على مدار الساعة
أخبار » منشورات

تديين الجيش الإسرائيلي في إطار التأثر والتأثير متعدد المجالات

10 حزيران / مارس 2018
جنود الاحتلال الصهيوني
جنود الاحتلال الصهيوني

"أرفع عيني إلى السماء وأدعو معكم "اسمع إله إسرائيل الواحد" سدد طريقنا فنحن ذاهبون لنقاتل من أجل شعبك إسرائيل ضد عدو يسب اسمك، وأدعوك باسم مقاتلي جيش الدفاع الإسرائيلي وخاصة مقاتلي اللواء وضباطه أقم فينا قول "وقل إلهكم الذي يقاتل معكم أعداءكم لينقذكم" ونقول آمين"

عوفر فينتر. قائد اللواء جفعاتي في (بيان القائد للمعركة) عشية الهجوم على غزة عام 2014.

"كيف لإسرائيل أن تصبح دولة يهودية من دون يهودا (الضفة الغربية)

بنيامين نتنياهو في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

مقدمة:

يحتل تحليل العلاقة بين الدين والإيدولوجيا من جهة و الجيش والعقيدة العسكرية من جهة أخرى، مكانة مهمة في الحديث عن النظم السياسية وبنى الدول، ولكن هذه الأهمية تتضاعف في حالات معينة لعل إسرائيل من أبرزها, بسبب طبيعة تشكلها والخلفية العقيدية الدينية التي حكمتها وحكمت وجودها.

ليس مفاجئا بالتالي أن تستند شعارات الدولة جميعها إلى المرجعية الدينية، وقد تم اختيارها بعناية من المخيال الأسطوري للتوراة وقصص الأنبياء، كإشارة إلى حالة الاستمرار في الزمان والمكان، فبالنظر إلى كلمات النشيد الوطني  (هاتكفا = الأمل):" لم يفقد بعد الأمل، أمل الألفي عام، في العيش شعب حر في أرض صهيون ويروشلايم"، والشمعدان (المنوراة[1] شعار دولة إسرائيل مستمد من التناخ[2] حيث ذكر بلفظ (منوراة) (كتاب زكريا: فصل 4 آية 203)"، كما يستمد العلم ألوانه وشكله من الشال (الطليت) اليهودي المستخدم أثناء تأدية الصلوات والذي يعودون به إلى آلاف السنين، وقد ذكر مصمم العلم داوود ولفسون بعد رفعه لأول مرة في بازل "الطليت التي نتلفع بها في صلاتنا هي رمزنا"، واللون الأزرق هو الأزرق المقدس (أسمانجوني)[3] ، وله درجة معينة ليكون صحيحا ومقبولا،  وقد وردت كلمة (أسمانجوني) سبع مرات في الإصحاح 39 من سفر الخروج وفي أماكن أخرى وجاء فيه "ومن الأسمانجوني والأرجوان والقرمز صنعوا ثيابا منسوجة للخدمة في المقدس وصنعوا الثياب المقدسة التي لهارون كما أمر الرب" (خروج39:1) ورد في سفر استير: 8 " خرج مردخاي من أمام الملك بلباس ملكي أسمانجوني وأبيض وتاج عظيم من الذهب"، كما أن إسرائيل ربما هي الدولة الوحيدة في العالم التي تقدس الجيش والعنف والجنود انطلاقا من المخيال الأسطوري الديني الذي يشكل نواة جوهرية في بنائها ورؤيتها لنفسها وللعالم، كل هذا وغيره يجعل الإطار الديني مقبولا ومتآلفا مع بنية وطبيعة الدولة.

يهدف هذا البحث إلى إلقاء نظرة موسعة على صعود المتدينين اليهود الصهاينة من هامش إلى مركز علاقات السلطة والتحكم عبر مدخل الجيش، بالاستناد إلى فرضية المجالات المتداخلة متبادلة التأثير والتي لا تستند فقط على الحضور الشخصي للمتدين الصهيوني في خارطة النفوذ، بل إلى الإطار العام المتدين ضمنا الذي يسهل هذا النفوذ كإطار اجتماعي سياسي شامل، حيث يمثل الجيش كهفا ببابي دخول وخروج، يتم فيه دمج التأثيرات وبلورتها وإعادة تصديرها إلى المجتمع وباقي مجالات الدولة.

وقد قمت بتقسيم البحث إلى قسمين مترابطين من حيث الجوهر، فالقسم الأول تناول الإطار العام لعلاقات التأثير وتهاوي النخب الأشكنازية وقيم الصهيونية العلمانية التي تكشف عن انعدام الأصالة ومساعي تديين الجيش وتقدمها ووضعها الحالي.

القسم الثاني نموذج تطبيقي للعلاقة التأثيرية بين الجيش والتربية والمخيال الأسطوري الجمعي عبر دراسة ( المسادة) في إطار التربية والتاريخ ودورها في المجتمع وإنشاء المعايير الجمعية.

الجيش والتربية والدولة:

يظهر حجم التأثير الحقيقي للمؤسسة العسكرية في أجهزة البنيان السياسي للسلطة عبر قناتين:

الأولى: تشارك المؤسسة العسكرية في رسم السياسات الراهنة والمستقبلية المتعلقة بموضوعي الأمن والدفاع وكلاهما موضوع أساسي في إسرائيل وكل القضايا الأخرى تخضع بصورة كلية تقريبا لضرورات هذين الموضوعين على النحو الذي تقرره المؤسسة العسكرية.

تظهر القناة الثانية في كون قادة المؤسسة العسكرية يلعبون دورا بارزا في قرارات المجلس الوزاري المصغر (الحكومة الأمنية) سواء من خلال عضوية وزير الحرب أو مشاركة رئيس الأركان وقادة الأسلحة والأجهزة بصفة استشارية.

وقد اعتبر البروفيسور يورام بيري أن أهمية الجيش والنخب العسكرية بالذات تبرز في تداخلها مع النخبة السياسية ما يعني أن النخب العسكرية لا تستخدم كأداة لتطبيق السياسة التي يقرها السياسيون فحسب، بل هي عنصر حاسم في العمل السلطوي التكافلي حيث يعتبر الجيش مخزنا للقيادة السياسية، وشارك كبار الجيش مشاركة كاملة ومركزية في بعض الأحيان في اتخاذ القرارات بما في ذلك شؤون غير عسكرية[4].

يصف كلود كلين أستاذ القانون[5] الجيش بأنه «مدرستنا الوطنية للإرادة، فالجيش فعلا هو أكبر مزود لرجال السياسة» فعندما يغادر الضباط زيهم العسكري إلى وظائف مدنية برواتب مجزية تخصص لهم الشركات الوطنية التابعة للدولة أو المختلطة، إذ أن شركات المياه والهاتف والكهرباء واستيراد البترول والأسلحة يسيرها متقاعدون من الجيش، وبالتالي يعتبر الجيش مصعدا اجتماعيا حقيقياً لكثير من الإسرائيليين[6].

وهكذا لعب الجيش دائما دورا سياسيا هاما في إسرائيل[7] أحد هذه الأدوار باسم الجيش نفسه، والثاني من خلال الضباط الكبار الذين يعاد تدويرهم مرة أخرى كسياسيين، ونادراً ما تخلو المقاعد العشرة المضمونة في الكنيست للأحزاب الرئيسية من جنرالات سابقين لعبوا أدواراً عسكرية أساسية.

ويناقش ميخائيل وارشوفسكي[8] فرضيا، وجود تيار يميني متطرف ومنظم داخل الجيش وداخل أجهزة الأمن المتنوعة يعارض عملية السلام ويقوم بمبادرات لتخريبها، وهكذا فالجيش يشكل حاضنة ملائمة لتيار يميني قوي تمثل في قائمة طويلة من الجنرالات وصل كثير منهم إلى مناصب وزير ورئيس حكومة ويؤكد وارشوفسكي أنه منذ 1996 وما بعدها أصبح الجيش سلطة فريدة في حقوقها الخاصة وعلاقتها بالحكومة وقد اعترف شمعون بيرس بسيادتها الخاصة ودعمها بنيامين نتنياهو وأيهود باراك الذي جعل الجيش حزبه السياسي الحقيقي وكذلك (أبو الجنود) أرئيل شارون.

