على مدار الساعة
أخبار » العدو

حرب موازية: كيف يستهدف الجيش الصهيوني وعي المجتمعات العربية

02 حزيران / مارس 2018
2017-636378170471309812-130
2017-636378170471309812-130

بوابة الهدف/ترجمة وتعليق أحمد.م.جابر

الردع المعرفي إن صح التعبير، هو جبهة القتال الثانية التي يخوضها جيش العدو الصهيوني في موازاة الحرب المادية العسكري. ويكون لها عادة تأثير قاتل وقد تضمن كسب المعركة العسكرية قبل شنها لأنها تستهدف عناصر الوعي الجمعي والقيم، والمعنويات وتسبب تهتك نسيج مجتمع المقامة وسهولة اختراقه وتدمير وحدته الداخلية. الأعنف من ذلك هو ان هذا العدو الذي يتسلل عبر التلفزيون وأجهوة التواصل إلى غرف نومنا وتفاصيل حياتنا يسعى لكي يصبح وجودهه عاديا ومقبولا بل ومرحبا به.

الدراسة التي كتبها غابي سيبوني وغال بيرل فينكل لمعهد دراسات الأمن القومي الصهيوني كشفت عن تكثيف جيش العدو "لنشاطه المعرفي" مؤخرا الذي يستهدف الوعي، وصيغة معرفة محددة مسبقة الصنع لدى الشعوب العربية عن هذا الجيش وعن الكيان الصهيوني، كعملية كي للوعي وهندسة ثقافية تعليمية.

شملت نشاطات جيش العدو وضع مذهب العمليات المعرفية والمشاركة في تطوير الأدوات التكنولوجية، وتدريب الموارد البشرية، وبناء الأطر التنظيمية التي تدعم العقيدة. من أمثلة هذه النشاطات استخدام موارد التكنولوجيا ليوجه المتحدث العسكري الصهيوني رسائل باللغة العربية إلى الجمهور المستهدف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف أن يخلق الحضور المتواصل نوعا من الشرعية للعدو في الأوساط المستهدفة للشعوب المعادية،  ما يؤسس أصولا استراتيجية للكيان جنبا إلى جنب مع الأصول الحركية التقليدية.

من أمثلة ذلك رسالة الجنرال رونين مانليس التي نشرتها للأسف وسائل إعلام عربية وهي كانت تحذيرا ووعيدا للشعب اللبناني للتخلي عن المقاومة ونبذ حزب الله، وغيرها من الأضاليل.

للأسف لم يقتر الأمر على إعادة نشر مثل هذه الرسائل التي ترحب منصات تطبيعية ومعادية للمقاومة بنشرها، بل تتطوع فضائيات ووسائل إعلام لاستضافة العدو ومنحه منصة مباشرة للحديث مع المشاهد العربي كما تفعل قناة الجزيرة وصحيفة إيلاف السعودية مثلا.

يشارك جيش العدو أيضا في جهود إضافية ذات صلة بإعادة صياغة الإدراك العام للمقاومة عموما، ومثال ذلك نشاطات أفيخاي درعي على وسائل التواصل الاجتماعي والذي يتابعه للأسف الكثير من العرب المضللين أو المؤيدين للكيان الصهيوني ويجرون معه مناقشات طويلة. ويلاحظ البحث أن هذا النشاط الصهيوني وجد صدى في الصحافة اللبنانية وغيرها ويبدو أن تأثيره بعيد المدى.

الأثر البعيد المدى الذي تتحدث عنه الدراسة يرتكز على ثلاث مقومات: الأولى أن هذا العدو يواصل الكذب والتحريف بشكل منهجي ومتواتر مسخرا آلى إعلامية ضخمة لديه أو مصطفة معه، لتشكيل وعي الجمهور بأن العداء له ليس السبب في مشكلاته، وهكذا تصبح إيران بزعمهم أكبر قوة محتلة في العالم وليس الكيان الصهيوني، ويصبح التدخل الصهيوني في سوريا "عملا إنسانيا" لإغاثة المكروبين، وتصبح المقاومة وليس الحصار هي السبب في أزمة قطاع غزة.

المقوم التاني هو الجهل، جهل القطاعات المستهدفة بآليات الحرب النفسية وهندسة الوعي التي يمارسها الاحتلال، وغياب آليات التوعية والاحتضان الأمني الإجتماعي. أما المقوم الثالث فيقوم على التواطؤ، تواطؤ أطراف ودول عربية ترحب بهذا النشاط الصهيوني خدمة لأهدافها السياسية وتماسيا مع ارتهانها للعدو وراعيه الأمريكي.

