتوبة التي بعثها مهاتير محمد إلى ثلاث رؤساء وزارات في "إسرائيل"؟ ألم يكن لبلد مثل ماليزيا، لا تربطه علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، أن يوجه رسائله التي يريد بوسائل أخرى؟ وما الغاية أيضًا من كشف "إسرائيل" عن خبر وصول هذه الرسائل المكتوبة؟ هل هي "بالونات الاختبار" التي تستبق اتخاذ القرار؟ هل هي "لجس النبض" أم "التهيئة"؟!

علاقات تجارية، محظورة رسمياً ونشطة عملياً

وفقا لمركز "إسرائيل-اسيا الإسرائيلي"، فان ماليزيا فرضت في العام 1974 حظراً على التجارة مع "إسرائيل"، لكن المركز يكشف أن هذ التجارة متواصلة من خلال شركات وسيطة تعمل في سنغافورة وتايلاند، إلى جانب – وهذا مهم - التجارة المباشرة بين الطرفين.

يذكر المركز أيضًا، أن مصنع "إسرائيلي" واحد فقط، ما بين 2000-2001، تراوحت قيمة صادراته إلى ماليزيا 600-700 مليون دولار، وكشف أن المصنع هو فرع لشركة "انتل" الأمريكية في "إسرائيل"، حيث ينتج رقائق الكترونية لأجهزة الحاسوب.

وفقا للموقع الالكتروني للمصنع، فإن عنوانه يقع في مستوطنة "كريات جات" على بعد 22 كم فقط من الحدود مع قطاع غزة، وقد بدأ العمل في عام 1999.

"إسرائيل" تتجبر، وماليزيا تشتري أكثر

أما غير ما سبق.. فإن رصد البيانات المنشورة، على الموقع الالكتروني لدائرة الاحصاء المركزية في "إسرائيل"، يضعنا أمام حقيقة حجم التبادل التجاري بينها وبين ماليزيا، وهذه البيانات تغطي الفترة من 1999 حتى 2017، لذلك سنستند في مسعانا نحو فهم القضية إلى بيانات عــام 1999 كســنة أســاس.

بحسب بيانات العام 1999، بلغ قيمة الميزان التجاري بين الطرفين، 130.3 مليون دولار، وهي عبارة عن 106.8 مليون دولار (83%) صادرات "إسرائيل" إلى ماليزيا، و23.5 مليون دولار (17%) هي صادرات ماليزيا إلى الأولى.

أما العام 2000، وهو العام الذي شهد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية بتاريخ 28 سبتمبر 2000، نجد أن قيمة الميزان التجاري قفز حوالي 5 أضعاف مقارنة بسنة الأساس 1999، ليبلغ 760 مليون دولار.

وسجلت الصادرات "الإسرائيلية" إلى ماليزيا خلال هذا العام زيادة 6 أضعاف مقارنة بسنة الأساس 1999، ليرتفع إجمالي ما ضخته ماليزيا في خزانة "إسرائيل" إلى 732.4 مليون دولار وذلك في سنة اندلاع الانتفاضة الثانية! في مقابل ذلك، فان الزيادة في الصادرات الماليزية إلى "إسرائيل"، في نفس السنة 2000، لم تتجاوز 24%، حيث ارتفعت بمقدار 4.1 مليون فقط ليصل الإجمالي إلى 27.6 مليون دولار.

ثم - أكثر من ذلك – في العام 2010، وهو العام الذي سبقه عدواناً "إسرائيلياً" على غزة انتهى في 19 يناير 2009 مخلفاً أكثر من 1650 شهيداً وخسائر تجاوزت المليار دولار، فإنه، بالرغم من ذلك، أظهرت الأرقام زيادة أكبر في قيمة الميزان التجاري بين الطرفين وصلت حوالي 7 أضعاف مقارنة بسنة الأساس 1999، ليبلغ بذلك 883 مليون دولار.

وبلغ حجم مشتريات ماليزيا من "إسرائيل"، في ذلك العام 798 مليون دولار، فيما كانت قيمة المشتريات "الإسرائيلية" من ماليزيا 85 مليون دولار فقط.

رأس المال يعبر ويمر، وخيبتنا صارت خيمتنا

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالعام 2013، هو العام الذي سبقه عدواناً "إسرائيلياً" جديداً على غزة في نوفمبر 2012، بدأته "إسرائيل" باغتيال أحمد الجعبري، قائد كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وانتهى باستشهاد أكثر من 155 فلسطينيًا وتدمير 200 منزل بشكل كامل، و1500 منزل بشكلٍ جزئي، إضافة إلى عشرات المساجد والمقابر والمدارس والجامعات والمؤسسات والمكاتب الصحفية.

وفي صباح يوم 22 يناير 2013، وصل رئيس الوزراء الماليزي، محمد نجيب عبد الرزاق، إلى قطاع غزة، عبر معبر رفح، على رأس وفد، ضم زوجته ووزير خارجيته وآخرون، في زيارة وصفها الرجل لوسائل الإعلام بالقول أنها "إنسانية".