في دراسة قام بها عالم النفس الإسرائيلي (جورج نامارين)[9] لبحث آثار التعصب على الأحكام الأخلاقية توصل إلى: 1- وجود التعصب في ايدلوجية الشباب الإسرائيلي. 2- تأثير تدريس التوراة بطريقة غير نقدية. وقد ركز تامارين على أكثر صور التعصب تطرفا وهي صورة الإبادة الكاملة للجماعة المعادية وأعد لها استبيانا أجاب عليه 563 فتى و 503 فتاة من مختلف الأعمار ومختلف المدارس. وقد تطرقت الاستمارة لسفر (يوشع بن نون[10]) الذي يدرس من الصف الرابع وحتى الثامن وكان السؤال كما يلي «انك تعرف جيدا المقتطفات من سفر يشوع والتي تقول" فهتف الشعب وضربوا الأبواق، كان حين سمع الشعب صوت البوق أن هتف هتافا عظيما، فسقط السور من مكانه وصعد الشعب إلى كل رجل وأخذوا المدينة وقضوا على كل من فيها، بغير تفرقة بين رجل وامرأة وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف" (يشوع 6، 20). و " خذ يشوع مقيدة في ذلك اليوم وضربها بحد السيف وحرم ملكها هو وكل نفس بها، لم يبق شاردا، وفعل بملك مقيدة كما فعل بملك أريحا ثم اجتاز يشوع من مقيدة وكل إسرائيل معه إلى لبنة وحارب لبنة فدفعها الرب هي أيضا بيد إسرائيل مع ملكها فضربها بحد السيف وكل نفس بها فلم يبق بها شاردا، وقتل ملكها كما فعل بملك أريحا" (يوشع 10، 28، 30)، أجب على السؤالين التاليين: 1- هل تعتقد أن يوشع بن نون والإسرائيليين قد تصرفوا تصرفا صحيحاً أو غير صحيح؟ اشرح لماذا اخترت هذا الرأي. 2- لنفترض أن الجيش الإسرائيلي احتل خلال الحرب قرية عربية فهل هو حسن أو سيء أن يتصرف على هذا النحو مع سكان هذه القرية كما تصرف يشوع بن نون مع شعب أريحا؟ اشرح لماذا؟»

وقد اختار الإبادة الكاملة كما يشوع ما بين 66% و 95% من إجابات التلاميذ الأطفال على السؤال الأول، ومما جاء في تبرير بعض التلاميذ «ليس من المرغوب فيه أن يكون في إسرائيل عنصر غريب». أما السؤال الثاني فقد أجاب 30% من التلاميذ بنعم، وقد أحدثت هذه الدراسة ونتائجها ضجة كبرى في إسرائيل والسبب أنها كشفت بطريقة علمية وموضوعية عنصرية المجتمع الإسرائيلي. وإضافة إلى مجال التربية من المؤشرات أيضا دخول العسكر بقوة إلى الساحة الاقتصادية كأصحاب شركات أو مدراء شركات في القطاع العام والخاص، وارتباطا بصعود القوة من جديد التي تحركها الايدلوجيا صار الأمنيون مركزيون في السياسة دون أن تتراجع مركزية السياسة  في الأمن.

الإطار العام

رغم خطاب العلمنة، ورغم سيطرة الصهيونيين العلمانيين فعليا على الدولة، بشكل كلي حتى عام 1977، وبشكل شبه كلي فيما بعد حتى انتخابات 2005، إلا أن من المعروف أن نفوذ التيار المتدين، سواء الحريدي أو الصهيوني كان موجودا بأشكال مختلفة تتقلب مع طبيعة الحكومات وحجم المقاعد التي تحتلها في الكنيست، وإذا كان نفوذ هذه الأحزاب انحسر في موضوعات معينة – مع التذكير باتفاق ديفيد بن غوريون مع التيار الأرثوذكسي- مثل الميزانيات ودعم المشاريع الفرعية التربوية والصحية وغيرها لهذه القوى، إلا أنه لا يمكن عزل التأثيرات المتبادلة بين فروع الدولة ومنظومتها القيمية وبالعكس.

فإذا كانت إسرائيل قامت بناء على وعد الرب، فإن الحضور المقدس سيكون فاعلا ومؤثرا في مختلف المجالات، وبالتالي يذهب هذا التحليل إلى العلاقة المركبة بين عناصر الدين والعسكر ومنظومة الدولة ككل، وكيف تتبادل التأثير حيث كل تغير في أحد هذه العناصر سيقود حتما ولو تراكميا إلى تغير جذري في العناصر الأخرى مع الأخذ بعين الاعتبار وجود عناصر أساسية إضافية لا يناقشها النص.

نظرة سريعة على السير الذاتية لأعضاء الكنيست، تكشف كيف تحتل الخدمة العسكرية مكانتها في هذه السير، وإذا كان من الطبيعي أن جميع أعضاء الكنيست (باستثناءات ذات خصوصية) خدموا في الجيش، إلا أن أغلبية منهم يحوزون رتبا قتالية متقدمة، إضافة إلى هذا لا يتردد السياسيون الإسرائيليون وكذلك العسكريون من استخدام الايدلوجيا الدينية والنصوص الدينية للتعبير عن أفكارهم أو تبرير سياساتهم، حتى أعتى عتاة العلمانيين منهم، حيث تحضر القيم الدينية بقوة في الخطاب العلني لهؤلاء،  مع العلم أن وزارة الأديان كانت من أوائل الوزارات التي تم إقرار جودها وضرورتها في حكومة بن غوريون الأولى والتي تولاها الحاخام ج.ل هاكوهين الذي وصف صلة اليهودي بـ"أرضه" بأنها "مباشرة وسماوية وأبدية لا تشبه صلة الأغيار بها".

ولطالما ساهمت بل وحسمت في أحيان كثيرة الفتاوى الدينية المستندة إلى النصوص المقدسة، طبيعة واتجاه صياغة أوامر القتال والسلوك الميداني للجنود وأفراد الجيش:

في عام 1967كتب موشي دايان رسالة إلى جنود اللواء التاسع أثناء الحرب[11]  في استعادة لنشيد موسى القديم "اسمعي يا شعوب المقهورين فليتملك الخوف منا الفلسطينيين وليرتعب من هولنا صناديد البتراء ولترتجف عمواس ومؤاب وليتطاير كل سكان كنعان ويخيم على سمائهم الذعر والرهبة بجبروت بطشك وفجرهم كالحجارة عندئذ ينتقل شعب الله المختار إلى حيث أراد لهم الله".

وفي عام 1973 تم تعميم كتيب أعده الكولونيل الحاخام أ.أفيدان (زيميل)  صدر عن المنطقة الوسطى بعنوان (طهارة السلاح في ضوء الهالاخاة[12]) ورد فيه "عندما تلتقي قواتنا بمدنيين خلال الحرب أو خلال ملاحقة ساخنة أو غزو ولا يكون مؤكداً أن أولئك المدنيين غير قادرين على إيذاء قواتنا فوفق أحكام الهالاخاة يمكن لا بل يجب قتلهم والثقة بعربي غير جائزة في أي ظرف". وتشير شولاميت آلوني أن دعاية حركة حباد[13] زادت بصورة ملحوظة قبل اجتياح لبنان عام 1978 لحث الأطباء والممرضين العسكريين على عدم تقديم الإسعافات الطبية للجرحى الأغيار فـ "قواتنا مصرح لا بل هي مأمورة وفق أحكام الهالاخاة أن تقتل حتى المدنيين الطيبين"[14].  وعام 2014 وجه الكولونيل عوفر فنتر الذي تمت ترقيته مؤخرا رسالة إلى جنود اللواء جفعاتي الذي كان يقوده مرفقا إياها بنص توراتي قال فيها "لقد اختارنا التاريخ لنقود الحرب على العدو الغزاوي الإرهابي الذي يلعن ويذم ويكره رب إسرائيل ".

توزيع مثل هذه الرسائل ليس جديداً أو استثنائياً، ففي عام 2009 وزع مساعدو الحاخام العسكري كتيبات ذات محتوى ديني مؤطر في سياق الربط بين هذه الحرب وحروب يوشع بن نون، أيضا قام هؤلاء بتوزيع أوشحة الصلاة على جنود علمانيين، فعلوا ذلك أمام كاميرات الإعلام، وساهمت أفعالهم بتحويل (العملية العسكري) إلى حرب مقدسة.

في عام 2012 أصدر حاخامات الجيش كتيباً يعتبر أن القانون الديني فوق الدولة العلمانية وقوانينها، وعكس ذلك تمسك الحاخام رافي بيرتس خليفة أفيخاي رونتسكي في المنصب بإرث سلفه عبر الإصرار على تكليف الحاخامات برعاية (الوعي الذاتي اليهودي) لدى جميع الجنود وهو ما أقرته قيادة الجيش رغم الاعتراضات عام 2013 ما أفرغ قسم التربية من محتواه وحد من وظيفته.

