Menu
حضارة

الصراع على النفط وخطر الحرب الإقليمية

محمد السعيد إدريس

ردود الفعل الفلسطينية والعربية (على المستوى الشعبى بالذات) والعالمية الرافضة بقوة لقرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الاعتراف ب القدس عاصمة للكيان الصهيونى ونقل السفارة الأمريكية لدى الكيان من تل أبيب إلى القدس، أحبطت بدرجة كبيرة الإدارة الأمريكية وحكومة الكيان الصهيوني، لم يتوقعوا أن تكون ردود الفعل بهذا المستوى المربك لمخطط ترامب الذى يحمل اسم «صفقة القرن» ويرمى إلى تمكين إسرائيل من السيطرة على أغلب أراضى الضفة الغربية والبحث عن حلول بديلة لإقامة كيان فلسطينى لذلك بدأوا فى إعادة تسخين الأزمة السورية، ودخلت أمريكا مجدداً طرفاً قوياً وشريكاً فى تلك الأزمة بالسعى لفرض سيطرتها على القطاع الشرقى من نهر الفرات الذى يمتد من النهر إلى الحدود السورية مع العراق.

وكان العدوان الأمريكى الجوى والصاروخى على قوات شعبية موالية للجيش السورى يوم الأربعاء 7 فبراير الجارى مع الميليشيات الكردية الحليفة للأمريكيين فى محافظة دير الزور هو ذروة هذا التسخين الأمريكى خصوصاً بعد أن تأكد وجود قتلى من الروس من بين الضحايا المائة لهذا العدوان الأمريكى الذى اعتبر «تحرشاً أمريكياً مخططاً بالوجود الروسى فى سوريا»، وهو الهجوم الذى سبقته جهود أمريكية مكثفة لإفشال المؤتمر الذى نظمته روسيا لحل الأزمة السورية فى منتجع سوتشي. فى ذروة هذا التسخين الأمريكى للأزمة السورية جاء دور إسرائيل التى تعمدت هى الأخرى بذل جهود مضنية لصرف الأنظار العربية والدولية عن القضية الفلسطينية وتطوراتها، خاصة الجهود التى يقوم بها الرئيس الفلسطينى للبحث عن بدائل دولية لتحمل مسئولية إدارة عملية التسوية بعد أن تأكد عطب نزاهة الوسيط الأمريكى وانحيازه المطلق للكيان الصهيوني، وشملت جهود التسخين الإسرائيلية العمل على مستويين الأول لبنانى والثانى سوري. بدأت إسرائيل بالتسخين مع لبنان اعتقاداً منها بأن الظروف أضحت مواتية فى ظل أجواء التنافس الانتخابى التى بدأت ساخنة خاصة بين تيار المستقبل الذى يقوده رئيس الحكومة سعد الحريرى وبين «حزب الله»، لكن الدافع الأهم هو تلك الأزمة التى فجرتها «تغريدات» لوزير الخارجية اللبنانى جبران باسيل (صهر رئيس الجمهورية) أساء فيها إلى نبيه برى رئيس البرلمان. اعتقد الإسرائيليون أن هذا هو وقت الضغط والتسخين ضد لبنان على جبهتين الأولى فى الجنوب من خلال الشروع فى بناء جدار أسمنتى على الحدود الإسرائيلية مع لبنان يقضم فى أجزاء منه مساحات من الأراضى اللبنانية، والثانية ادعاء إسرائيل على لسان وزير الحرب أفيجدور ليبرمان بملكية «البلوك رقم 9» من المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان فى البحر المتوسط. وفى ذروة تفاعلات لبنان مع هذه الاعتداءات الإسرائيلية جاءت الغارات الإسرائيلية المكثفة على مواقع عسكرية تابعة للجيش السورى عقب ادعاءات إسرائيلية بتجاوز طائرة إيرانية بدون طيار الحدود بين سوريا وإسرائيل فى جبهة الجولان، لتفاقم من خطر تفجر الحرب على الجبهة السورية. وإذا كانت هذه الغارات الإسرائيلية قد انتهت نهاية مأساوية لإسرائيل بنجاح قوات الدفاع الجوى السورى فى إسقاط إحدى الطائرات الإسرائيلية من طراز «إف- 16»، فإن التحرشات والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان جاءت بنتائج عكسية، فقد أدت إلى تجاوز أزمة تصريحات الوزير جبران باسيل بحق رئيس مجلس النواب نبيه بري، ودفعت الرؤساء الكبار الثلاثة للبنان: رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس البرلمان نبيه برى ورئيس الحكومة سعد الحريرى إلى اجتماع عاجل توحد فيه لبنان ضد إسرائيل وفى ترؤسه اجتماع لمجلس الوزراء اللبنانى أعلن الرئيس اللبنانى ميشال عون أن «لبنان يقوم باتصالات مع المراجع الدولية لمواجهة الأطماع الإسرائيلية فى بره وبحره»، مؤكداً بما أكده المجلس الأعلى للدفاع «بمواجهة أى اعتداء بحزم وتصميم على الدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية». وهذا ما عاد الرؤساء الثلاثة على تأكيده استعداداً لزيارة وزير الخارجية الأمريكى لبيروت وتعليقاً على اقتراحات السفير ديفيد ساتر فيلد مساعد وزير الخارجية الأمريكى الذى قام بزيارة ميدانية إلى خط الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وهى المقترحات التى استهدف بها ساتر فيلد إحياء مقترح للسفير الأمريكى الأسبق فى لبنان «فريدريك هوف» وهو المقترح الذى سُمى منذ عام 2012 بـ «خط هوف» لاقتسام المنطقة المتنازع عليها وتشمل أجزاء من «البلوك رقم 9»، إضافة إلى أجزاء واسعة من «البلوكين رقمى 8 و10». لبنان أدرك أن إعادة إحياء مقترح «خط هوف» من جانب الأمريكيين يهدف إلى فرض اقتسام الثروة اللبنانية من الغاز والنفط مع إسرائيل، وأن الولايات المتحدة تريد تمكين إسرائيل من ثروات لبنان على النحو الذى يفعله الأمريكيون أنفسهم فى سوريا. فإذا كان الأمريكيون يتعمدون الآن تسخين الأزمة فى سوريا لصرف الأنظار عن القضية الفلسطينية، فإن للأمريكيين أطماعاً فعلية فى ثروات سوريا النفطية، وهذا سر حرصهم على إقامة ثماني قواعد عسكرية أمريكية فى المحافظات السورية الثلاث الواقعة شرق نهر الفرات (الحسكة، والرقة، ودير الزور) وفرض وجودهم العسكرى فى هذه المنطقة بالتحالف مع الميليشيات الكردية السورية.

