Menu
حضارة

خطاب التحرّر الوطنيّ ونقائضه

سعود قبيلات

بقلم / سعود قبيلات

ثمَّة سؤالٌ جوهريّ يجهله (أو يتجاهله ويزيِّفُ الإجابةَ عليه) كثيرون، بينما هم يتابعون ما يجري في منطقتنا. هذا السؤال هو: على ماذا يدور الصراع مِنْ حولنا؟ وبين مَنْ ومَنْ؟ ومِنْ أجل ماذا؟ 

وتحت ستار هذا الضباب الكثيف المصطنع، رأينا الكثير من المواقف المتناقضة، والاصطفافات الغريبة المخادِعة، والشعارات الزائفة المفرغة من مضامينها. وبلغ الأمر، أحياناً، حدّ جرّ الناس للوقوف، عن جهل، ضدَّ مصالحهم وإلى جانب أعدائهم، وفي مواجهة أصدقائهم وحلفائهم الفعليين والموضوعيين. لأنَّ ماكينة تزييف الوعي الجبَّارة بذلتْ جهوداً كبيرةً كي تدفعهم لتركيز أنظارهم، طوال الوقت، على مواضع أقدامهم، وصرفها عن رؤية ما يدور حولهم وإلى أين تقودهم خطواتهم.

وهذا في حين كانت الرؤية – حتَّى وقتٍ قريب – واضحة، وخطوط الصراع مرسومة بدقَّة؛ فكان هنالك اتِّفاق على أنَّنا نعيش في مرحلة التحرّر الوطنيّ، وأنَّ قضيَّة التحرّر الوطنيّ هي العنوان الرئيس لأيّ برنامج وطنيّ أو قوميّ. فهل أنجزنا مهامّ هذه المرحلة وانتقلنا إلى سواها أم أنَّنا لا نزال نراوح في مكاننا؟

الواقع أنَّ الشعوب العربيَّة، منذ عهد محمَّد علي الكبير وحتَّى الآن، وهي تحاول، بطرق مختلفة ومستويات متفاوتة (ومتنوِّعة) من الصراع، إنجاز هذه المهمّة الأساسيَّة المطروحة على جدول أعمال تاريخها. وهي مهمّة ليست أساسيَّة فقط؛ بل هي، أيضاً، البوَّابة الوحيدة التي يمكن للأمّة أنْ تعبر مِنْ خلالها إلى ساحة التاريخ، لتصنع أحلامَها وطموحاتِها الأساسيَّةَ الأخرى: الحريَّة، والديمقراطيَّة، والاشتراكيَّة، والوحدة، والتقدّم.

وفي هذا السياق، نفسِه، يرى كاتب هذه الورقة أنَّ الصراع الدائر في منطقتنا (وعليها)، الآن، هو، في مستواه المحليّ، صراعٌ بين مشروع إنهاء التبعيَّة وقواه وأدواتِه، وبين مشروع تجديدِها (وإطالةِ أمدِها) وقواه وأدواتِه؛ أمَّا في مستواه الدوليّ، فهو صراع بين نظام القطبيَّة الأميركيَّة الأحاديَّة، الذي يتهاوى.. لكنَّه يدافع عن نفسه بشراسة، وبين النظام الدوليّ الجديد الذي يتقدَّم بثبات نحو القطبيَّة المتعدِّدة.

فأين نحن، إذاً، كأمَّة وكشعوب عربيَّة، مِنْ هذا الصراع؟ هل نحن، مرّةً أخرى، كما كنّا في مطالع القرن الماضي، مجرّدَ تركةٍ لرجلٍ مريضٍ تتصارع عليها الدول والمصالح والمطامع الدوليَّة؟ أم أنَّنا أصبحنا، أخيراً، أمّةً لذاتها (وليست بذاتها فقط) ونريد أن نجد لنا موطأ قدمٍ راسخاً في هذا العالم الجديد الذي يتشكَّل مِنْ حولنا؟

الوعي شرطٌ أساسيّ لتحوّلنا إلى أمّة لذاتها. وهنا، يأتي دور النخب الواعية المثقَّفة. لكنَّ معظم طاقات هذه النخب معطَّلٌ، مع الأسف، إلى إشعارٍ آخر؛ فبعضها باع نفسه وباع ضميره ووعيه بثلاثين فضَّة مِنْ أموال النفط والتمويل الأجنبيّ، والبعض الآخر انطوى على نفسه واكتفى بدور المراقب السلبيّ الصامت؛ الأمر الذي أتاح للمشعوذين والمأجورين والمغفَّلين أنْ يتصدَّروا الموقف، ويأخذوا راحتهم في بَثِّ وعيهم الزائف وتضليل الناس والتلاعب بعقولهم.

تغييب مفهوم التحرّر الوطنيّ

تراجع حضور مفهوم التحرّر الوطنيّ كثيراً خلال العقدين الماضيين. حدث هذا في ظلّ هجمة الأمركة التي راحت، آنذاك، تتستَّر بقناع «العولمة».

وللتذكير، فقد ركَّز خطاب الأمركة، في بداياته، على القول بأنَّ عصر الدولة الوطنيَّة والاستقلال قد انتهى، وأنَّ العالم أصبح موحّداً ومتداخلاً ويتأثّر بعضه ببعض.

