على مدار الساعة
أخبار » رأي الهدف

مصنع النخب

03 حزيران / مارس 2018
  • لـإسماعيل شموط
  • لـإسماعيل شموط

بوابة الهدف

ليس جريمة أن يقوم أحدهم بعرض كتاب رديء الجودة، ولكن بالمقياس الاجتماعي يشكل الاحتفاء الرسمي أو شبه الرسمي من النخب المسيطرة، على المشهد الثقافي بهذا المنتج أو ذاك، تعبير عن مستوى وتوجهات هذه النخب فيما يتعلق بمجتمعاتها وشعوبها.  بمعنى أو بآخر فإن أخر الإصدارات المحتفى بها رسمياً في ذات الحيز الجغرافي أي غزة، لم تحمل معها تعديلات هامة على نيتشه ولم تشاطر نيوتن مجد اكتشافاته المذهلة، عملياً و بالغالب يجري مزاولة العمل الثقافي في فلسطين كجزء من منظومة العلاقات العامة التي تنشأ على هوامش التمويل الغربي لمشروعي السلطة والمؤسسات الأهلية ونحن هنا نتحدث عن تحريف وقح لمعايير تقييم أي منتج أو أي فعل في هذه البيئة، فمعيار أهمية أي قصاصة ورقية هو الطرف الممول لها، ومنظومة علاقات صاحب هذه الوريقة، ومدى قربه أو بعده من الخط العام المسيطر على الحالة الثقافية الفلسطينية.  هذا ليس المعيار المسيطر على المنتوج الثقافي فحسب، بل هو معيار تقدم الأفراد وصعودهم في السلم الاجتماعي، الذي يزداد تدهوراً يوماً بعد يوم، فمن جهة تزداد الهوة بين الفقراء والأغنياء، ويزداد التهميش، ويتم سحق المهمشين واستلاب حقوقهم المادية والمعنوية في كل يوم.

نحن نتحدث هنا عن منظومة استطاعت تهميش فصائل فلسطينية قدمت آلاف الشهداء، وتهميش قطاعات رئيسية من الشعب الفلسطيني وشطب دورها وحقوقها، لذلك لا يبدو  غريباً الحديث عن تهميش الشباب وازدراء أصحاب الرأي والتأثير الحقيقي من بينهم، والتعامل معهم كشواذ غير ملائمين لمعايير النجاح اجتماعياً أو مهنياً او سياسياً.

ببساطة هناك منظومة تطحننا وتطحن طموحاتنا في أي غد أفضل على المستوى الفردي أو العام، هذه المنظومة تقوم يومياً وعبر أفعال واضحة بالتأكيد للأفراد أن اهتمامكم بالشأن العام أو استقامتكم وطنياً أو استعدادكم للتضحية و جاهزيتكم للتكافل والتضامن لن تفيدكم في شيء، بل سيتم معاقبتكم وحرمانكم بسببها، وفي هذا السياق يأتي تقديم نماذج للنجاح والصعود الفردي بما يعادي كل هذه القيم "الطبيعية" في أي مجتمع يأمل بالاستمرار والازدهار.  وبينما يجري الحديث في أروقة المؤسسات المختلفة (حكومية وأهلية)، عن التنمية كطريق للتقدم، فإن ما يطبق بالفعل هو مجزرة بحق كل ما أنتجه المجتمع الفلسطيني من تقدم، وإعلاء لقيم وأساليب وأدوات لن تورثنا إلا مزيداً من الفردية والهوس بالذات والانتهازية، هذا شأن المؤسسات الأكثر ثراء وسلطة وبأس في هذا المجتمع، من أعلى هرمه السياسي وحتى أدنى أبواب مؤسسة فرعية تعمل على "تنميتنا" بهذه الطريقة.

لسنوات طوال صمد شعبنا أمام خليط متنوع من الهجمات والسياسات التي استهدفت وعيه وقدراته، فأمام نماذج الانحطاط لا زالت بعض الأزقة والخرب والحارات قادرة على إنتاج نموذج الشهيد، وأمام نخبة اختارت تجريعنا ثقافتها، تقدم باسل الأعرج وبهاء عليان على درب غسان كنفاني بنموذجهم عن المثقف/الشهيد المشتبك، وعن الكلمات التي تكتب لفلسطين بالدم، لا بدولارات الممولين أو شبكة النفاق الاجتماعي والسياسي المستمرة في سقوطها.

متعلقات
انشر عبر