Menu
حضارة

هذا الحليف الإستراتيجي

د. محمد السعيد إدريس

فشلنا، نحن العرب، أضحى فشلاً مزدوجاً مع الأمريكيين الذين مازلنا نعول عليهم أن يكونوا درعاً لحمايتنا، ومازلنا نراهم حلفاء إستراتيجيين. ففى الوقت الذى نستطيع إن نقول فيه أن الدول العربية الست أعضاء مجلس التعاون الخليجى قد فشلت فى تحقيق ما كانت تأمله فى اللقاء مع الرئيس الأمريكى باراك أوباما وإدارته فى محادثات واشنطن وكامب ديفيد يومى 13 و14 مايو الفائت، كانت الجهود المصرية المدعومة من دول عربية إضافة إلى إيران ومجموعة دول عدم الانحياز داخل مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية المنعقدة بمقر الأمم المتحدة فى نيويورك والتى بدأت يوم 27 إبريل الماضى تحتضر أمام ضغوط الأمريكيين، وأمام الدعم الذى قدمه الوفدان البريطانى والكندى أيضاً للموقف الأمريكي- الإسرائيلى الرافض لتمرير مشروع القرار الذى تقدمت به مصر لعقد مؤتمر دولى يبحث فى جعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من أسلحة الدمار الشامل.
عندما استجابت الدول الخليجية الست لدعوة الرئيس أوباما عقد محادثات مكثفة فى واشنطن وكامب ديفيد فإنها تصورت خطأ أن الظروف باتت مواتية لتحصل من الرئيس الأمريكى على كل ما تريده، واضعة فى اعتبارها أن إيران هى العدو الأول ومصدر الخطر الأساسى الأولى بالمواجهة، لذلك وضعت فى اعتبارها تحقيق هدف محدد فى محادثاتها مع الرئيس الأمريكى هو توقيع معاهدة دفاع مشترك أمريكية- خليجية على غرار معاهدة حلف شمال الأطلسى تتعهد فيها الولايات المتحدة كتابة بالدفاع عن أمن واستقرار هذه الدول ضد كل تهديد. والمستهدف هنا بالتحديد هو إيران، وليس إسرائيل بالقطع لأن الأمريكيين لن يتحالفوا مع أحد ضد إسرائيل، ولأن إسرائيل لم تعد على أجندة هذه الدول كمصدر للتهديد وفقاً للعديد من التأكيدات والتلميحات الإسرائيلية بهذا الخصوص.
الدافع الرئيسى لهذا المطلب الخليجى كان إجراء تعديل جوهرى فى معادلة توازن القوى فى الخليج التى تعمل الآن لمصلحة إيران. فإضافة القوة الأمريكية إلى جانب ما هو موجود من القوة الخليجية يجعل توازن القوى فى مصلحة الدول الخليجية وليس فى مصلحة إيران، وعندما يتحقق ذلك يكون للدول الخليجية القدرة على منع، أو على الأقل، احتواء وضبط التهديدات الإيرانية وإجبار إيران على التراجع إلى الخلف والتوقف عن العبث فى الخريطة السياسية العربية.
لا أدرى كيف تصور الخليجيون ذلك وهم، كغيرهم، يتابعون ما يصدر عن واشنطن من حرص على التقارب والتفاهم مع إيران ابتداءً من الاعتراف بإيران كقوة نووية، وامتداداً إلى التفاهمات الأمريكية مع إيران فى العراق وسوريا وحتى فى اليمن، كما أنهم يتابعون مسيرة الغزل الأمريكى مع إيران وعلى لسان الرئيس الأمريكى نفسه، وهو الذى قالها بكل وضوح فى لقائه مع الصحفى الأمريكى توماس فريدمان (صحيفة نيويورك تايمز 4/4/2015) إنه « لا يرى فى الخليج غير قوتين أساسيتين: إيران وإسرائيل». واستبعد أن تكون إيران مصدراً لتهديد السعودية أو الدول الخليجية وقال إن «مصادر تهديد هذه الدول كامنة فى داخلها» من السياسات الخاطئة والإقصاء الذى يشمل قطاعات شبابية واسعة، وفى لقاء مطول له مع موقع «بلومبرج» عندما سُئل عن العرب وإيران قال: «عندما تنظر إلى السلوك الإيرانى ستجد الإيرانيين إستراتيجيين، وليسوا متهورين، يملكون رؤية عالمية، ينظرون إلى مصالحهم ويستجيبون لعوامل (التكلفة- العائد)». وزاد على ذلك أن «إيران دولة كبيرة وقوية ترى نفسها لاعباً مهماً على المسرح العالمي. لا أظن أنها تملك رغبة انتحارية بل تملك الاستجابة للحوافز».