وهذه كلمة حقّ أُريدَ بها باطل؛ فالعالم يمثِّل، فعلاً، في ظلّ النظام الرأسماليّ الدوليّ، كلّاً واحداً؛ لكنّ هذا الكلّ الواحد، مِنْ ناحية أخرى، ليس كتلةً صمَّاء مصمتة ومتجانسة؛ بل يشتمل على أحوال ومصالح كثيرة متباينة، تندرج، في النهاية، في إطار قسمين كبيرين متضادّين.. لكنّ وجود كلٍّ منهما شرطٌ ضروريّ لوجود الآخر، ألا وهما: مراكز النظام الرأسماليّ الدوليّ وأطرافه.

وبالتالي، فالحديث عن انتهاء صيغة الدولة الوطنيَّة وانهيار حدودها، لم يُقصَد به التجانس والتضامن الإنسانيّ؛ بل خضوع أطراف النظام الرأسماليّ الدوليّ وهوامشه بشكلٍ كامل وغير مشروط لمصالح المراكز وأطماعها. لتزداد المراكز مركزةً، وتحصيناً، مقابل تفتيت الأطراف وتحويلها إلى حالات هلاميَّة هشَّة؛ بحيث تصبح إمكانيَّةُ اختراقها، من المراكز، بلا حدود ولا ضوابط. لذلك، كان الهجوم على خطاب التحرّر الوطنيّ ومشروعِه شاملاً ومكثَّفاً، خصوصاً في أجواء انهيار الاتِّحاد السوفييتيّ المحبِطة، وتكريس الولايات المتَّحدة الأميركيَّة كقطب أوحد على أشلائه.

البناء على فرضيَّة مغلوطة

يبني كثيرون مواقفهم ممّا يجري في المنطقة، سواء وعوا ذلك أم لم يعوه، على فرضيَّة أساسيَّة مغلوطة؛ هي أنَّه يمكن فصل قضيَّة الحريَّة والديمقراطيَّة عن قضيَّة التحرّر الوطنيّ والتقدّم الاجتماعيّ؛ ما يعني، ضمناً، أنَّه يمكن لشعبٍ في بلدٍ تابعٍ، مستعبَدٍ، لا يملك السيطرةَ على موارده، ولا يتَّبعُ سياساتٍ اقتصاديَّةً اجتماعيَّةً حرّةً تتمحور على حاجاته الوطنيَّة وطموحاته المشروعة للنهوض والتقدّم، وتُفصَّلُ سياساتُه العامَّةُ وفق متطلَّبات مصالح الشركات متعدِّدة (ومتعدِّية) الجنسيَّة التي تحكمه مِنْ خلال وكلائها، ويسوده التفاوت الطبقيّ بشكلٍ فادح – يمكن لمثل هذا الشعب، في مثل ذلك البلد، أنْ يصبح حرّاً، مع ذلك، وأنْ يحكم نفسه بصيغة ديمقراطيَّة حقيقيَّة، مع بقاء أوضاع بلاده على حالها! بل إنَّه يمكن أيضاً لشعبٍ آخر في بلدٍ مستقلّ أنْ يحصل على حريَّته السياسيَّة إذا ما تنازل عن حريَّة بلاده.

والتبعيَّة ليست كلاماً في الهواء؛ بل هي بُنية اجتماعيَّة اقتصاديَّة. تحرسها وترعاها طبقةٌ مستفيدةٌ بها، هي البرجوازيَّة الكمبرادوريَّة وسائر الشرائح البورجوازيَّة الطفيليَّة.

ولذلك، فإنَّ أيَّ تغييرٍ لا ينقض هذه البُنيةَ؛ أي لا يطيح بالأساس المتين لهيمنة الشرائح الطبقيَّة غير الوطنيَّة على السلطة، ولا يرسي قواعدَ راسخةً لسلطة الشعب، ولا يعيد توزيعَ الثروة ومكاسبَ التنمية بشكلٍ يخدم مصالحَ الطبقاتِ الشعبيّة، لن يقود إلا إلى صورة عبثيَّة من المراوحة بين خياراتٍ شكليَّة هي في جوهرها من الجنس نفسه.

ولهذا السبب، نظر الغرب عموماً، والولايات المتَّحدة خصوصاً، بعدائيَّة شديدة، إلى الخيارات الديمقراطيَّة لدول أميركا اللاتينيَّة وشعوبها؛ في حين أنَّهما نظرا إلى الخيارات التي طُرِحَتْ، في بعض البلدان العربيَّة، تحت مسمَّى الحريَّة والديمقراطيَّة، خصوصاً تلك التي أدَّتْ إلى صعود «الإخوان المسلمين» إلى سدَّة السلطة، بتعاطفٍ واضح، ودعماها بلا تحفّظ. لأنَّه، في هذه الحالة، ما مِنْ تهديد لنظام التبعيّة. امّا في الحالة الأولى، فثمَّة ديمقراطيَّة حقيقيَّة، تقوم على الدمج العضويّ بين تحرّر الأوطان وبين تحرّر شعوبها، وتجعل كلاً منهما شرطاً للآخر. ما يعني خسارة فادحة مؤكّدة لسياسات النهب الإمبرياليَّة الجشعة؛ لذلك، نسي الغرب، في هذه الحالة، غرامه الزائف بالحريَّة والديمقراطيَّة، وراح يرفض تلك التجارب الديمقراطيَّة الحقيقيَّة ويعاديها مِنْ دون أنْ يرفّ له جفن.