في سياق ما سبق يمكن تسجيل منح الحاخام إيلي سدان خريج المركاز هراف والرجل الذي وقف وراء إقامة الأكاديميات الدينية ما قبل العسكرية جائزة إسرائيل الأرفع العام الماضي، أو تعيين المدعي العام العسكري السابق لواء احتياط أفيحاي مندلبليت سكرتيرا للحكومة وهو عضو بارز في التيار الصهيوني الديني وكذلك مستشار الأمن القومي لواء احتياط يعقوب عميدور، أو تعيين إيال قريم حاخاما أكبر للجيش رغم تصريحاته العنصرية التي يندى لها جبين بلد ديمقراطي حقا، ويكتسب هذا أهميته من نفوذ الحاخامية العسكرية الواسع التي تمتد مسؤولياتها لرعاية الجنود المتدينين ومراقبة المحافظة على قيم وأحكام وتعليمات الدين الأساسية التي تنطبق على كل الجنود وليس فقط أتباع التيار الديني، وهي مروحة واسعة من القوانين تبدأ من الطعام الحلال (الكوشير) الذي يعد في المطابخ الرسمية، لجميع الجنود، إلى حرمة يوم السبت والمشاركة في الأعياد.

وكان الحاخام شلومو غورين (1917-1994) الذي تولى المنصب كأول شخص يحتله عام 1948، واستمر حتى 1972 وأصبح بعدها رئيس حاخامات الأشكناز(1973-1983) قد فرض على جميع الجنود المشاركة بما يعرف بفعاليات الإحياء عشية السبت (تذكر بخلاص اليهود من مصر) ومنذ ذلك الحين يتم (تنوير) الجنود جميعا من قبل الحاخامات حول تقاليد الأنبياء وما يزال ارث غورين مستمراً، وفي الواقع تعتبر سيرة الحاخام أفيشاي رونتسكي الذي تولى المنصب عام 2006 نموذجا دراسياً جيدا فهو إضافة إلى كونه مولودا في فلسطين سار تجربة ( تشوفا[15]) العودة إلى الدين متحولا من العلمانية إلى التدين، ورغم أن هذا حدث بدوافع سياسية اثر انضمامه إلى حركة المستوطنين المسلحة، عام 1984، ومشاركته في تأسيس مستوطنة ايتمار جنوب نابلس (حيث يشغل منصب كبير حاخاماتها الآن) إلا أن قصته تبرز التأثير المتبادل في سياق مجالات المجتمع الإسرائيلي عموما والاستيطاني بوجه خاص، حيث مثل هذه التحولات لا تتوقف.

ورغم أن تعيين رونتسكي جاء لجسر الهوة بين مجتمع المستوطنين المتدينين القوميين من جهة والجيش من جهة أخرى، إلا أن رسول المصالحة خان مهمته وعمق الاستقطاب بدلا من صنع المصالحة، وقام بإرسال مساعديه إلى الجبهة الأمامية لزرع روح القتال الدينية لدى الجنود.

ورغم أن أفعاله المذكورة أعلاه أثارت ضجيجا ومعارضة واضطرته إلى الاستقالة عام 2010، إلا إنه عاد وحض الجنود على قتل الفلسطينيين كواجب مقدس، وخليفته رافي بيرتس ليس أقل تشددا منه ولكنه أقل ضجيجا بالتأكيد، ففي عام 2010 وبعد تعيينه مباشرة قررت قيادته منع الجنود المتدينين من المشاركة في الحفلات التي تقيمها الفرق الموسيقية العسكرية بسبب وجود نساء غير محتشمات فيها، وأجبر جميع الجنود على القيام برحلات استكشافية لزيارة أضرحة الحاخامات المشهورين[16].

هذه الأحداث لا يمكن اعتبارها مجرد صدف وظيفية و كذلك الأمر وصول يائير نافيه لمنصب نائب رئيس هيئة الأركان والمرشح لشغل منصب رئيس الهيئة، أو وجود 6 وزراء ونواب وزراء على الأقل من المستوطنين المتطرفين، هذا جزء من البنية ونتيجة طبيعية لسياق تديين الدولة ومن ثم الجيش.

مما لاشك فيه أن كون الجيش مؤسسة وطنية عامة فإنه يتأثر ويؤثر بكل المعطيات التي تؤثر في الدولة ككل، لاحظنا كيف أن تغير قيم جيل الألفية الجديدة، والطبقة الأشكنازية الوسطى قد أثر بعمق على نوعية التجنيد وتدفق أعضاء الكيبوتسات إلى الجيش، وهذا انعكس في تركيب ليس فقط وحدات قتالية بل مستوى القيادات العسكرية أيضا، واحتلال أعضاء التيار الديني الصهيوني لمناصب عامة، كما أن شبكة المصالح الحزبية تؤثر بشكل كبير عبر نظام التوازنات والتفاهمات الضمنية التي تمتد تأثيراتها في مختلف مؤسسات ومناحي الحياة في الدولة.

من جهة أخرى فان خروج الجنرالات إلى الحياة المدنية العامة وتبوئهم مناصب أساسية في قطاعات الاقتصاد والتربية والسياسة والحياة الحزبية يعزز عسكرة المجتمع ونفوذ العسكريين وعقليتهم على هذا المجتمع.

يميل الكاتب إلى اعتبار قطاع التربية أساسيا في هذه العلاقة التأثيرية المعقدة، وعملية التغذية الراجعة ما بين القطاعات الثلاث السياسية والعسكرية والتربوية التعليمية هي التي تصوغ في النهاية شكل وطبيعة الدولة والمجتمع.

شعب الله وجيشه:

تحتل العلاقة بين الشعب والرب في الأيدلوجية الدينية القومية الصهيونية مكانة مركزية، كمبرر وسبب في آن معا، وقد ورد في كتاب مدرسي أن الدين اليهودي دين وقومية معا، ومن يخرج من الدين اليهودي ويعتنق دينا آخر يخرج بذلك من القومية، وهذا هو جوهر رفض الحكومة ووزارة الداخلية وضع كلمة (إسرائيلي) في خانة الجنسية في بطاقات التعريف الشخصي التي تصدرها، كون ثمة آخرون ليسوا يهودا، باعتبار أي وثيقة حكومية هي في الأساس منتجة بشكل حتمي للتمييز بين السكان على أساس ديني. فالاستحواذ على الأرض بقوة السلاح، تأسيسا على وعد إلهي، لا يمكن فصله، عن كون هذا الشعب حاز هذا الميراث تأسيسا على كونه الشعب المختار والمفضل، مع ملاحظة أن (يهوه) والذي هو (رب الجنود) لا يعترف أصلا بباقي الشعوب بما يسمح بأي مفاضلة، يصبح الوعد، وكون هذا الوعد منح للشعب المختار تحصيل حاصل، وبما أن الحرب عمل مقدس، ولا داعي لتكرار ذكر نصوص التوراة التي تحرض على الحرب وخوضها باعتبارها عملا مباركا من الرب، من الطبيعي أن تحتل القوة العسكرية منزلة عليا في الضمير الجمعي ما يفسر قداسة الجيش، وأنه وحتى وقت قريب كان انتقاده من المحرمات، وطالما اعتبرت الخدمة العسكرية طريق عبور اجتماعي ضروري نحو مواطنة فاعلة، نتيجة اعتماد المجتمع على الجيش في قدرته أكثر من أي مؤسسة وطنية أخرى –بل كمؤسسة وحيدة – على احتواء الاختلافات في الأيدلوجية والإثنية والمجتمع والسياسة.

ورغم الدور الجوهري للجيش إلا أن جميع الأطراف تدرك أيضا أن التحكم بالجيش هو نتاج التحكم بالدولة ويدرك المتدينين أن تأثيرهم على الأحداث لن يكون كبيرا من دون أن يكون لهم موطئ قدم في الجيش مع السعي للوصول إلى المناصب القيادية سواء في الأركان العامة أو الوحدات القتالية، وهذا ما بلور الوضع القائم بأن تأثير الدين والقوى الدينية وبتشعباتها الكثيرة تجاوز المجال الاجتماعي والعقائدي إلى السياسي والأمني أيضا[17].

هبوط وصعود

في الإطار الميداني المباشر للتحليل لا يمكن تحليل صعود المتدينين والصهيونيين على وجه الخصوص في مركز الجيش والتصاعد الديمغرافي لتأطرهم العسكري دون تحليل تراجع الطبقة الوسطى الأشكنازية والكيبوتسية العلمانية بالذات وتدني اهتمامها والتزامها بالخدمة العسكرية فهما مساران مترابطان جدليا.