الوفد استعرض "حرس الشرف" على بساط أحمر، بجوار حطام سيارة الشهيد الجعبري في معبر رفح، ثم جالوا وداروا في غزة، الغارقة في دمها، العالقة بين موت وخذلان، شاهدوا ما تركته "إسرائيل" -شريكهم التجاري-على بقايا كل شيء في غزة. بقايا الجثث، بقايا البيوت، بقايا المساجد، بقايا الحياة، وبقايا الوجوه، ثم دعا عبد الرازق إلى "وحدة الصف الفلسطيني" ووضع حجر الأساس لمدرسة تمولها بلاده وعاد أدراجه!. غادر، إذن، ضيف غزة "الإنساني" بعد زيارة استمرت 10 ساعات، حاملاً معه شهادة دكتوراه فخرية تم منحها له، ولعقيلته، "ولاة الأمر" في غزة، خلال احتفالية أقيمت له في جامعة الأقصى الحكومية!.

وبصرف النظر عما إذا كانت الزيارة بانت ""كالملهاة في المأساة"، فان ما شاهده خلالها رئيس الوزراء الماليزي ووزرائه الآخرين من مأساة، تكفينا للظن، وليس كل الظن إثم، أن ماليزيا بعد هذه الزيارة لن تكون كما قبلها، بل والظن بأن ما شاهدوه كفيلاً بزلزلة "الميزان التجاري" بين ماليزيا "وإسرائيل"، كيف لا، إذا كان ما شاهدوه يكفي لزلزلة ضمير "الإنسانية"!.

لذلك، ولكي نختبر الظن، نستدعي مجدداً ميزان الأرقام، ونستعرض حجم التجارة بين ماليزيا "وإسرائيل" لعام 2013، عام الزيارة الماليزية "الإنسانية".

يظهر في بيانات العام 2013، أن قيمة الميزان التجاري الماليزي "الإسرائيلي" سجل قفزة بلغت حوالي 12 ضعفاً – أجل 12 ضعفا! - مقارنة بسنة الأساس 1999، ليرتفع إجمالي القيمة إلى 1530 مليون دولار.

وبلغت قيمة مشتريات ماليزيا من "إسرائيل" في ذلك العام 1457.1 مليون دولار، في المقابل، تراجعت الصادرات الماليزية إلى "إسرائيل"، مقارنة بالعام 2010، لينخفض الإجمالي من 85 إلى 72.9 مليون دولار.

قد لا تكفي الأرقام والحيثيات السابقة لدفعنا إلى الاستنتاج بأن حكومة ماليزيا أيضًا تصطف في طابور "خيباتنا"، ولكي نصل إلى استنتاج مقنع، نطل مجدداً على العام 2015. فالعام 2015، سبقه كذلك عدواناً "إسرائيلياً"، في يوليو 2014، أشد وأقسى مقارنة بالعدوان السابق الذي شاهد أثاره رئيس الحكومة الماليزية، فهو عدوان طحن غزة بشراً وحجراً، حصد أرواح أكثر من 2174 شهيداً وقرابة 11 ألف جريح و3.6 مليار دولار أمريكي خسائر مادية.

تكشف الأرقام أن إجمالي ما تدفق من ماليزيا إلى خزينة "إسرائيل" في العام 2015 بلغ 1419.6 مليون دولار، وهي قيمة المشتريات الماليزية من الأخيرة في ذلك العام. إن المقارنة بما كان عليه الحال في عام 2013 تظهر تراجعاً طفيفاً بلغ 2.6%، في المقابل، تراجعت الصادرات الماليزية إلى "إسرائيل" بشكل حاد في نفس السنة، إذ انخفضت بنسبة 79% مقارنة بالعام 2013، ليهبط الإجمالي من 72.9 مليون دولار إلى 15.3 مليون في عام 2015.

ومن المهم ذكره في هذا السياق، أن العام 2015 شهد تراجعاً عالمياً في حجم التجارة الدولية، فانخفض حجم الواردات والصادرات في معظم المناطق وبلدان العالم بما فيها البلدان المتقدمة والنامية، على ضوء هذه الحقيقة، وبيانات العام 2015، نلاحظ أن واردات ماليزيا من "إسرائيل" صمدت أمام تأثيرات الأزمة العالمية لكن صادراتها – أي ماليزيا -  إلى "إسرائيل" انهارت بفعل الأزمة بنسبة 79%.

خلاصة

الأرقام تكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، أن تدفق "رأس المال" الماليزي إلى خزانة "إسرائيل"، لم توقف عبوره كل ممارسات الإرهاب الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني وحقوقه، بل أن سيول الدماء الفلسطينية، لم تستطع حتى مجرد منع تعاظم هذه العلاقات بين الطرفين، وأكثر، فإن الأزمة العالمية التي عصفت بأسواق العالم منذ عام 2008 (أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وما نتج عنها)، يكاد يغيب أثرها على حجم الطلب الماليزي على البضائع "الإسرائيلية".

فالأرقام تصعقنا إذن، ولعلها تفيقنا، لإدراك وقائع الأشياء كمدخل لسؤال ما العمل؟

إن ماليزيا ليست فقط حكومة، فهناك شعب كبير وقوى وكيانات حية وفاعلة فيه، يمكننا إذا تواصلنا معها "بكفاءة" أن نحقق اختراقاً ايجابياً في "القلعة الماليزية" على طريق التأثير في السياسات الحكومية التي تفتح الباب، كما أظهرت الأرقام، لعلاقات تجارية تنمو بسرعة مع دولة العدو الصهيوني، الأمر الذي سيعكس نفسه لاحقاً على الفضاء السياسي، إن لم يكن عكس نفسه فعلاً!!

في هذا السياق، فإن أمام القوى والمكونات الوطنية الفلسطينية، مهمة النهوض والتحرك على هذا الاتجاه بخطوات تعرف مواقع أقدامها.

متعلقات
انشر عبر