وفي الجوهر، فإنَّ الحديث الليبراليّ، في بلادنا العربيّة، عن الحريَّة والديمقراطيَّة مِنْ دون بعدهما الاجتماعيّ ومِنْ دون شرط التحرّر الوطنيّ، لا يضمر أكثر مِنْ محاولة بائسة لاستعادة نمط الأنظمة الليبراليَّة التابعة، التي كانت قائمة في العالم العربيّ في أربعينيَّات القرن الماضي وحتَّى أوائل خمسينيَّاته، ثمَّ انهارتْ تباعاً تحت وطأة توق الشعوب العربيَّة للتخلّص من التبعيَّة، وتحقيق التنمية الوطنيَّة المستقلّة، والتوزيع العادل للثروة ومكاسب التنمية، وإنجاز الديمقراطيَّة القائمة على هذه الشروط.

فهل يظنَّن عاقلٌ أنَّ محاولة استعادة نمط الأنظمة الليبراليَّة التابعة، تلك، التي أصبح البعض يتغنَّى بفضائلها صراحة مؤخّراً، ستقود إلى نتيجة أفضل مِنْ تلك التي قادت إليها في أربعينيَّات القرن الماضي وخمسينيَّاته؟

مجموعتان خطابيّتان

بناء على الاستعراض المكثَّف السابق للمرحلة التاريخيَّة الحاليَّة التي نعيش في ظلّها، سأقوم – تالياً - بتصنيف مجمل تشكيلات الخطاب الموجودة لدينا إلى مجموعتين خطابيَّتين متضادَّتين. وذلك استناداً إلى الكيفيّة التي تتفاعل بها برامجهما مع الواقع القائم:

المجموعة الخطابيَّة الأولى تعبِّر عن سياسات وبرامج هدفها ابقاء الواقع القائم على حاله وتبرير بقائه؛ أعني واقعَ التبعيّة، وفشل التنمية المتمحورة على الحاجات الوطنيَّة، واستشراء الفساد والاستغلال والقهر والتفاوت الطبقيّ.

وتضمّ هذه المجموعة: الخطابَ الليبراليّ بألوانه المختلفة، والخطابَ الإسلاميّ القائم على توظيف الدين لأغراض سياسيَّة، بألوانه المختلفة أيضاً.

المجموعة الخطابيَّة الثانية تقوم على طرح سياسات وبرامج هدفها تغييرُ هذا الواقع القائم، وبناءُ واقع جديد فعلاً بدلاً منه. وتضمّ خطابَ التحرّر الوطنيّ بتشكيلاته المختلفة.

وسأفصّل رأيي، تالياً، في هاتين المجموعتين:

أوّلاً، مجموعة خطاب الواقع القائم:

1. الخطاب الليبراليّ

وُلِدَتْ الليبراليَّة – كما هو معروف – في أوروبَّا عصر النهضة، قبل قرون، كتيَّار ثوريّ تقدّميّ، يطرح شعارات الحريَّة والديمقراطيَّة والمساواة والتنوير والعلمانيَّة، في مواجهة الاقطاع وقيمه الأرستقراطيَّة المتخلِّفة. لكن ما إن اندحر الاقطاع، وأصبحت البرجوازيَّة في السلطة واستحوذتْ على وسائل الإنتاج والثروة، حتَّى تبيَّن أنَّ الحريَّة التي ينشدها الليبراليون هي حريَّة الرأسماليين، فقط، في استغلال العمّال والفلّاحين، وحريَّة السوق التي هي أشبه ما تكون بشريعة الغاب؛ أمّا الديمقراطيَّة، فهي، بالنسبة لهم، النظام السياسيّ الذي يرعى المنافسة بين مصالح الرأسمال الكبير ويحشد قواه للدفاع عن ما هو مشترك مِنها.. وهذه، بالتأكيد، ليست حكمَ الشعبِ الذي يزعمونه.

ولذلك، فقد كان التمتّعُ بحقّ الاقتراع، في العديد من البلدان الأوروبيَّة المتقدِّمة، مقصوراً، على الأثرياء فقط، حتَّى أوائل القرن الماضي؛ كما كانت المرأة محرومة منه في مختلف أنحاء أوروبّا والغرب. والأمر، نفسه، كان ينطبق على الأقليَّات العرقيَّة في بعض تلك البلدان (الزنوج، في الولايات المتَّحدة، على سبيل المثال).

وفقط، تحت تأثير الأفكار الاشتراكيَّة، التي انتشرتْ في أوروبّا في القرنين التاسع عشر والعشرين كردٍّ جذريّ على الاستغلال الرأسماليّ البشع، وخصوصاً بعد انتصار ثورة تشرين أوَّل (أكتوبر) الاشتراكيَّة السوفييتيَّة التي بادرت بإعطاء المرأة حقوقاً غير مسبوقة وأشركتها في أوَّل حكوماتها مِنْ خلال ألكسندرا كولنتاي التي أصبحتْ أوَّل وزيرة في التاريخ عام 1917 – اُضطُرَّت الدول الأوروبيَّة (والغربيَّة، عموماً) لجعل حقّ الاقتراع حقّاً عامّاً، ومنحته أيضاً للمرأة؛ تمَّ ذلك في الولايات المتَّحدة، على سبيل المثال، عام 1918؛ وفي فرنسا عام 1945؛ وفي سويسرا عام 1971. وبعد ذلك، انتشر هذا الحقّ في مختلف أنحاء العالم.