قبل هذا يمكن وصف هذه التحولات ببساطة عبر شهادة قائد عسكري صهيوني يقول "تجندت للجيش في نهاية الثمانينيات ضمن وحدة خاصة، وجميع المتجندين فيها باستثناء اثنين كانوا من العلمانيين من أبناء الكيبوتسات والموشافيم، واستمرت عملية التأهيل عاما ونصف عام خلالها خلع الجنديين المتدينين قلنسوتيهما ولم يكن أي من قادة الوحدة متدينا، وبعد 18 عاما عدت كقائد للوحدة، وكان تركيبها قد تغير تماما، حيث 40% من قيادات الطواقم وأكثر من 30% من المسؤولين الكبار كانوا من المتدينين، كما ظهر أن 40% من المتقدمين لامتحانات التصنيف التي تجري قبل التجنيد كانوا من معتمري القبعات"[18] ، فكيف يمكن تفسير ذلك؟

كانت حرب 1967 والانتصار فيها عززت قيم القتال وضرورة الحفاظ على الأرض الموعودة والمستعادة كما وردت في الكتب المقدسة، وترافقت مع تصاعد الأيدلوجية المتطرفة المرتبطة بالقوة العسكرية المنتصرة والمنتشية بالفوز، فإنها ولدت أيضا وتدريجياً، ما يمكن تسميته في المقلب الآخر متلازمة ما بعد البطولة والسعي لجني الأرباح، من قبل الطبقة الأشكنازية التي كانت "مادة الدولة وجوهرها" منذ أيام المستوطن الطليعي وهم من "استعاد جبل الهيكل ويبسطون سيطرة إسرائيل على (يهوذا والسامرة)، فقد ساعد الاحتلال على اكتشاف محاسن الكولونيالية عبر احتلال اقتصاد الضفة وقطاع غزة ما وضع في يدها سيلا دافقا من اليد العاملة الرخيصة المتحكم بها، وأسواق واسعة، ما يفسر طفرة النمو التي حدثت في ذلك العقد، فما الذي حدث بعد ذلك؟ بعد حرب 1973 تراجع النمو الذي سبب النشوة، بسبب النفقات العسكرية الكبيرة واستمرار سياسة الرخاء الواسعة التي دشنتها حرب 1967 هذا المسار أوصل التضخم المالي منتصف الثمانينيات إلى 400% وأدى هذا باختصار شديد التكثيف إلى انهيار بنى المجتمع الذي صاغته حركة العمل والطبقة الوسطى الأشكنازية وتوج مع أسباب أخرى بهزيمة حزب العمل وصعود الليكود، وترافق مع بزوغ مسار صعود الشرقيين وصعود طبقة من العمال الأرستقراطيين بسبب تدفق العمالة العربية، ما أحدث شرخا في "ضمير" الحركة الصهيونية وفكرتها عن "طهارة العمل العبري" وهكذا اكتشفت إسرائيل إنه إذا كان ثمة باب أمامي لمحاسن الكولونيالية فإن ثمة باب خلفي لمساوئها. ومع الوقت تعزز لديهم وعي الحق بجني أرباح ما صنعوه وصولا إلى شعار توزيع العبء والتوجه نحو وظائف مرموقة مرضية ماديا ومريحة في الاقتصاد والتكنولوجيا والإدارة، تتناسب مع التغيرات الثقافية- وعي الاقتصادية، التي ألمت بهم بالترابط مع تراجع ونفاذ نظام المحفزات المادية التاريخي، كما إن وأيضا، التطورات الاقتصادية الاجتماعية منذ منتصف الثمانينيات والناجمة عن الأزمة الاقتصادية المذكورة أدت إلى نزوع قطاعات واسعة من الإسرائيليين نحو الفردانية وتغليب المصلحة الخاصة على العامة ما أدى إلى تراجع الدافعية نحو التطوع للخدمة العسكرية، في الوحدات المقاتلة، بالنظر إلى ضعف عائدها المادي مقارنة مع الوظائف الأخرى، إضافة إلى نمو وعي بزوال الخطر بعد اتفاقيات التسوية وإدراك التكلفة الهائلة للصراع ما أدى إلى تآكل القيم القتالية وإضعاف السمات المميزة للمحارب الإسرائيلي وهذا كله أثر على الاستعداد لتقديم التضحية وهي قضايا سنعود إليها في سياق مواز هو سياق صعود المتدينين.

مسار التديين

اتخذ تقدم المتدينين سياقات متعددة رسمية وشعبية ومؤسسية غير نظامية، ولعل الخطوة الأولى كما ذكرنا كانت اعتراف ديفيد بن غوريون والوكالة اليهودية ثم الهيئة التأسيسية و الحكومة الأولى بالوضع الخاص للمتدينين وبداية طريق الابتزاز التاريخي للدولة من قبل هؤلاء، فالاتفاق الذي اقره بن غوريون مع الأحزاب الدينية حينها شكل القاعدة الموضوعية والقانونية لكل ما لحق به وللأزمات التي تسبب بها أيضا، وكانت تلك الخطوة الأولى المضمرة والتي تنتظر فرصة القفز نحو تديين الدولة والجيش ليكون جيشا يهوديا، ولعل القسم وطريقة أدائه يبرز كمثال واضح حيث يقسم العلماني بالولاء للدولة ويقول "أنا أقسم" فان المتدين يرفض ذلك ويستثنى قانونا ليقول "أنا أعلن" كتعبير عن الالتزام بالدين والرب فهو يقسم بالولاء لربه فقط وليس للدولة وقوانينها الوضعية[19].

لكن نقلة أخرى مهمة حدثت – في تكثيف لمسار الزمن- عام 2000، عندما تم استبدال الرمز الأخلاقي السابق للجيش الصهيوني الذي يعكس التوازن بين المهنة والقيم العالمية، بوثيقة تشدد على القومية المتماهية بالدين.

حيث قام الجنرال إليعازر شتيرن بحكم منصبه كقائد للتوجيه المعنوي باستبدال رمز الجيش بوثيقة ركزت على الصفة اليهودية للجيش الصهيوني، بعد حملة عنيفة شنها التيار القومي على الرمز القديم الذي يحدد الهوية القيمية للجيش[20].

وكما زعمت الفاشية الإيطالية إنها ضد الدين الرجعي، وهددت بإغلاق الكنائس بعد ذلك إلا إنها عام 1929 ولتجذب جموع المتدينين عقد موسوليني اتفاقية لاتيران مع الفاتيكان ليس فقط متعهدا بعدم المس بأراضي الكنيسة بل أيضا منح الفاتيكان المزيد من القوة لم يحلم بها منذ تأسيس إيطاليا عام 1870، كذلك فعلت الصهيونية بتحالفها مع قطاعات اليهودية الرجعية، واتفاقية بن غوريون مع زعماء المتدينين السابق ذكرها.

الحاخامية الرسمية من جانب ثان لعبت دورها بالكامل في تعزيز القيم الثقافية الدينية في إدارة الحياة العسكرية وفرضها قيم الشريعة والمناخ التربوي الديني على الجنود في الوحدات العسكرية من جهة وإسباغ التفسير الشرعي المشحون بالمعاني والرموز على المهام العسكرية فالجندي يتبع طريق موسى المحارب ويوشع بن نون ويفتك بالفلسطينيين الذين كانوا أعداءً في الزمن السحيق وما زالوا ويجب إبادتهم.

ولتعميق فهم اللوحة العامة لا يمكن المرور على وجود الأحزاب الدينية في الكنيست، والحكومة، فقد شاركت هذه الأحزاب في جميع الحكومات الإسرائيلية منذ تأسيسها ورغم هامشية بعض الوزارات إلا إنها استراتيجية في الجوهر عبر مساهمتها ودورها في فرض هندسة ثقافية تنموية وتعليمية في الدولة، فلا يمكن التقليل من أهمية وزارات الشؤون الدينية والداخلية والتربية والتعليم والصحة وغيرها ولعل الوزارتين الوحيدتين اللتين لم يصل إليهما وزير متدين (بمعنى الانتماء الرسمي لتيار أو حزب متدين) هما الخارجية والدفاع.

