Menu
حضارة

بول البعير وبول الكلاب

د.إميل شكر الله

مواطنة عربية كانت تتسوق بمجمع تجاري وتقوم بتصوير حوض الأسماك المائي بالمجمع، فشعرت بكلب صغير تحت أقدامها، ما جعلها وبلا تردد أو تفكير تركله وتدهس رأسه بحركة لا إرادية، ما نتج عنه تعرض الكلب لنزف سطحي في رأسه. وعللت المرأة العربية تصرفها اللاإرادي بأنها تربت على الخوف من الكلاب وضرورة الابتعاد عنهم لأنها من الممكن أن تنجسها.   هنا تذكرت ما شاهدته بأم عيني عندما رأيت رجلاً مسنا تظهر عليه ملامح الوقار ذو لحية بيضاء طويلة أنيقة ويرتدي جلبابا أبيض اللون.. و فجأة وجدت الرجل المسن يركل كلبا صغيرا كان يمر بجواره فدفعه في الجهة الأخرى من الشارع وترك الكلب يصرخ من شدة أحساسة بالألم وذهب مبتسما بانتصاره على الكلب المسكين.   أما المفارقة التي أدهشتني كثيرا ما رواه لي صديقي الأستاذ الجامعي والذي تعرض للمساءلة في أحد مراكز شرطة لندن في السبعينيات بسبب بلاغ تقدمت به سيدة إنجليزية كانت تسير في الشارع وبجوارها كلبها وعندما رآه الطفل صرخ في وجه الكلب الأمر الذي أزعج السيدة صاحبة الكلب بسبب الخوف الذي أصاب كلبها من صراخ الطفل ما جعلها تتقدم ببلاغ لمركز الشرطة!   أيها الإنسان التعيس ألا تعلم أن الله طاهر وكل خليقته طاهرة.. ألا تعلم أن الكلاب لا ترتكب الخطيئة أو الإثم وإنما أنت!!. فأنت صاحب العقل والتميز بين الخير والشر،.. أنت الذي تعرف أن تفرق بين الصواب والخطأ..بينما الحيوان يتحرك بالغريزة يجب عليك أنت تتحرك بأحكام العقل   والمنطق! أيها الإنسان المسكين ألا تعلم أن الكلاب تعلم الإنسان الوفاء الإخلاص الذي يفتقده بني البشر في تعاملاتهم اليومية..   إلى متى يظل الإنسان المهووس دينيا غير متصالح مع نفسه وفي خصومة مع العالم أجمع؟ متى تنتهي عداوته للإنسان الآخر والحيوان وكل مظاهر الحضارة الحديثة؟   إلى متى يبقى الإنسان العربي منهزما وخاضعا لسلطان فقهاء الأصولية الجامدة ويرضخ لفتاوى التخلف والجهل المبنية على أفكار بعيدة تماماً عن صحيح القيم والخبرات الإنسانية التي أكتسبها الإنسان الحر على مر العصور؟   والأهم من كل ذلك إلى متى يظل مثل هذا الإنسان متعدد الأوجه "متلغبط ومتخبط ومرتبك" يعيش في صراع نفسي رهيب؟؟؟ فبينما تجده يقدس بول البعير نجده يلعن الكلاب ويعتبر بولها نجسا ورجساً من عمل الشيطان.   وبينما نجده يتحدث ليل نهار عن أن النظافة من الأيمان تجد أكثر البلاد قذارة هي البلاد العربية، وبينما نجده يتغنى ليل نهار بكرامة المرأة العربية تجدها في بعض البلدان محرومة حتى من قيادة السيارات. بل والمدهش أن يدرس كتاب فقه نكاح المرأة والبهيمة لطلاب الطب في جامعة الأزهر!!   وبينما تجده يتغني باحترام عقائد الآخرين و وجوب برهم نجده في نفس ذات الوقت يسخر من معتقداتهم معتبرا نفسه من الأعلون بدون امتلاك الأسباب!!! و يستحل لنفسه أموالهم ونسائهم وممتلكاتهم.   وبينما تجده يؤكد أنه مطالب بالعطف على الحيوان نجده يحتقر الحيوان ويهينه... أنظروا كيف تم التعامل مع الخنازير وكأنها من خليقة الشيطان ويجب محاربتها ووضعها في الجير المغلي كما فعلوا في مصر..   أيها الإنسان المسكين لن تستطيع أن تعاند الطبيعة ولن تستطيع إن تقاوم الله في خليقته وإن فعلت ذلك فأنت تشبه من يحاول تحريك جبل الحضارة الإنسانية المعاصرة فتكون النتيجة أن تجد نفسك تتحطم وتتلاشى على صخرة هذا الجبل العملاق بينما يبقى الجبل في حالة الثبات.   المسئولية ملقاة على عاتق الذين بيدهم السلطة والسلطان إن هم حقا أرادوا حياة كريمة لبلدانهم وشعوبهم. أن يقوموا فوراً وبدون هوادة بغلق وحل كل الأحزاب الدينية وملاحقتها قانونيا حتى وإن تخفت وراء شعارات مضللة بل ومنعها منعا تاماً من اعتلاء منابر الوعظ ومن إصدار الفتاوى المتخلفة المتعاكسة مع ابسط قواعد العقل والمنطق الإنساني وذلك بهدف حماية للإنسان العربي من خزعبلات شريرة الصقوها بالدين فكانت النتيجة تخلف العرب والمسلمين عن ركب الحضارة الإنسانية بآلاف السنين.


نقلاً عن: إيلاف