وهذه العدوى «السوفييتيَّة» تكرَّرتْ، لاحقاً، في مختلف المجالات، بما فيها المجال الاقتصاديّ؛ حيث جاءت السياسة الاقتصاديَّة «الكنزيَّة»، في أميركا، والديمقراطيَّة الاشتراكيَّة، في أوروبّا، كردّ على تحدّي المنافسة السياسيَّة والأيديولوجيَّة مع الاتِّحاد السوفييتيّ.

وما إن انهار الاتِّحاد السوفييتيّ في مطلع تسعينيَّات القرن الماضي، حتَّى راحت المراكز الرأسماليَّة الدوليَّة تستعيد ما قدَّمته مِنْ تنازلاتٍ تحت ضغط المنافسة معه، وعادت إلى صيغتها السابقة الأكثر تعبيراً عن جوهرها الحقيقيّ (الليبراليَّة المتوحِّشة)، كما أنَّها عادت إلى اتِّباع سياسات «البوارج الحربيَّة»، والإملاءات المتغطرسة، والحروب العدوانيَّة، والاستعمار المباشر، والنهب والاستغلال، بلا حدود أو ضوابط؛ وهو ما قاد إلى الأزمة الاقتصاديَّة الطاحنة والمتفاقمة، التي تشهدها الآن، والتي لا سبيل إلى حلِّها.

وقد شهدنا، ابتداء مِنْ تسعينيَّات القرن الماضي، كيف تمَّ، على صعيد العالم كلّه، تعميمُ وصفة من القوانين والتنظيمات التي تحدّ من دور النقابات العمَّاليَّة، وتقلِّص الحقوقَ والمكتسبات والحريَّات العمَّاليَّة (والشعبيَّة). وبالمقابل، تكرِّس حقوقاً جديدةً وإضافيَّةً لصالح الشركات المتعدّية الجنسيّات.

وهكذا، تبيّن أنَّ الحقوق والمكتسبات التي حصلت عليها الفئات الشعبيَّة والعمَّاليَّة سابقاً، لم تكن سوى تنازلات مؤقَّتة قُدِّمت في سياق الحرب الباردة.

على أيَّة حال، نحن نشهد الآن وقائع فشل مشروع الليبراليَّة الجديدة، بعدما خرَّب ودمَّر على نطاق واسع في الكرة الأرضيَّة كلِّها، وولَّد من الحروب والصراعات الدمويَّة ما لم يشهده عصر مِنْ قبل، وأفقر وجوَّع جموعاً هائلة من البشر؛ وفي مقدِّمة ضحاياه، الوعي والفكر؛ بل، أيضاً، الفنّ والأدب، وكذلك، السياسة، نظريَّةً وممارسة.

أمَّا في بلادنا العربيَّة، فلم تتمكّن الليبراليَّة مِنْ أنْ تكون ثوريَّة وتقدميَّة.. إلا في فترات محدودة وبشكلٍ سطحيّ وساذج، في بدايات القرن الماضي؛ لأنَّها وصلتْ إلينا في أوج سيطرة نمط الرأسماليَّة المتوحِّشة، وفي ذروة استشراء التوسّع الاستعماريّ، ورسوخ الخاصيَّة الاستقطابيَّة للنظام الرأسماليّ الدوليّ.

ومنذئذٍ، أصبحت الثورة، في أطراف النظام الرأسماليّ الدوليّ، تعني الكفاحَ مِنْ أجل التحرّر الوطنيّ وفكَّ التبعيَّة وتحقيقَ الاشتراكيَّة. إذ أنَّه لم يعد ممكناً إنجاز برنامج التحرّر الوطنيّ إلا بتجاوز الرأسماليّة. وهذا في حين أنَّ أعظم غايات الليبراليَّة هي تعزيز حريَّة السوق ورأس المال العابر للجنسيَّات في التحكّم بالشعوب والبلدان، واستغلالها، ونهب ثرواتها؛ الأمر الذي يعني، في المحصِّلة، استمرار التبعيَّة وتعزيز الظلم الاجتماعيّ إلى ما لا نهاية.

وبالاستناد إلى هذا التحوّل الطبقيّ والسياسيّ العميق، أصبحت قيم العلمانيَّة والتنوير والحرّيَّة والنهضة الوطنيَّة (والقوميَّة) مجرَّد كلمات في الهواء بالنسبة لليبراليَّة العربيَّة، وأصبح دورها الحقيقيّ ينحصر في التناغم مع مقتضيات مصالح (وأطماع) المراكز الرأسماليَّة الدوليَّة. ولذلك، ينظر الليبراليّون العرب إلى كلّ خطاب يتحدَّث عن استقلال الدول وسيادتها والتحرّر الوطنيّ والاعتماد على الذات والتنمية المتحورة على المصالح الوطنيَّة، وإلى الحديث عن مصالح الفئات الشعبيَّة وحقوقها، على أنَّه خطاب «خشبيّ» عفا عليه الزمن!