أما في الكنيست فكان أقل عدد مقاعد حازته الأحزاب الدينية بشقيها 13 مقعدا في الكنيست الثاني العاشر والحادي عشر بينما أعلى عدد مقاعد كان في الكنيست التاسع عشر حيث حازت على 30 مقعدا, وأهمية المتدينين في الكنيست يتجاوز عمليا عدد المقاعد التي تحوزها أحزابهم الخاصة، لأن الجماعات اليمينية الصلبة الصهيونية المتدنية والداعمة للاستيطان موجودة في كل الأحزاب، وجميع النواب الجدد في الليكود حاليا هم جزء من هذا الإطار الذي اكتسب دفعة قوية داخل الحزب الصهيوني الأكبر عبر انتخاب موشيه فايغلين قائد المستوطنين، وأكثرهم تطرفا على قائمة الليكود مصحوبا بقائمته الخاصة، وهو زعيم القيادة اليهودية في المعسكر الأكثر تأثيرا داخل الليكود، ومن المعروف أن وجود مثل هذه الجماعات الأيدلوجية داخل الحزب الحاكم يعني أنها قادرة على التحكم به وفرض أجندتها السياسية والأمنية.

ثمة كما هو معروف تيارين رئيسيين في إسرائيل للمتدينين، التيار الديني الأرثوذكسي وهو التيار الذي توصلت مرجعياته للاتفاق المذكور أعلاه مع ديفيد بن غوريون، والذي ينص على خصوصية الأحوال الشخصية و أيضا على إعفاء المنتسبين إليه من طلاب المعاهد والمدارس الدينية من الخدمة العسكرية والتفرغ لدراسة الدين والتوراة، ويشكل أعضاؤه 18% من يهود إسرائيل، والتيار الثاني هو التيار الديني الصهيوني القومي والذي اعتبر نفسه من البداية جزءا لا يتجزأ من الدولة واعتبرت مرجعياته الروحية الخدمة في الجيش ليست مجرد واجب تقتضيه المواطنة بل فريضة يطلبها الرب ويجب القيام بها على أكمل وجه، ويشكل أتباع هذا التيار 7-10% فقط وذراعهم السياسي هو حزب المفدال، (البيت اليهودي) ويتبع هذا التيار على وجه الخصوص فتاوى وتفسيرات الحاخام أبراهام اسحق كوك (1865-1935) الذي أعطى دفعة قوية لفكرة (الشعب الكاهن) المرتبط عضويا بأرضه وتمثل أقواله نبراسا للصهيونية الدينية الاستيطانية، وكان زعم أنه عثر على فتوى الحاخام رمبام (موشي بن ميمون 1135- 1204) والذي يعتبر أهم مرجع إفتاء يهودي على مر الزمن حيث تنص الفتوى على أن استيطان أرض إسرائيل فريضة تعدل كل فرائض التوراة الثلاثمائة وستين فريضة، واعتبر كوك أن الصهيونية هي جزء من خطة إلهية ولذلك فإنها ليست إلحادا رغم أنه يقودها علمانيون ولكنهم لا يعلمون إنهم جزء من هذه الخطة، لذلك فالاندماج في الصهيونية هو عمل حق والسعي نحو الاستحواذ عليها وقيادتها هو واجب ديني. هذا الإيمان المذوت في عقيدة وسلوك المستوطنين الصهاينة يشكل قوة روحية دافعة للتيار الصهيوني القومي.

في سياق تدقيقي يشير ياعيل[21] إلى أربع استراتيجيات استخدمتها الجماعات الدينية في سعيها للانتقال من الهامش إلى المركز:

  1. بتفاهمات المدارس الدينية (يشيفوت ههسدير) وهي معاهد دينية عسكرية يمولها الجيش وينضم إليها حصريا أتباع التيار الديني الصهيوني بعد تخرجهم من الثانوية ويدير هذه المدارس الـ42 الحاخامات ويتم التشديد فيها على «أن الخدمة العسكرية والروح القتالية هي مهمة جماعية يفرضها الدين بهدف قيادة المشروع الصهيوني»[22] ، وتنص التفاهمات على تأدية الخدمة في وحدات خاصة (حريدي ناحال). هذه المدارس نشأت من خلال التسوية التاريخية عام 1965.
  2. وبموازاة هذه التفاهمات الرسمية برز مسار غير رسمي عبر غوش ايمونيم الحركة الاستيطانية المتطرفة، التي أسست مسارا يتجاوز تراتبية الجيش عبر إقامة تراتبية اجتماعية جديدة، هذه المرة طلائعي من نوع مختلف مسلح بقيم التوراة ويعتمر الكيباه (القلنسوة المنسوجة). وتبعا لباروخ كيمرلنغ فإن صعود غوش إيمونيم كان مرتبطا بحرب ثقافية حول تحديد هوية الدولة وتوزيع الموارد بين المجموعات والفئات المختلفة، ومكانة كل مجموعة في الدولة وهكذا برأيه كانت غوش إيمونيم أول من تحدى الثقافة العلمانية الأشكنازية وطرحت ثقافة مضادة ذات طابع قومي متعصب وسعت لتصبح قوة مهيمنة وتستبدل النخب القديمة وتحتل مكانها[23].
  3. الاستراتيجية الثالثة توسيع مسار إعفاء طلاب المدارس الحريدية من الخدمة وجذب الفئات المهمشة الفقيرة والمحافظة الشرقية بوعد تحسين المكانة الاجتماعية من خارج المؤسسة العسكرية، ومن اللافت أن هذا المسار نفسه كان بدأته حركة شاس الشرقية، ومن المناسب بحث الصراع على الاستحواذ على الشرقيين، الذين اثبتوا قدرتهم في المجال السياسي في انقلاب 1977 الذي أطاح بحركة العمل من السلطة بأصوات الشرقيين بالذات ثم حاول شاس حصد قوتهم الانتخابية (ونجح جزئيا) ولكن بمقاومة عنيفة من الليكود واليمين الديني الأشكنازي الصهيوني.
  4. كتصحيح لقصور (يشيفوت ههسدير) التي حد مسارها من تقدم الجنود في المراكز العسكرية وكرد ونتيجة لتراجع غوش ايمونيم ظهرت الاستراتيجية الرابعة التي تعتبر الأكثر أهمية الآن وهي مسار المعاهد الدينية التحضيرية للجيش والتي مكنت المتدينين من التأثير مباشرة على طابع الجيش بالكامل وليس فقط على الوحدات المقاتلة التي يخدمون فيها. وقد نسب الراب إيلي سادان المنتمي إلى (مركاز هراف) ومؤسس هذه المعاهد فكرة إقامتها إلى حديث قائد المنطقة الوسطى عام 1988 أثناء الانتفاضة الجنرال عمرام متسناع "الجيش يحتاج لكم –المتدينين- وللقيم التي تحملونها وخصوصا في هذه الأيام.. نحن بحاجة لقيمكم الروحية أكثر من أي وقت مضى[24]. وقد منحت الأكاديميات شرعية دينية للخدمة في الجيش ليس كجندي مرتبط بانعزال يشيفوت ههسدير، بل بالحيز الجغرافي الديمغرافي بكامله خصوصا إنها في معظمها مقامة في الضفة الغربية وفي الأوساط الاستيطانية، وقد سجل عدد الجنود القتاليين القادمين من الأكاديميات ضعفي عدد الجنود من باقي الأوساط كما إن عدد الضباط القادة أعلى 3.5 من نظرائهم، والضباط رفيعي الدرجات أكثر بثلاث مرات بل إن ربع الخريجين من فروع أخرى من الجيش كالمدفعية والدبابات هم أيضا من خريجي الأكاديميات الذين يبلغ عددهم 4% فقط من مجموع المجندين[25].

وبنظرة أكثر تعمقا بالأرقام وصلت نسبة المتدينين من خريجي استكمال مسار المشاة على سبيل المثال عام 1990 إلى 2.5% وتطورت عام 1995 إلى 11.6% ثم 15.5% عام 2000، و23.9% عام 2003، وعام 2005 أصبحت 25.9% لتصبح 26% عام 2008[26].

تحليل إضافي

في تحليل مساند وبالنظر إلى المسار الزمني السياسي فان الإطار الأيدلوجي الناظم المذكور تفعل في محطات رئيسة، ولعل النقطة التي حصل فيها تغير جوهري كانت حرب 1967، فبالتوازي مع الجانب الاقتصادي هذا فإن احتلال الأرض الموعودة الحقيقية، الأرض التي وعد بها الرب حقا (القدس ونابلس والخليل)، جعل  الحرب و الانتصار فيها معجزة إلهية لتحقيق الوعد، فتحت الباب أمام طريق (الخلاص والعودة) وأحدثت نقلة نوعية على طبيعة الاحتلال الكولونيالي المسلح بايدلوجية دينية تبريرية وعلى الاقتصاد وعلى النظر للأراضي المحتلة وتعميق الالتزام بالاحتفاظ بها لأنها وعد الرب الذي تحقق أخيرا، وهكذا فالاستيلاء على الضفة الغربية وغزة اعتبر تحقيقا للوعد الإلهي باعتباره كما تزعم الرواية مكتوب سلفا في التوراة، والهزيمة عام 1973 هي "عقاب الرب" للعماليين[27] .