ومن المؤكد أن جهد العدو في مجال الكي الوعي والهندسة الإدراكية التي يستهدف بها قطاعات من المجتمع العربي ليس جديدا، فقد ظهر منذ زمن طويل في سجلات الحرب  "إن أهمية قمع الروح القتالية للعدو ليست أقل أهمية من القتل الفعلي للجنود"، كما اعلن كارل فون كلاوزفيتز، مؤكدا أن النشاط الحركي في ساحة المعركة يجب أن تكون جنبا إلى جنب مع النشاط يهدف إلى التأثير على عقلية العدو.

يسعى العدو لخلق ساحة قتال أخرى مبنية على التنمية التكنولوجية، للتأثير على الجمهور المستهدف العدو، بمن فيهم صناع القرار والقادة والمقاتلين، والرأي العام المحلي والعالمي.

ويمكن تقسيم الجهود المعرفية إلى ثلاث فئات: (1) الجهود السرية، حيث الهدف المهاجم ليس على علم بمحاولة التأثير الجارية، و في مثل هذه العمليات، يتم نقل الرسائل بطريقة تمنع الجمهور المستهدف من تحديد أنه يخضع لعملية التأثير. ومن الأمثلة على ذلك الرسائل التي ترسلها عناصر مقنعة. (2) جهود السرية (تسمى أيضا "العمليات تحت العلم المزيف")، والتي يكون فيها الهدف، سواء كان منظمة،  أو الجمهور، أو دولة، على بينة من النشاط ضده، ولكن من يقفون وراءه يختبؤون وراء هوية مزورة. ومن الأمثلة على ذلك الحملة لانتخاب حاكم ولاية فلوريدا في عام 1994. حيث اتصل نشطاء من أنصار  المرشح الديمقراطي لوتون شيلي هاتفيا بحوالي 70000 من الناخبين كبار السن، عرفوا أنفسهم بأنهم يمثلون المرشح الجمهوري جيب بوش، وقالوا لهم انه يعتزم خفض التأمين الوطني والمساعدات الطبية للمسنين، والموضوعات ذات الأهمية الحاسمة بالنسبة لهم.  (3) الجهود العلنية، مثل الرسائل في مقال المتحدث باسم الجيش الصهيوني  إلى لبنان، أو عمليات الجيش الصهيوني على وسائل الإعلام الاجتماعي في لبنان.

القاسم المشترك لجميع أنواع من الجهود المعرفية هو أن معظم النشاط يحدث في العالم العلني، ونقل الرسائل إلى الجمهور المستهدف في وسائل الإعلام الكلاسيكية (الصحافة والتلفزيون والإذاعة) وعبر الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية، والمنتديات، والمدونات، والإعلانات على شبكة الإنترنت.

و يتطلب النشاط في المجال العلني مهارات معينة، في المقام الأول فهم علم النفس الاجتماعي-الجماعي والقدرة على تحليل الجماهير المستهدفة. وفي هذا السياق، فإن تنمية القدرات التشغيلية في الجيوش بشكل عام وفي الجيش الصهيوني على وجه الخصوص تستفيد من العالم المدني، و الحملات للتأثير على مختلف الجماهير المستهدفة تماما كما تعمل الدعاية والإعلان والعلاقات العامة في تسويق المنتجات أو حملة للسياسيين.

وتقول الدراسة إن استخدام القدرات العلنية من قبل وحدة المتحدث باسم الجيش الصهيوني يمكن من الخطاب المباشر مع العديد من الجماهير المستهدفة في الدول المعادية على وسائل الإعلام الاجتماعية، وكذلك مع العناصر "الإرهابية". ويتم ذلك باستخدام مختلف القدرات المتقدمة في السنوات الأخيرة في جيش الاحتلال، بهدف خلق الشرعية والتأثير على الجمهور المستهدف وحتى الحفاظ على الردع.

تعتمد المعركة المعرفية على ثلاث جهود أولية وبالتزامن وبعد، وكلها تتطلب جهودا استخبارية تجمع المعلومات عن التوترات والشواغل التي يهتم بها الجمهور المستهدف، وتستهدف أيضا كل كيانات الدولة المعادية بما في ذلك الجيش والكيانات الدفاعية، والعناصر القانونية والمالية والدبلوماسية.

متعلقات
انشر عبر