كان أهم مبررات الهجوم الأمريكى على القوات الشعبية الموالية للجيش السورى يوم 7 فبراير الجارى أن هذه القوات «كانت تسعي، على الأرجح، إلى السيطرة على حقول النفط فى »خشام شرق نهر الفرات« وأن دمشق «تريد استعادة حقول النفط والغاز من الأكراد»، ما يعنى أن الأمريكيين ليسوا مع هذا المسعي، وأنهم مع إبقاء هذه الحقول تحت سيطرة الأكراد حلفاءهم، ولعل هذا ما دفع سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسى فى مؤتمر صحفى مع نظيره البلجيكى (12/2/2018) للقول إن «روسيا تشكك بنية أمريكا البقاء فى سوريا لفترة طويلة، إن لم يكن إلى الأبد».

أطماع أمريكية إسرائيلية فى النفط والغاز السورى واللبناني، وتوظيف للأزمة السورية لتحقيق ذلك على النحو الذى كشفه ديفيد ساتر فيلد. مقترحات ساتر فيلد كانت أقرب إلى الإملاءات والتهديدات فقد تجاوزت مشكلة النقاط الحدودية البرية والبحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل إلى الطلب من الحكومة اللبنانية أن تتدارك بسرعة احتمال انتقال التوتر والتصعيد العسكرى بين دمشق وتل أبيب إلى لبنان، وذلك بالسعى لدى حزب الله لوقف تخزين السلاح الثقيل ـ وضمنه الصواريخ ـ فى عدد من المواقع فى «سهل البقاع» اللبناني. ترويع متعمد للبنان بالحرب، التى إن وقعت ستكون «حرباً إقليمية» من بوابة الصراع على النفط لكنها ستكون حتماً حرباً مفتوحة فى ظل مشروع ترامب لتصفية القضية الفلسطينية.