 وهذا عزز التزام التيار الديني القومي بالأهداف الأكثر تطرفا للإجماع القومي، وعزز انخراطهم في الجيش وتصاعد الخط البياني لهذا الانخراط. كانت هذه العودة الصاخبة للأيدلوجية الدينية تعبيراً عن تطور حتمي كما حللت حركة ماتسبين المعادية للصهيونية حيث «جميع الرموز المدنية بل الهوية الجماعية برمتها، خضعت للدين وأصبحت الصهيونية نفسها ضربا من اليهودية المغطاة برموز مدنية» كان ذلك بداية تأسيس الكيان بفرض تسويغ مطالبها بفلسطين كوطن لـ «الشعب» اليهودي، وكذلك لحاجة الصهيونية لدعم واعتراف أغلبية الجماعات اليهودية الأرثوذكسية في العالم، وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة صارت هذه العودة جزءا من الحملة المغطاة بشعار استعادة أرض إسرائيل في يهودا والسامرة.

وقد لاحظ باروخ كيمرلنغ المؤرخ الجديد علو شأن الدين بعد حرب 1967 لتبرير احتلال باقي الأرض الفلسطينية، ويتابع في ملاحظة أساسية «ليس من الصحيح القول بأن المستوطنين حرفوا الصهيونية، بل الأصح القول أنهم نتاجها المنطقي الذي يعبر عنها بحدة تصل حد العبث»[28].

النقطة الثانية كانت حرب 1973، والتي اعتبرت نتائجها جزءا من غضب الرب على انحلال القيم والبعد عن التوراة، مترافقا بمسار اجتماعي اقتصادي تبلور سياسيا بانقلاب الشرقيين على حركة العمل وضخ أصواتهم لمصلحة الليكود كما ذكرنا الذي وان ظهرت شاس فيما بعد فإنه لا يزال يحوز على حصة كبيرة من المصوتين الشرقيين.

ترافق هذا كما ذكرنا مع تهاوي التزام الطبقة الوسطى الأشكنازية بالخدمة العامة، نتيجة حالة الإشباع التي تحققت،  والتغيرات الدراماتيكية التي حدثت في بنية وطريقة تفكير وطموحات أبناء هذه الطبقة وأبناء الكيبوتسات، والتيار العلماني عموما، وهكذا حدث تغير دراماتيكي متلاحق حيث قلت نسبة خريجي الكيبوتسات الملتحقين بالوحدات المختارة بسبب تحلل الكثير من هؤلاء من الإيمان بواجب التضحية من أجل الدولة، وبالمقابل كانت توجيها (توجيهات) المرجعيات الدينية لأتباعها بأن عليهم الانخراط في الوحدات المختارة من أجل قيادة الجيش وبالتالي التحكم بالمشروع الصهيوني[29].

وشيئا فشيئا أصبح معظم قادة الوحدات المقاتلة هم من المتدينين[30] ومعظم القادة والمنتسبين إلى الوحدات المختارة مثل سرية وحدة الأركان وإيجوز ودفيدفان هم أيضا من المتدينين ويحتكر هؤلاء الخدمة فيما يسمى (سرايا النخبة) التابعة لألوية المشاة فمثلا 60% من القادة والمنتسبين في سرية النخبة في لواء جفعاتي هم من المتدينين.

وقد صرح الجنرال يهودا دوفيدينان الذي كان مسؤولا عن قسم الشبيبة في وزارة الحرب بالقول أن أتباع التيار الديني الصهيوني أصبحوا يشكلون العمود الفقري للجيش.

 وبالتأكيد على أن تلك العودة بتحليلنا هي عودة إسرائيل لطبيعتها الأيدلوجية وليست انحرافا، يتمثل خطر المتدينين من وجهة نظر المعترضين، في الجيش الصهيوني كما في أي جيش في الحقيقة- في انه في النظم الديمقراطية ينحصر دور العسكر في تنفيذ السياسات المقرة من الحكومات المنتخبة التي تفرزها الانتخابات ويعد عدم التزام العسكر بتعليمات الحكومة تقويضا عمليا للديمقراطية، وهنا يكمن ما يعتبره المعترضون العلمانيون خطرا  في تبوء المتدينين للمواقع القيادية فالقائد والجندي المتدينان في الجيش الإسرائيلي عندما يفرض عليه الاختيار بين أوامر عسكرية صادرة عن حكومته وتعليمات مرجعيته الروحية ثمة نسبة معينة من إمكانية اختياره الأخيرة. كمثال على ذلك الجنرال يسرائيل فايس كبير حاخامات الجيش أعلن انه يفضل خلع بزته العسكرية على تنفيذ أي أمر يصدر من قيادة الجيش يتعارض مع تعليمات الحاخام شابيرا (ثاني أهم مرجعية في التيار الديني الصهيوني)، وفي يشيفوت ههسدير يحرص الحاخامات على تذكير طلابهم أن لا مصدر أكثر قدسية من تعليمات التوراة والكتب المقدسة وأن أي تعليمات تصدرها الدولة تفقد شرعيتها في حال تعارضت مع تعاليم الدين.

وكما يتدخل الدين في الجيش وكما يفرض هذا الأخير سلطته على السياسة ويستولي عليها فإنه لا يمتنع عن فرض هذه السلطة على باقي المؤسسات حيث نعلم عن دخول العسكر بقوة إلى الساحة الاقتصادية كأصحاب شركات أو مدراء شركات في القطاع العام والخاص، وارتباطا بصعود القوة من جديد التي تحركها الايدلوجيا صار الأمنيون مركزيون في السياسة دون أن تتراجع مركزية الأمن في السياسة. أما التعليم فهو أيضا ضمن الخطة وقد أعد سلاح التربية في الجيش الإسرائيلي منذ 2005 خطة مشتركة موسعة مع وزارة التربية تم بموجبها إلحاق ضباط بـ 74 مدرسة في المرحلة الأولى هم 250 مدرسة عام 2006 هؤلاء الضباط عملوا كمحاضرين للتربية العسكرية والتمهيد للالتحاق بالجيش[31].

وإذا كان تغلغل العسكريتاريا مؤثرا وملحوظا بقوة، فإن هذا سيتلون حتما بتأثر الجيش وتغلغل العنصر المتدين فيه أكثر فأكثر، لينتقل هذا التأثير التديني المتطرف إلى باقي قطاعات المجتمع عبر معبر الجيش، الصانع الأصلي للمواطن الفعال كما سبقت الإشارة.

لقد سبق تعيين إيلي بن دهان (أسس مستوطنة هاسبين في الجولان ثم انتقل إلى مستوطنة بيت إيل) العنصري المتطرف الذي يعتبر الفلسطينيين حيوانات بشرية من منطلق تلمودي، نائبا لوزير الدفاع في الحكومة الرابعة الثلاثين وهو عضو كنيست حاليا. ونذكر أن العميد جنرال ايفي إيتان أكثر العسكريين تدينا انتخب حال تسريحه من الجيش قائدا للحزب الصهيوني المتدين (مفدال) كما أن نفتالي بينت رئيس الحزب بصيغته الجديدة (البيت اليهودي) كان قائد احتياط في وحدة النخبة.

ورغم أن هذه المعلومات ليست مؤشرا قويا من ناحية الإحصاء، فإن هذا التحليل ركز كما سبق التنويه، إلى أن النفوذ الديني لا يتعلق بحضور شخصي لمتدينيين على أهميته، بقدر ما يتعلق بعقيدة جامعة قومية ومدى الحضور التكاملي للجيش والدين في الهيمنة على المجتمع والمؤسسات.

مثال دراسي: الأسطورة في الخدمة

المسادة كمسار فكري تربوي وتراث بطولي

 (مسادة) أو مسعدة العربية ("مسعدة" كلمة قديمة تعني القلعة)، مرتفع جبلي بمقدار 1440 قدما عن الضفة الغربية للبحر الميت، وتقع  قرب الزاوية الجنوبية الغربية للبحر الميت في صحراء الخليل الفلسطينية على بعد ثلاثين ميلا عن القدس،  في الطريق بين أريحا وأم الرشراش.