عادت الليبراليَّة، مجدّداً، بصيغتها المتوحِّشة، في بداية القرن الحاليّ، بعد انهيار الاتِّحاد السوفييتيّ وانتشار موجة الأمركة على وقع الحروب الإمبرياليَّة في العراق وأفغانستان ويوغسلافيا. حيث أعلن قسمٌ من اليسار العربيّ استسلامه لخصمه السابق، وحمل راية الليبراليَّة.. كما لو كانت فتحاً جديداً، وأصبح يرطن بمفرداتها، خالطاً بينها وبين الديمقراطيَّة، عن جهلٍ.. أحياناً، وعن عمد.. أحياناً أخرى. لكنّها انكشفتْ بسرعة بعد الهزائم التي تلقَّتها الإمبرياليَّة الأميركيَّة في العراق وأفغانستان، والأزمات الاقتصاديَّة العميقة المتلاحقة التي ألمَّت بمراكز النظام الرأسماليّ الدوليّ، واتِّضاح فشل التطبيقات الاقتصاديَّة والسياسيَّة الليبراليَّة في أطراف هذا النظام وما سبَّبته مِنْ ويلات وكوارث لغالبيَّة الناس في مختلف أنحاء العالم.

والآن، عندما أرى بعض الليبراليين العرب يصطفّون خلف «جبهة النصرة» وشقيقاتها في سوريَّة، ومع «الإخوان المسلمين» والسلفيين في مصر وتونس وليبيا، أدركُ مدى بؤس الخاتمة التي انحدر إليها هذا التيَّار السياسيّ والفكريّ القديم.

وهذا، طبعاً، عدا عن ما هو معروف مِنْ أنَّ السياسات الاقتصاديَّة الليبراليَّة هي التي تخلق الحواضن الملائمة لإنبات الفكر التكفيريّ وتوالد التكفيريين.

أوهام عربيَّة بشأن النموذج الليبراليّ الغربيّ

من الأوهام الشائعة، في عالمنا العربيّ، بشأن «النموذج الغربيّ الليبراليّ»، الوهم بأنَّ هذا النموذج ما هو إلا بديل ونقيض لنموذج آخر مطبَّق لدينا الآن!

فما هو هذا النموذج الآخر؟

البعض يستعير شيئاً مِنْ مفاهيم «نظريَّة» «صراع الحضارات»، فيهجس، ضمناً، بما يسمِّيه «الحضارة العربيَّة الإسلامية».

وهنا أسأل: أين هي تلك الحضارة بالضبط؟ وهل توجد بقعة في العالم كلّه ليست خاضعة للحضارة الغربيَّة (الرأسماليَّة)؟ بل هل من الممكن الآن، أصلاً، استعارة وتطبيق أيّ نموذج حضاريّ مِنْ ماضي أيّ شعب من الشعوب، وتطبيقه على واقعه الحاليّ؟!

أمَّا إذا أردنا الحديث عن التركيب النفسيّ الجمعيّ، وعن الثقافات المختلفة، والحنين إلى الماضي هروباً من الواقع المرير، فهذا موضوع آخر؛ بل هو موجود على نحو جليّ لدى مختلف الشعوب، وحتَّى في المراكز الغربيَّة، وفي الولايات المتَّحدة بالذات.. لدى بعض فئاتها الأثنيَّة أو الدينيَّة أو الاجتماعيَّة. لكنَّ هل يعني هذا أنَّ في الولايات المتَّحدة حضارات متعدِّدة؟!

وثمَّة مَنْ حاول تكييف أطروحة ماركس بشأن «نمط الإنتاج الآسيويّ» ليؤكِّد بوساطتها وجود مثل هذا النموذج الاقتصاديّ الاجتماعيّ الآخر «الشاذّ عن القاعدة». وفي هذا الشأن، فإنَّ كاتب هذه الورقة يتَّفق مع نظرة الدكتور سمير أمين إلى أطروحة ماركس، تلك، على أنَّها إحدى تجلِّيات «المركزة الثقافيَّة على الغرب».

وبالخلاصة، فإنَّني أقول بأنَّ النموذج الغربيّ الليبراليّ متحقِّق فعليّاً على المستوى الدوليّ؛ بما فيه عالمنا العربيّ والإسلاميّ، وفي العالم كلّه؛ لكنّ شكل تحقّقه، لدينا (ولدى كلّ الشعوب الفقيرة والمقهورة)، ينسجم مع حالتنا الهامشيَّة الطرفيَّة في النظام الرأسماليّ الدوليّ (الليبراليّ).

ومن يرى خلاف ذلك فإنَّه في الواقع لا ينظر إلى النظام الرأسماليّ الدوليّ (الليبراليّ) إلا مِنْ زاوية نظر جزئيَّة قاصرة، فيراه كما هو منعكس على حال الطبقة البورجوازيَّة المهيمنة في مراكزه، وليس كما هو منعكس على أحوال الطبقات الأخرى في تلك المراكز أو على أحوال شعوب وبلدان الأطراف المهمَّشة.. وبالتأكيد، ليس كما هو في صورته الكليَّة الواحدة. ولذلك، فعندما ينحاز بعض أبناء جلدتنا لذلك النموذج، ويتبنَّاه، فإنَّه – أدركَ ذلك أم لم يدركه – ينحاز لاستمرار تهميشنا وإدامة تخلُّفنا، من أجل استمرار الثراء الفاحش للمراكز الرأسماليَّة الدوليَّة وزيادة توحّشها.