لم يعد الخليجيون من واشنطن بالحسرة فقط، بل وبالصدمة أيضاً بعد كل ما ورد على لسان الرئيس الأمريكى من تصريحات فى لقائه الصحفى عقب انتهاء محادثاته مع القادة الخليجيين فى منتج كامب ديفيد، الذى استبعد فيه أى تحالف مكتوب، وقدم وعوداً بتسليح وتدريب جيوش هذه الدول، وتعهد بالدفاع عنها ضد أى تهديد خارجى لكنه رفض أى موقف أمريكى عدائى ضد إيران، ليس هذا فقط بل رفض أيضاً أى موقف خليجى عدائى ضد إيران، ودعا إلى التوافق بين الطرفين: الخليجيين (الحلفاء القدامي) وإيران (الحلفاء الجدد)، وقال إن «إنهاء التوترات فى المنطقة وحل صراعاتها المدمرة سيتطلب حواراً أوسع يشمل جيرانها فى دول مجلس التعاون»، وزاد على ذلك أن «الولايات المتحدة لا تسعى إلى عزل إيران من خلال تعزيز التعاون مع حلفائها الخليجيين».
ما حدث للعرب الخليجيين فى واشنطن وكامب ديفيد من أوباما وإدارته حدث لمصر وكل العرب فى نيويورك حيث كانت تدور وتجرى أعمال دورة مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهى الدورة التى اختتمت يوم الجمعة (22 مايو 2015)، برفض أمريكى بريطانى كندي، وخلفهم إسرائيل لمشروع مصر الداعى إلى عقد مؤتمر دولى فى الأول من مارس 2016 للبحث فى «جعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من أسلحة الدمار الشامل بمشاركة إسرائيل أو بعدم مشاركتها».
قاد الأمريكيون كعادتهم حملة رفض لطلب مصر والعرب ودول عدم الانحياز بضرورة توقيع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وأجهضوا دعوة مصر أن يتضمن مشروع البيان الختامى تحديد الأول من مارس 2016 موعداً نهائياً لمؤتمر يتناول النووى الإسرائيلي. لم يكتف الأمريكيون بقيادة حملة دولية داخل المؤتمر لرفض الطلب المصرى بل إنهم حمَّلوا مصر مسئولية إفشال صدور البيان الختامي، حيث تبجح الدبلوماسى الأمريكى روبرت وود أمام المؤتمر بالقول إن «إصرار مصر على مقترحها كان مفاجئاً، والقاهرة هى من ينبغى توجيه اللوم إليها».
مساعدة وزير الخارجية الأمريكية لشئون نزع السلاح والأمن الدولى روز جوتميلر بررت موقف بلدها من مصر ومن التعدى السافر لجعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من أسلحة الدمار الشامل بأن «مسودة البيان لا تتفق مع السياسة (الأمريكية) المتبعة منذ زمن بعيد» [سياسة حماية القدرات النووية الإسرائيلية]، ولا تحوز على «موافقة كل الأطراف المعنية» فى إشارة إلى إسرائيل، وزادت بالقول أن بلادها تفضل «ألا تكون هناك وثيقة نهائية على أن تكون هناك وثيقة سيئة» [ أى لا ترضى عنها إسرائيل].
من هنا جاءت رسالة الشكر التى بعث بها بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى الرئيس الأمريكى باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيرى على «عرقلة حملة تقودها مصر لحظر محتمل للأسلحة النووية فى الشرق الأوسط».
كل هذا ليس جديداً على أمريكا لكن الجديد القديم هو أننا لم نفكر بعد ماذا سنفعل بعد أن أصبح فشلنا مع هؤلاء الأمريكيين مضاعفاً، وبعد أن كشف الأمريكيون والبريطانيون استهزاءهم بالدعوة المصرية التى تعد استهزاءً بأهم مرتكزات معاهدة الانتشار النووى وأقصد مرتكز «منع انتشار الأسلحة النووية»، إضافة إلى تجاهلهم واستهزائهم أيضاً بالمرتكز الثانى الخاص بـ «نزع الأسلحة النووية» فهم يسوفون منذ توقيعهم على هذه المعاهدة دعوة نزع أسلحتهم النووية.
كل هذا يضع مصر والعرب حتماً أمام سؤال: وماذا بعد؟
رضوخ أم قبول التحدى والتوقف عن عبث ترديد مقولة إن الولايات المتحدة حليف إستراتيجي.

نقلا عن الأهرام