 وقد ارتبطت الأسطورة المسماة بهذا الاسم بقصة رواها مؤرخ واحد يدعى يوسيفوس من التابعية الرومانية وقد رافق الجيش في حملته على فلسطين في القرن الأول للميلاد[32] ، وهناك روايتين للمسادة، واحدة سائدة، مختلقة مزيفة، وأخرى رواها يوسيفوس وان لم تكن بالضرورة حقيقية.

 القصة الرسمية للمسادة كما جاءت في كتاب حقائق عن إسرائيل الذي نشرته دائرة الإعلام في وزارة الخارجية ترد كما يلي: «رفض حوالي ألفين من الرجال والنساء والأطفال اليهود، الذين نجوا بعد سقوط القدس الاستسلام لروما، استولوا على قلعة الملك هيرود على جبل المسادة الصخري الشديد الانحدار قرب البحر الميت واستطاعوا الصمود لمدة ثلاث سنوات في مجابهة محاولات رومانية متكررة لإخراجهم منها وعندما تمكن الرومان من اختراق القلعة في النهاية اكتفوا أن اليهود انتحروا بدلا من الاستسلام أمام العدو» لقد كتب إيغال يادين بنفسه هذه الأسطر أعلاه والمثير فيها كما يشير نحمان بن يهودا، أن يادين تجاهل متعمدا حقائق معينة منها مثلا طبيعة أولئك اليهود في المسادة حيث يشير إليهم باعتبارهم من الزيلوت (جماعة يهودية عادية)، بينما تشير وثيقة العام 1985 إليهم بحيادية باعتبارهم من اليهود وتختفي كلمة (السيكاري) وتغيب مذبحة عين جدي كما تغيب الطبيعة الإرهابية للسيكاري.

ومفاد القصة حسب يوسيفوس: أن مجموعة من العبرانيين تحسبوا لمواجهة الرومان فصعدوا إلى جبل مسعدة قرب البحر الميت مع عوائلهم من نساء وأطفال وتحصنوا في قلعة أعلاه وبلغ تعدادهم 960 شخصا، وتضيف الرواية أن هؤلاء فضلوا الانتحار وقتل نسائهم وأطفالهم بأيديهم إذا ما اقتحم الرومان القلعة على الاستسلام، وقد أسهب يوسيفوس في وصف الساعات الأخيرة لمسادا: خطاب إليعازر وانتحار 960 رجلا وامرأة وطفلا، وحرق الأبنية ومخازن المؤن، إلا أن الموسوعة اليهودية تقول أن المؤرخ أخذ الحكاية أصلا من امرأتين اختفتا في أحد الكهوف مع خمسة أطفال إحداهما شقيقة إليعازر.

وقد أشار يوسيفوس (المؤرخ الوحيد للحادثة) أن هؤلاء كانوا مجرمين وقطاع طرق، وهم من جماعة السيكاري المتعصبة اليهودية التي ازدهرت في زمن ما أصبح يعرف بالثورة الكبرى ضد الرومان (66-73م) ودعت إلى ممارسة الإرهاب والاغتيالات وارتكبت مجزرة عين جدي ضد الفلسطينيين آنذاك، ووصفها يوسيفوس «إنها عصابة من القتلة هلكت في أعلى المسادة»[33]. وربما يكون رأي يوسيفوس مبنيا على تحيز شخصي كونه أصلا منشق لحق بروما ويوصف بأنه خائن بلا ضمير، والموسوعة نفسها تصفه بأنه لا يعتد به كمؤرخ ووصفت كتاباته بأنها ذات قيمة أدبية وحسب.

رغم وضوح النص التاريخي حول حقيقة المجموعة التي هلكت في المسادة  إلا أن قادة إسرائيل ومؤرخوها وكتابا صهاينة حولوا القصة إلى دراما شعبية إسرائيلية عبر التحرك باتجاهين: أركيولوجي وفولكلوري. ورغم فشل الإثباتات الحفرية وخبو الحماس العلمي للقصة إلا أن الصهاينة واصلوا حماسهم الفولكلوري عبر العمل على استثمار قصة المسادة وتحويلها إلى دراما شعبية ومنهج في التربية والتثقيف العسكري تستقطب عواطف اليهود وغير اليهود من ذوي الإيمان التوراتي، ولشحذ همم الجنود وتقوية إيمانهم.

فتحولت القصة إلى (أسطورة قومية) ترمز إلى (نهوض قومي يهودي) وتسبغ نوعا من الشرعية التاريخية على وجود دولة إسرائيل، ما يولد قناعة لدى المستوطنين اليهود بأنهم أحفاد ماض مجيد، وأن استعادة هذا (الماضي المجيد) لا تتم إلا بتعزيز سيادة دولة إسرائيل وضمان استمرارها، وكرمز له هذا البعد تولد قصة المسادة إحساسا بالتناغم والتضامن بين المستوطنين القادمين من خلفيات حضارية متباعدة. وقد مارست الرواية الأسطورية التأثير على ملايين الإسرائيليين بمن فيهم شخصيات معروفة في النخبتين السياسية والعسكرية.

في تجربة شخصية لاكتشاف حقيقة المسادة أتيح لنحمان بن يهودا المؤرخ الإسرائيلي أن يكتشف أنه قد تم استغلاله وخداعه في نظام التربية الإسرائيلي وفي الجيش وفي منظومة معرفية متكاملة حيث يقول انه حصل عن المسادة على معرفة «لم تكن خاطئة وحسب، بل كانت شديدة التحيز أيضاً»[34] ، حيث «لم تكن المسادة مجرد حكاية تروى بل زودت هوية جيلي من اليهود الإسرائيليين بعنصر هام من عناصر تعريف هويتنا اليهودية والإسرائيلية».

ويشير بن يهودا هنا إلى منظومة المعتقدات الهامة التي تم تسريبها له ولمئات الآلاف غيره واتضح إنها قائمة على سلسلة من الغش والمزاعم المغرضة والمزيفة أيضاً، هذه المنظومة لا تشكل بناء بالغ الأهمية لتطوير عقول الشباب فحسب بل تشكل حجر الأساس لشعب برمته.

ولقد شكك الكثير من العلماء ليس في صحة النسخة الصهيونية من الرواية فقط بل في صحة رواية يوسيفوس الأصلية، وأبرز هؤلاء عالم الآثار اليهودية شعيا كوهين الذي أشار إلى أنه شخصيا عثر على ست عشر رواية مشابهة لرواية يوسيفوس ترجع إلى حضارات مختلفة وتنتمي إلى نفس العصر الذي عايشه المؤرخ. و الأسلوب الملحمي الذي استخدمه يوسيفوس كان هو الغالب في تلك الفترة[35] ناهيك عن أن يوسيفوس شخصيا لم يكن شخصا جديرا بالثقة.

وكان برنارد لويس أحد أوائل الباحثين منذ 1975 والذي اتخذ موقفا صارما من رواية المسادة، وهو بانتمائه إلى المنظور الاستدلالي الاجتماعي في تفسير الذاكرة الجمعية يؤكد أن الرواية الحديثة للمسادة تشكل إحدى الحالات في ما يدعوه «التاريخ المختلق». بدورها قدمت شارغل عام 1979 ما يمكن اعتباره أول محاولة تفصيلية لفهم الرواية الأسطورة للمسادة كأسطورة سياسية تقوم على حدث تاريخي محدد ثم تستخدم التحليل الوظيفي حسب كتابات دوركهايم ومالينوفسكي للقول أن أسطورة المسادة لعبت دورا حاسما في المجتمع الإسرائيلي كوسيلة لتحقيق الشرعية الاجتماعية والدمج في المقام الأول.

من جهتهما قدم برونر وغورفين (1984) أطروحة تفيد أن أسطورة المسادة أسهمت في تشجيع الاندماج ومثلت غلافا خارجيا للأيدلوجية كما أسهمت في خلق الانضباط الاجتماعي وبلورة الهوية الفردية والقومية وبلورة صلة روحية قوية مع يهود اعتبرهم الإسرائيليون محاربين شجعان قبل ألفي عام مما منحهم الإحساس بالاستمرارية والتواصل مع الماضي البعيد ومع الأعمال السامية البطولية، وقد منحتهم المسادة نموذجا قويا ومهيبا للتماهي معه، كما أن التماهي مع المسادة يؤكد ادعاء اليهود بالشرعية على هذه الأرض.

