Menu
حضارة

في اليوم التالي للثامن من آذار: حيث كانت الاحتفالات نوعاً من حل!

نصّار إبراهيم

28869969_2004555319818614_5357303366194036736_n

في الثامن من آذار تستمع النساء للقصائد والخطابات التي تحمل المرأة نحو الأعالي، تحلق بها في الآفاق الأربعة، تطوف بها بقاع الأرض، تأخذها حيث ذرى الجبال العالية، حيث الحقول الممتدة أزهارا، حيث الأنهار والبحار والمحيطات، حيث منحدرات الشروق، فتجعل منها في المخيال مقدسا... كأم وزوجة وحبيبة وابنة وصديقة..
في اليوم التالي للاحتفالات يستيقظ عمال النظافة منذ الفجر وينشغلون بكنس اليافطات والبوسترات وأوراق القصائد والورود الذابلة التي تذروها رياح الفجر في كل اتجاه، فيما الواقع يعود لدورته وقوانينه وعاداته التي لا تعترف بكل ما جاء في القصائد والخطابات والشعارات. لقد انتهت المسرحية واسدل الستار بانتظار العام القادم...
تستمع المرأة، تهز كتفيها وتنظر في أعماق واقعها المؤلم والقاسي، تتذكر الحصار والقيود والقوانين والعادات والتقاليد... تتذكر آخر صفعة تلقتها، آخر إهانة لفظية تمس كرامتها، تتذكر أجرها الأقل من زميلها، تتذكر ما تتعرض له من إسفاف وهبوط في المعاملة... تتذكر "جرائم العار" التي يسمونها جرائم الشرف، تتذكر كيف يداري المجتمع على المغتصب ويلقي باللوم على طفلة في سن المراهقة أو أصغر...
تستمع المرأة... تداري دمعة تقول: اتركوا الشعر والكلمات والخطابات والنثر جانبا، وتعالوا نتحاكم في محكمة الواقع واللحظة... تعالوا لنرى ما يحدث في سوق العمل، في البيت وفي الشارع، في المحاكم وفي دوائر الأحوال المدنية وفي المواصلات وفي المحال التجارية، تعالوا لنرى أهوال الدعارة وما يرتبط بها من استغلال وإهانة ورأسمال... تعالوا لنرى كيف يتم تنميط وعي الأنثى حتى قبل ولادتها... تعالوا لنرى بأم العين والعقل كل ما تتعرض له المرأة في الواقع من قهر واستلاب نفسي وجنسي واقتصادي وسياسي ورمزي...
تقول المرأة: لا تهمني الاحتفالات، ما أريده هو حقي في كل شئ... أن تمتلكوا الجرأة لكي تزيلوا الظلم الذي أثقل كاهل المرأة منذ أن اجتاحت الثقافة والسلطة الذكورية واقع المجتمعات البشرية...!؟.
تقول المرأة: كم هي جميلة أشعاركم ونبيلة خطاباتكم... ولكن لماذا هذا التناقض الفاضح بين ما تقولون وما تفعلون!؟.
الأصل في مناسبة يوم المرأة هو نضالها في الميدان والشارع من أجل حقوقها.
ومع ذلك لم نر في المدن العربية في الثامن من آذار مظاهرة صاخبة واحدة تشتبك مع السلطة السياسية لرأس المال وتنادي بحقوق المرأة!.
المعادلة باتت هكذا... يحتفلون بالمرأة كما يشاؤون، ينظمون القصائد، يعدون الخطابات ويتبادلون الورود والهدايا، ولا بأس بأمسية في مقهى أو مطعم على موسيقى هادئة... ولكن بعد ذلك محظور أن يتجاوز الفعل نحو ميدان الاشتباك الاجتماعي... فهذا خط أحمر.
وهكذا ما دامت المرأة والقوى السياسية التي تقول أنها تؤمن بحقوق المرأة وحريتها غير قادرة أو مستعدة لتجاوز الخط الأحمر فستتواصل الاحتفالات كل عام بذات المضمون والشكل والسطحية... لقد أصبحت الاحتفالات نوعا من حل لقضية لا تحلها الاحتفالات.