وفي رأيي فإنَّ السعي لتحقيق الديمقراطيَّة في العالم يصطدم، أوَّل ما يصطدم، بالنموذج الليبراليّ الغربيّ ولن يقوم إلا على أنقاضه.

وثمَّة وهم آخر شائع، في عالمنا العربيّ، بشأن «النموذج الليبرالي الغربي»، وهو الوهم بأنَّه نموذج منفتح ومسالم، وبالتالي فإنَّه هو الملجأ والملاذ للبشر الرافضين للعنف والانغلاق. أعتقد، بخلاف ذلك، أنَّ هذا النموذج هو بالذات المولِّد الدائم لكلّ أشكال العنف والتعصّب والتخلّف، بسبب ظلمه وتهميشه وقهره للقطاع الأكبر من البشر، وكذلك لأنَّه يجعل من المال والطمع والجشع قيماً عليا بمسميَّات ذات جاذبيَّة خادعة وبريق زائف.

وهكذا، فالديمقراطيَّة ليست كلمة محايدة – كما يحاول الغرب وأنصاره أنْ يوحوا – بل هي تتحدَّد بمضامينها الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة؛ وبالتالي، بمَنْ هو المستفيد بها ومَنْ هو الخاسر أو الذي يدفع الثمن.

الديمقراطيَّة مِنْ دون محتواها الاجتماعي الاقتصاديّ المنحاز لمصالح الطبقات الشعبيَّة الواسعة وطموحاتها، تتحوّل إلى نمط من الديكتاتوريَّة المقنَّعة للطغم الماليَّة الجشعة وللشركات الكبرى العابرة للجنسيَّة. إنَّها، بالأحرى، الصيغة التي يَقنَع بوساطتها الحمل بأنَّ دوره في الحياة هو أنْ يكون لقمة سائغة للذئب.

2. الخطاب الدينيّ:

الخطاب الذي يقدّمه الإسلاميّون في الاقتصاد والسياسة هو نفسه تقريباً خطاب الليبراليين؛ فهم، مثلهم، يتبنّون الرأسماليَّة بأكثر أنماطها توحّشاً وفظاظة.. لكن مع تسميتها نظاماً اقتصاديّاً إسلاميّاً وإعطائها طابعاً قدسيّاً زائفاً. وهم، أيضاً، مثلهم، يصطفّون غالباً – بقصدٍ وإدراك، أو موضوعيّاً.. على الأقلّ – إلى جانب الإمبرياليَّة الأميركيَّة وحلف الأطلسيّ.

وإذا كان الليبراليون يمثِّلون احتياطيّاً ثقافيّاً وإعلاميّاً وسياسيّاً غبّ الطلب للإمبرياليَّة؛ فإنَّ الإسلاميين الوهَّابيين قد أثبتوا، مراراً وتكراراً، أنَّهم احتياطيّ الإمبرياليّة الأكبر.. ليس ثقافيّاً وإعلاميّاً وسياسيّاً حسب، وإنَّما عسكريّاً أيضاً، وقد خاضوا معاركها الأساسيَّة.. ليس في البلاد العربيَّة وحدها، بل أيضاً في أنحاء مختلفة من العالم.

وأمَّا مشروعهم للتغيير، فيمثِّل النمط الأكثر تشوّهاً للحياة والفكر في هوامش النظام الرأسماليّ الدوليّ. لأنَّه يقوم على تغييب العقل وتدمير الثقافة وإخضاع الناس لقيم ومفاهيم وأنماط حياة قروسطيّة متخلِّفة؛ الأمر يضمن بقاء الناس وبلدانهم أسرى للعيش في هوامش النظام الرأسماليّ الدوليّ، مقابل زيادة مراكز النظام مركزةً.. إلى ما لا نهاية.

ثانياً، الخطاب البديل:

خطاب التحرّر الوطنيّ (والقوميّ) والاشتراكيَّة

يستطيع كلّ مفكِّر، وكلّ جماعة سياسيَّة أو فكريَّة، وكلّ مهتمّ ومعنيّ، أنْ يقترحوا ما شاءوا من الأفكار الخاصَّة بوصفها مشروع الأمّة المنشود؛ لكنّ هذا لا يعني شيئاً ما لم تركب مسنَّنات هذه الأفكار على مسنَّنات عجلة التاريخ وتدور معها.

مشروع الأمّة الحقيقيّ هو الذي يحمل إجابات موضوعيَّة لمختلف الأسئلة المطروحة تاريخيّاً على أمّةٍ من الأمم، فيقودها إلى التغلّب على مشكلاتها، والاستجابة لتحدّيات عصرها، والنهوض مِنْ سباتها، وإطلاق إمكاناتها وطاقاتها.