وقد لخص يادين yadin (من كبار قادة الجيش الإسرائيلي في حرب 1967 اشتعل بالآثار وسخر التاريخ لتدعيم مطالبه السياسية على غرار موشيه دايان) الأهمية الحاضرة للمسادة بقوله «كانت أهميتها العملية كبيرة، والأهم من ذلك أن المسادة تمثل بالنسبة إلينا جميعا في إسرائيل وخارجها سواء علماء الآثار أو الناس العاديين رمزا للشجاعة ونصبا لأبطالنا القوميين، هؤلاء الأبطال الذين اختاروا الموت على حياة العبودية المادية والمعنوية»[36].

بالنسبة لهم (المسادة) وقفة أخيرة وشجاعة كما يشير عنوان كتاب يادين لذلك كان من الطبيعي وفق هذه المنظومة الذهنية أن تصبح مكانا لحلف اليمين السنوي للجيش الإسرائيلي وتكرار الشعار القومي «المسادة لن تسقط أبدا مرة أخرى»[37].

وفي كتاب صادر عام 1992 طرحت أنيتا شابيرا فرضية أساسها القول أن استعانة الصهيونية العلمانية بقصة المسادة وتوظيفها كان المقصود منه إضفاء الشرعية على استخدام العنف[38].

ولعل ذلك يتجلى في أن النوازع اللاواعية لدى قادة إسرائيل تكشف عن أزمة مع الذات وتشير إلى نزوع نحو انتحار جماعي. حيث تأخذ الأسطورة طابع (قوة محرقة) تدفع قادة إسرائيل نحو تحقيق تماثل بين مصير أبطال الأسطورة ومصيرهم.

وفي سبيل هذا التماثل يعيش هؤلاء القادة في حالة هوس للربط بين واقع خيالي ماض وواقع حالي لا بد من جعله بطوليا، وكان الصحافي الأمريكي ستيوارت ألسوب في النيوزويك إبان السبعينيات أول من لاحظ نزوع قادة إسرائيل في مسلكهم السياسي والدبلوماسي نحو محاكاة الحالة الانتحارية الماثلة في قصة المسادة، جاء ذلك في معرض تعليقه على مواقفهم المتشددة أثناء المفاوضات مع مصر أواسط السبعينيات، وقد ردت غولدا مائير على ذلك الصحفي في مؤتمر صحفي أثناء زيارتها لواشنطن فقالت «نعم يا سيد ألسوب نحن عندنا عقدة المسادة، وعقدة الهولوكوست وعقدة أفران الغاز»[39].

الهوامش والمراجع:

1-       منوراة: الشمعدان السباعي السباعي: الشعار الرسمي لدولة إسرائيل والموساد وحركة بيتار وغيرها من مؤسسات ومنظمات، تمثيل مطابق لشمعدان ذهبي قيل إنه كان موضوعا في خيمة الاجتماع وفيما بعد في الهيكل وتشعل فيه الشموع كل ليلة، وقد فصلت التوراة شعيرة المنوراة ومادة الصنع والشكل والوزن وطريقة الصناعة ومكان وضعه.

2-       التناخ: بالعبرية أكرينيم و (ت.ن.خ) كتاب شريعة الأنبياء توراة نبيئيم كتوبيم وهي الكتاب المقدس اليهودي وأحيانا تسمى المقرأ.

3-       أسمانجوني: لون أزرق شديد الزرقة يشبه لون الياقوت الأزرق وقد أمرت الشريعة الموسوية الإسرائيليين باستعمال أهداب أسمانجونية في أذيال ثيابهم (عدد 15:38).

4-       يورام بيري. النخبة العسكرية الجديدة في إسرائيل: لماذا يعتبر فهم النخبة العسكرية أمرا مهما. في: قضايا إسرائيلية. العدد 28، تشرين ثاني/ ديسمبر 2007. ص 51.

5-       آلان مينارغ. جدار شارون. ترجمة محمد أحمد صبح. ط1 (دمشق: دار كنعان للدراسات والنشر، 2005) ص128.

6-       السابق.ص127.

7-       ميخائيل وارشوفسكي. ديمقراطية إسرائيل، في: رؤية أخرى، العدد 36/37 (القدس – بيت لحم: مركز المعلومات البديلة، صيف 2005).

8-       السابق.

9-       خليل السواحري وسمير سمعان. التوجهات العنصرية في مناهج التعليم الإسرائيلية. (_دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2004) ص10-12

10-   شخصية من العهد القديم. يشوع أو يوشع، مذكور في سفر يشوع ذكر إنه كان قائد بني إسرائيل بعد موت موسى تحاك حوله أساطير وأعمال بطولية حسب المخيال الأسطوري اليهودي.

11-   الصهيونية فكرا وهدفا وممارسة. مكتب الدراسات الفلسطينية1977. ص15.

12-   الهالاخاة. تشير الكلمة إلى الصياغة المجددة للشريعة اليهودية والمصدر الأساس للهالاخاة هو الشريعة المدونة والعرف الساري حسب تفسيرات الحاخامات.

13-   حباد. حركة حسيدية تنتمي لتيار اليهودية الأرثوذكسية إحدى أكبر الحركات الحسيدية في العالم مقرها الرسمي في بروكلين –نيويورك أسسها الحاخام شينو ملادي عام 1788 في بيلاروسيا وانتقلت إلى لاتفيا ثم بولندا واستقرت في الولايات المتحدة عام 1940

14-   أحمد مصطفى جابر. اليهود الشرقيون في إسرائيل: جدل الضحية والجلاد. دراسات استراتيجية 92ط1(أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 2004) ص41-42.

15-   تشوفا: القدرة على التوبة وطلب الغفران من الله وهي فكرة بارزة في العقيدة اليهودية وتشتمل على قراءة سفر يونان كل عام بالعبرية الأصلية خصوصا يوم الغفران.

16-    جوزيف كورتارو. . صراع المتدينين والعلمانيين في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.  ترجمة: رائد الباش.http://ar.qantara.de/node/18829.   تاريخ النشر 28/2/2015. تاريخ الاسترداد: 20/2/2017.

17-    فادي نحاس. دلالات تصاعد المد الديني في الجيش الإسرائيلي. قضايا اسرئيلية: مركز مدار. ص156.

18-   نص لقائد عسكري صهيوني يدعى (ب) في المجلة الفصلية "معراخوت: نشر بالعربية في : مكانة معتمري القبعات الدينية في القيادة التكتيكية للجيش الإسرائيلي. في: قضايا إسرائيلية، العدد 43-44، تشرين ثاني/ديسمبر 2011. ص108-109

19-   وليد دقة. وقائع تأثر الجيش الإسرائيلي بالأيدلوجيات الدينية والعنصرية. مراجعة كتاب: القائد الرباني – تقرطة الجيش الإسرائيلي. لياغيل ليفي. مركز مدار. 20 أيلول 2016.

20-    بيري. سبق ذكره. ص62.

21-   دقة. سبق ذكره.

22-    صالح محمد نعامي. الجيش الإسرائيلي في قبضة المتدينين. الجزيرة نت،  المعرفة: تحليلات. ناريخ الاسترجاع: 20/2/2017.

23-   راجع المرجع رقم (10) ص116

24-   دقة. سبق ذكره.

25-    لنظرة أعمق وأشمل على أكاديميات ما قبل الخدمة: هنا

26-   راجع المرجع رقم (10) ص112

27-    حنة أرندت. أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبوزيد. ط1 (لندن: دار الساقي 1993) ص 262 -263.

28-   إيلي مينوف. الخطاب الصهيوني الراهن: في اأيدلوجيا والاقتصاد في إسرائيل: الصهيونية: الخصخصة والليبرالية الجديدة. مركز المعلومات البديلة. القدس بيت لحم 1998. تحرير الياس جرايسة وهداية أمين. ص15

29-   النعامي. سبق ذكره.

30-   أنطوان شلحت. كل شيء مباح –كل شيء ممكن. في:  عرب 48، 25/3/2006. تاريخ الاسترداد: 20/3/2017.

31-   يديعوت أحرونوت. 30/5/1976.

32-   سلوى العمد. عقدة المسادة. في: الرأي الأردنية. 5/11/1991.

33-   نحمان بن يهودا. أسطورة المسادة. في: الكرمل، عدد 67 ربيع 2001، ص213.

34-   السابق

35-   سلوى العمد. سبق ذكره

36-   Y. yadn.(1966) Masada: Herod's Fortress and the Zealots: last stand , London, Weidenfeld and Necolson.

37-   للمزيد أيضا: حول أهمية الرواية الحالية للمسادة للمستوطن الصهيوني الحديث أنظر: Zerubavel,y(1994) "the deth of memory and the memory of deth: Masada and the holocost as historical metaphors

38-   بن يهودا. سبق ذكره.

39-   العمد. سبق ذكره.

أحمد مصطفى جابر

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر