Menu
حضارة

عندما تغيب القدس عن الخطاب السياسي !

مهنّد عبد الحميد

إذا افترضنا وجود (استراتيجية فلسطينية ) لانقاذ القدس من التهويد والالحاق والتطهير والحفاظ على مقوماتها كعاصمة للشعب الفلسطيني، فإن هذه الاستراتيجية تمتلك قرارات دولية صادرة عن مجلس الامن والجمعية العامة واليونسكو، قرارات تعتبر كافة الاجراءات الاسرائيلية غير شرعية  ولا قانونية وباطلة، الترجمة الوحيدة لتلك القرارات تتمثل بامتناع معظم الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عن نقل سفاراتها الى مدينة القدس. وكانت العديد من الدول تمتنع عن حضور مؤتمرات ولقاءات رسمية الحكومة الاسرائيلية في مدينة القدس.

وكان المسؤولون الاوروبيون الذين يزورون القدس يحرصون على زيارة بيت الشرق والاجتماع بشخصيات مقدسية في إشارة الى الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للشعب الفلسطيني. لكن الاوروبيين توقفوا بعد إغلاق المؤسسات المقدسية.

اسدلت الستارة على الاغلاق  غير الشرعي واصبح  الاغلاق المؤقت  إغلاقا دائما في غياب تجديد الاعتراض الرسمي  وغير الرسمي على الاغلاق  الذي قوبل برفض وإدانة عربية وعالمية مدوية . وغاب الاغلاق من الخطاب الاعلامي والسياسي الفلسطيني.

القرارات الدولية التي تنزع الشرعية عن كل الاجراءات الاسرائيلية لا تُفَعَّل  وتبقى حبرا على ورق. السبب لانه لا يوجد  معارك سياسية  فلسطينية على المستوى الرسمي والمعارض وعلى مستوى المجتمع المدني.  على سبيل المثال لم تفتح معركة سياسية هدفها إعادة فتح مؤسسات القدس وبخاصة بيت الشرق  واستئناف عملها  السياسي والثقافي. هل من الصعب  فتح معارك سياسية تنطلق من القرارات الدولية، وتحاول الانتقال بالموقف الدولي والعربي من الدعم النظري الى مستوى من التطبيق  بالحد الادنى.

  معركة الحفريات والمعالم الأثرية، اصبحت ممكنة اكثر من اي وقت مضى،  بعد أن اصبحت فلسطين عضوا كامل العضوية في منظمة اليونسكو. معركة وقف الحفريات والتعدي على المعالم الحضارية وعلى الوجود الفلسطيني التاريخي. هي الرد على الاختراقات الاسرائيلية  الممثلة  بمشروع مدينة داود الخطرة والتي تهدد أحياء مقدسية  مثل  سِلوان فضلا عن السور القديم للقدس والمسجد الاقصى. الحفريات التي تقوم بها مؤسسة «إيلاد» اليمينية التي يرأس مجلسها «إيلي فيزل» حامل جائزة نوبل للسلام. والتي تحاول العثور على آثار ترسخ مرويات العهد القديم. وهناك محاولات لاقامة  «متحف التسامح « والمشروع الذي سيقام فوق مقبرة ماميلا.

ومشروع إزالة « حي البستان المقدسي»  وتشريد اكثر من 10 آلاف مواطن، وتحويله الى حديقة على خلفية الرواية  الدينية التي تقول ان الملك داود في قديم الزمان  «كان يحلو له  السير في المكان المقام عليه الحي». الهدف الفلسطيني من معركة الحفريات هو إلزام إسرائيل بالقانون الدولي كمرجعية وناظم في التعامل مع المكان، والكف عن استخدام الاساطير والايديولوجيا والمؤسسات التي تعمل بهذه الخلفية. والتجرؤ على  القول بأن  دولة الاحتلال ليست فوق  المساءلة والمحاسبة على كل انتهاكاتها الكبيرة والصغيرة.

الصراع الديمغرافي عنوان المعركة الضارية التي تشنها اسرائيل على السكان الاصليين المقدسيين. تنطلق اسرائيل في هذه المعركة من تمييز ديني و»عرقي» في مدينة القدس خاصة ، وفي مناطق ال 48 بشكل عام. وبالاستناد الى رفعة عرق على آخر  ورفعة دين على آخر، تبطش السلطات الاسرائيلية المحتلة بالحقوق الفلسطينية، وتسعى بكل الطرق وعلى رأسها القوة الى كبح الوجود الفلسطيني، ومنع تطوره وممارسة التطهير العرقي ضده. التمييز العرقي الديني  نقطة ضعف اسرائيلية هائلة تكاد تنفرد بها اسرائيل، لكنها تصب في مصلحة المقدسيين الاصليين. في المعركة الديمغرافية التي يدافع فيها المقدسيون عن ابسط حقوقهم الطبيعية، يصمد المقدسيون ويحرزون تقدما ملموسا.

يسكن في مدينة القدس بشطريها والمستوطنات داخلها 800 الف شخص بينهم  500 الف اسرائيلي يهودي و 300 الف فلسطيني. بنسبة تتراوح بين 62% اسرائيليين و38 % فلسطينيين.  يقول نداف شرغاي / في صحيفة «اسرائيل اليوم» : يغادر القدس سنويا 18 الف اسرائيلي. ويأتي اليها نحو 10 آلاف اسرائيلي سنويا. وفي السنوات ال 22 الاخيرة غادر المدينة 370 الف إسرائيلي. 

وهذا يعني أن كفة المغادرة الاسرائيلية  تَرْجَح على كفة القدوم. مقابل ذلك ورغم كل الضغوط والخنق وهشاشة الخدمات والجدار،  فإن المقدسيين عادوا الى مدينتهم وتزايد عددهم. ويتوقف «شرغاي» عند حي بيت حنينا المقدسي الذي بلغت الزيادة السكانية فيه بعد إقامة جدار الفصل العنصري نسبة 39.5%.  ويتحدث ايضاعن ظاهرة انتقال 3378 مقدسيا فلسطينيا للسكن في احياء استيطانية اسرائيلية داخل المدينة. مقابل 2537 اسرائيليا يهوديا يسكنون داخل احياء فلسطينية. مع فارق ان الفلسطينيين سكنوا ضمن النظام والقانون المعمول فيه. مقابل سكن المستوطنين على حساب مواطنين يتم طردهم وتزوير ملكية البيوت في قلب الاحياء الفلسطينية كالبلدة القديمة والشيخ جراح وسلوان وغيرها.

 الزيادة الفلسطينية  ارتبطت  بالحقوق الطبيعية وتستند  الى القانون الدولي، والسكان الاصليون  لا ترتعد فرائصهم من وجود خطر ديمغرافي اسرائيلي، لكنهم يرفضون ويقاومون التطهير العرقي ويدافعون عن وجودهم.  كانت الزيادة الطبيعية غير المصنعة  غير المدعومة إنجاز المواطنين المقدسيين بامتياز. انجاز لم يرتبط بموازنات وخطة دعم واستيعاب واحتضان من قبل المؤسسة الرسمية إلا بحدود قليلة  وقليلة جدا. السؤال  ماذا لو وضعت خطة لاستيعاب النمو الطبيعي للمقدسيين تتضمن غطاء سياسيا  وقانونيا ودعما ماديا؟ بالتأكيد ستكون النتائج افضل كثيرا.

صمود المقدسيين  ونجاحاتهم ارتبطت بمقاومة شعبية سلمية مثابرة، مدعومة  بجهود ومبادرات قوى التضامن الدولي وقوى سلام إسرائيلية. التهديد الذي يتعرض له المقدسيون كان المحفز على الصمود والمقاومة، وكان يؤدي في حالة الضغوط الشديدة والاخضاع  والقهر الى أعمال  عنف فردية. غير ان الدور الذي تقوم به تنظيمات الحركة الوطنية في مدينة القدس لا يتناسب مع الاستنفار والمشاركة الشعبية الفاعلة. ما زال الخطاب السياسي والاعلامي والاساليب،   ما زالت النخبة القديمة التي تقود الوضع لا يجيب على احتياج الحراك الشعبي. دور التنظيمات الذي يتسم بالضعف وبالبيروقراطية ، يعود الى بيروقراطية المركز الذي فقد حرارة التفاعل مع الميدان داخل مدينة القدس. المشكلة الاخطر هي  عدم توفير الغطاء السياسي لصمود المقدسيين ومقاومتهم الباسلة.

عندما تغيب القدس عن الاجندة الرسمية، عندما لا تفتح المعارك السياسية في الوقت المناسب، عندما ينفصل سلاح المقاومة في غزة ولا يقترب من مطالب  وحقوق المقدسيين. كل ذلك يقود الى تخلف الحركة السياسية عن معركة صمود القدس.  بقي القول ثمة ضرورة  لتغيير البنية البيروقراطية الشائخة  المسؤولة عن القدس العاصمة.  وثمة ضرورة لنفض الغبار عن المؤسسات والهيئات واللجان العربية والاسلامية التي تشكلت باسم القدس ولا تعمل شيئا من اجل القدس.


نقلاً عن: الأيام