ومحدِّدات العناصر التي تميِّز مشروع الأمّة الحقيقيّ عن المشاريع الزائفة والمدَّعاة تختلف مِنْ أمَّةٍ إلى أخرى ومِنْ مرحلةٍ تاريخيَّة إلى سواها. وكي لا ندخل في متاهاتٍ كثيرة، فإنَّنا سنقصر حديثنا، هنا، على أمّتنا العربيَّة ومشروعها المنشود والظرف التاريخيّ الذي يُطرح فيه هذا المشروع.

من المعروف أنَّ أمّتنا محبوسة، منذ زمنٍ طويل، بين جدران هوامش النظام الرأسماليّ الدوليّ. ووضعها المأساويّ، هذا، هو سبب أزمتها المزمنة.

ومن المفيد، هنا، أنْ نشير إلى أطروحة سمير أمين بشأن التطوّر اللامتكافئ والمراكز والأطراف؛ وانطلاقه منها للتقدّم باقتراحٍ يقول إنَّه لا يمكن تجاوز النظام الاقتصاديّ الاجتماعيّ، بالعموم، إلا مِنْ هوامشه وأطرافه. وفي هذا السياق نفسه، فإنَّه رفض اعتبار الاقطاع نظاماً مستقلّاً، بل رآه كهامش لما أسماه النظام الخراجيّ المركزيّ. وحيث أنَّ الهامش أكثر مرونة وقابلية للتحوّل من المركز، فقد تمَّ التجاوز الرأسماليّ للنظام الخراجيّ مِنْ هوامشه الاقطاعيّة في أوروبّا وليس مِنْ مركزه في العالم العربيّ. وهذا الأمر ينطبق على احتمالات تجاوز النظام الرأسماليّ أيضاً.

وفي ظلّ المعطيات التاريخيَّة التي استعرضناها سالفاً، فإنَّ المشروع الحقيقيّ للأمّة المطروح موضوعيّاً هو مشروع التحرّر الوطنيّ والديمقراطيَّة بأفقٍ اشتراكيّ. إنَّه المشروع الذي يتسلَّح بقيم الاستنارة، والحداثة، والعلمانيَّة، والاشتراكيَّة، والوحدة المبنيَّة على أسس ديمقراطيَّة، ويحشد طاقات أمّتنا، ويحفزها على المبادرة والخلق والإبداع، ويعزِّز انتماءها الوطنيّ والقوميّ، ويساعد على التخلّص مِنْ كلّ أنماط أيديولوجيا هوامش النظام الرأسماليّ الدوليّ والفكر والثقافة المرتبطين بها.

ويجدر التأكيد، هنا، على الترابط الوثيق بين التحرّر الوطنيّ وبين الاشتراكيَّة؛ فالتحرّر الوطني، هو - بالضرورة – فعل مضادّ للرأسماليَّة؛ حيث أنَّ الطبيعة الاستقطابيَّة للنظام الرأسماليّ الدوليّ تجعل من المستحيل على أيّ بلد تابع (وطرفيّ، بالضرورة) أنْ يخرج مِنْ وضعه هذا إلا بتجاوز الرأسماليَّة والتصادم مع المراكز الرأسماليَّة الدوليّة. ومِنْ دون إدراك هذه الحقيقة والعمل وفقها، يكون أيّ إنجاز على طريق التحرّر الوطنيّ إنجازاً شكليّاً وهشّاً قابلاً للانتكاس في أيّ وقت.

إمَّا تقدّم تاريخيّ.. أو فمهزلة إنسانيَّة

طُبِّقَتْ، خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين، اقتراحات مختلفة لبناء الاشتراكيَّة في بلدان عديدة من العالم؛ فثمَّة الاقتراح السوفييتيّ، مثلاً، والاقتراح الصينيّ، والاقتراح اليوغسلافيّ، والاقتراح الكوبيّ، والاقتراح الذي طُبِّق في عددٍ من البلدان العربيَّة وأسماه السوفييت «الطريق اللارأسماليّ». ولكنّ هذه الاقتراحات، كلّها، أفضتْ إلى أنماط مختلفة مِنْ رأسماليَّة الدولة الوطنيَّة، وما لبث بعضها أن انتكس إلى نمطٍ من الرأسماليَّة الكلاسيكيَّة أو التابعة. وذلك لأنَّ الدولة، في ظلّ تلك التجارب، تحوَّلتْ إلى ربّ عمل كبير، ولم تفسح المجال للمنتجين ليسيطروا على وسائل الإنتاج، فيساهموا في بناء الاشتراكيَّة ويدافعوا عن مكتسباتها بإرادة حرَّة. الأمر الذي كان يتطلَّب تطبيق نمطٍ متطوّرٍ من الديمقراطيَّة السياسيَّة والاجتماعيَّة يتجاوز النمط الديمقراطيّ البرجوازيّ.. المنقوص في الواقع.

ومِنْ ناحية أخرى، يرى كاتب هذه السطور أنَّ فوز الأحزاب اليساريَّة، في عددٍ مِنْ بلدان أميركا اللاتينيَّة، بالسلطة، عبر صندوق الاقتراع، خلال السنوات الماضية، يؤكِّد أنَّ قضيَّة الاشتراكيَّة لا تزال حيَّة، وأنَّ البحث عن سبل ملائمة لبنائها لا يزال جارياً. فكما هو معروف، لا توجد وصفه جاهزة للاشتراكيَّة تصلح للتطبيق في كلِّ مكانٍ وزمان. لذلك، فإنَّه ليس أمام الاشتراكيين سوى أنْ يكتشفوا طرائقهم ووسائلهم لبناء الاشتراكيَّة في ميدان الممارسة الثوريَّة؛ فيصيبون ويخطئون، ويتقدَّمون ويتراجعون، وينتصرون وينهزمون. وفي أثناء ذلك، يتعلَّمون مِنْ أخطائهم ومِنْ نجاحاتهم، ولا ييأسون أو يُحبَطون. وإذا كانت تجربة حوالي سبعين سنة من التطبيقات الاشتراكيَّة السابقة قد وصلتْ إلى نهايات لم تكن مأمولة، فإنَّ الرأسماليَّة احتاجتْ إلى خمسة قرون حتَّى ترسِّخ أقدامها، ولم تستقرّ (ولن تستقرّ) بعد.

ومع ذلك، فإنَّ التجارب الاشتراكيَّة الأولى لم تكن بلا إنجازات حقيقيَّة وكبيرة.

فقد مثَّلت اختراقاً خطيراً للنظام الرأسماليّ الدوليّ يؤشِّر إلى المستقبل، وصنعتْ دولتين عظميين؛ إحداهما كانت قبل ذلك متخلِّفة ونصف مهمَّشة (روسيا) والأخرى كانت مستعمَرة ومفكَّكة (الصين).

وبالتوسّل بالخطاب الاشتراكيّ، تحرَّر العديد مِنْ بلدان العالم الثالث، ومِنْ ضمنها بلدان عربيَّة، مِنْ ربقة التخلّف والتبعيَّة، وسار على طريق الاستقلال والتنمية الوطنيَّة. حتَّى إنْ كان بعض تلك البلدان قد عاد ووقع في وهدة التبعيَّة. كما أنَّ هذه التجارب كرَّست، عالميّاً، العديد من الحقوق الإنسانيَّة والاجتماعيَّة والقيم والأفكار التقدميَّة.

استناداً إلى كلّ ما تقدَّم، ما من بديل إلا بإعادة بناء حركة التحرّر العربيَّة على أسس جديدة، بحيث تكون على وعيٍ كامل بمهمّاتها التاريخيَّة، وعلى صلة وثيقة بالجماهير الشعبيَّة، وتعبِّر بصدق عن مصالح هذه الجماهير وطموحاتها، وتتمسَّك على نحوٍ صارم بهويَّتها التقدميَّة، وتعود إلى مبادئها الأصليَّة (العلمانيَّة، والتنوير، والاشتراكيَّة، والديمقراطيَّة، والتقدّم الاجتماعيّ)، وتتخلَّص من لوثة الليبراليَّة التي أصابت العديد مِنْ أطرافها خلال العقود الماضية فقدَّمتْ بذلك خدمة جليلة للكمبرادور (حصان طروادة الإمبرياليّ)، وتستفيد بدرس وقوعها في وهم الرهان على «الإخوان المسلمين» ومشتقَّاتهم، في أعقاب استغناء الغرب الإمبرياليّ مؤقّتاً عن خدماتهم بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي؛ حيث راحت – آنذاك – تجاملهم وتراعي أفكارهم الظلاميَّة المتخلِّفة، وتعاملهم كما لو كانوا حليفاً موثوقاً. الأمر الذي أضعف حَصَانة العقل العربيّ أمام محاولات تغييبه على يد ماكينة تزييف الوعي الغربيَّة والإسلامويَّة.

ومِنْ واجب حركة التحرّر العربيَّة أنْ تجترح صيغة ديمقراطيَّة ذات مضمونٍ شعبيٍّ واشتراكيّ، تنظِّم بها التناوب على قيادة أحزابها وحركاتها بطريقة سلسة ومؤسَّسيَّة، وتنظِّم كذلك تداول السلطة في ما بينها، أو عقد التحالفات بين أطرافها.. في إطارٍ من الحفاظ الصارم على ثوابت التحرّر الوطنيّ والاشتراكيَّة وقيم التنوير والعلمانيَّة، وتساعد كذلك على تفعيل إرادة (ودور) أوسع أوساط الجماهير الشعبيَّة.

ومِنْ واجب حركة التحرّر العربيَّة، أيضاً، أنْ تحدِّد أعداء الأمّة وأصدقاءها بدقَّة ومسؤوليَّة، وتبني تحالفات وطنيَّة (وقوميَّة) شعبيَّة ديمقراطيَّة، وتتمسّك بخيار الوحدة العربيَّة.. على نحوٍ يأخذ بعين الاعتبار تباينات الواقع التي تشكَّلتْ في البلدان العربيَّة المختلفة. مع التأكيد بأنَّ هذه الوحدةبناء على ما أوضحناه وفصَّلناه سابقاً – لا يمكن أنْ تقوم وتنجح إلا بالاشتراكيَّة والديمقراطيَّة التي تحقِّق مصالح الطبقات الشعبيَّة وتمنحها حقّها في تقرير مصيرها وتتيح لها اختيار شكل العلاقات التي تربط بينها وتشركها في بناء مستقبلها المنشود. فالطريق الآخر، بتمثّلاته المختلفة، لا يمكن أنْ يقود، كما رأينا، إلا إلى التفكّك والتخلّف والتبعيَّة.