Menu
حضارة

سالزبوري نموذج التخبط البريطاني وانعدام اليقين: ولكن ماذا تريد لندن؟

بوابة الهدف/متابعة خاصة

ماذا تريد لندن؟ هو السؤال الذي بدأ يبزغ بشدة وسط الحرب الكلامية المدعومة بإجراءات طرد دبلوماسي متبادلة، فيما يتجند العالم الغربي خلف بريطانيا التي لا تملك ما تقوله، أو هي بالأصح تسعى لتجنيده في حرب ليست واضحة التفاصيل وإن لم تكن معزولة عن صراع يتنامى بسبب القرم أو سوريا، وكأن بريطانية تلعب دور الوكيل لسياسة أمريكية يحجر عليها ترامب بسبب ما يمكن أن يقال مزاعم تورطه وعلاقاته الروسية، وإن لم يكن بارزا لماذا تريد الحكومة البريطانية القيام بهذا الدور أم أن الهجوم الكيميائي في سالزبوري  كان ذريعة منتظرة بغض النظر عنها بالذات؟

وهكذا ما تزال الحرب الكلامية التي شنتها تيريزا ماي ووزير خارجيتها ضد روسيا تتفاقم سواء على الصعيد الخارجي ورد الفعل الروسي أو على الصعيد الداخلي ومواقف كبار السياسيين البريطانيين المخضرمين اتجاه هذه السياسة التي يقول خبراء مرموقون إنها غير ذات معنى، وأنها اتهامات تفتقر إلى الأدلة ولا يوجد لدى المملكة المتحدة أي دليل على أن روسيا هي التي تطور وتستخدم غاز الأعصاب المستخدم في محاولة اغتيال العميل المزدوج في لندن أو بشكل أكثر جرأة أن بوتين هو من أمر بالعملية، ولا يوجد دليل أيضا على حقيقة الغاز المستخدم وكما قال خبراء بريطانيون فإن الافتقار إلى عينة من الغاز المزعوم يبدد المزاعم حوله وحول طبيعته، ناهيكم عن أنه حتى كبار علماء مختبر الكشف عن العوامل الكيميائية البريطاني رفضوا توقيع وثيقة من الخارجية تقول: أن الغاز هو سلاح روسي، وتوصل الجانبان إلى حل وسط استخدم حتى الأمس في جميع التصريحات الدبلوماسية، وكذلك في خطابات مجلس الأمن بأن السلاح الكيماوي "من النوع الذي طورته روسيا".

إقرأ أيضا: السم الروسي خدعة مثل السلاح العراقي وبريطانيا تكذب ماذا تعرف عن Novichoks

ورغم ذلك ومع وجود الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته يوليا وضابط شرطة بريطاني في المستشفى، قالت تيريزا ماي في كلمة في منتدى للحزب، إن بريطانيا لن تتسامح مع أي تهديد للحياة على الأراضي البريطانية. ويوم السبت، أعلن بوتين أيضًا طرد 23 دبلوماسيًا بريطانيًا انتقاما للطرد الذي أعلنت عنه السيدة ماي في وقت سابق من الأسبوع.

في هذا السياق انتقد سفير المملكة المتحدة السابق لدى روسيا  وهو من كبار دبلوماسيي الحرب الباردة السير رودريك برايثوايت الذي خدم بين عامي 1988و1992، كبار الوزراء بسبب تفوهاتهم، واختص وزير الدفاع غافن ويليامسون  لإظهاره عدم الجدية وسط أعمق أزمة في العلاقات مع موسكو منذ نهاية الحرب الباردة.

برايثوايت، الذي كان يتحدث بشكل حصري إلى صحيفة  الإندبندت ، انتقد بشدة تفوهات وزير الخارجية ضد روسيا والتي أثارت موجة من الشتائم الانتقامية من وزير الخارجية الروسي وآخرين في موسكو، حيث قال الوزير البريطاني أن على روسيا أن تصمت وتختفي، وعلق برايتوايث " سواء كنت تحب روسيا أم لا ، فهي دولة كبيرة ، لديها الآن الكثير من التأثير في العالم - سواء أعجبك ذلك أم لا، لنقول لها أن تختفي وأن تصمت هذا خطير للغاية، في رأيي ".

كما هاجم برايتوايث وزراء كبار آخرين الذين خرجوا مبكرين لمهاجمة روسيا حيث  تسعى المملكة المتحدة إلى تشديد الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من اهتمامها بموضوع الهجوم الكيماوي بغاز الأعصاب في سالزبوري.

وزادت الانتقادات  بعد ظهور وزير الخارجية بوريس جونسون في بداية الأزمة ليثير قصصا إخبارية تقول إن إنجلترا قد تنسحب من كأس العالم لكرة القدم ردا على الهجوم ، وهو أمر اضطر إلى توضيحه لاحقا.

وأضاف لاحقا أيضا: "إذا كانت هناك معلومات سرية حول من أعطى الأمر، وهو متاح للوكالات البريطانية، فمن المؤكد أنهم لن يكشفوا عن ذلك لأنهم لن يرغبوا في المساس بمصادرهم. وأكمل بأنه، يعتقد من الصعب تخيل كيف سيحصلون على هذه المعلومات، لكن ربما فعلوا ذلك، ولن نعرف".

في حين وصف السير رودريك الأزمة الدبلوماسية الحالية بين المملكة المتحدة وروسيا بأنها "مواجهة عاطفية للغاية" ، حيث حث على الحذر، في  إشارة إلى الوضع الحالي على أنه "حرب باردة جديدة".

في تفاصيل أكثر حول التخبط البريطاني الذي يسعى بالأساس لتجنيد الغرب ضد موسكو، فإن وزير الخارجية البريطاني فشل مجددا هذا الصباح في لقاء تلفزيوني في إعطاء أي دليل على ادعاءاته السابقة بأن بوتين هو الذي أعطى الأمر بالهجوم، بينما استمر في إعادة ذات الجمل العامة والضبابية التي استخدمتها حكومته وأعضاءها حتى الآن.

وزعم جونسون "لدينا في الواقع أدلة خلال السنوات العشر الماضية على أن روسيا لم تنجح قط في تسليم عوامل الأعصاب لأغراض الاغتيال، ولكنها كانت أيضاً تخلق وتؤوي مخزونًا من" نوفيشوك " ويبدو أن الوزير البريطاني لم ينتبه أن تصريحه يتناقض تماما مع الوكالة الدولية التي تعتمد عليها حكومته في التحقق من عينة غاز الأعصاب في سالزبيري، وهي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، التي احتفلت عام 2017 بنجاحها في التحقق من أن روسيا، قد أكملت "التدمير الكامل لـ 93967 طناً مترياً" من مخزوناتها من الأسلحة الكيميائية.

وقالت المنظمة في بيانها " وقد تحققت فرق التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية من الدمار الذي حدث في سبعة مرافق لتدمير الأسلحة الكيميائية في الاتحاد الروسي، في 27 سبتمبر 2017، وبهذا اختتمت المنظمة عملياتها".

ومع الإلغاء الكامل لبرنامج الأسلحة الكيميائية الذي أعلنته روسيا، فإن 96.3 في المائة من جميع مخزونات الأسلحة الكيميائية التي أعلنتها الدول الحائزة للأسلحة النووية قد دمرت في إطار التحقق الذي قامت به منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وهذه الحقائق تتناقض تماما مع ادعاءات الوزير البريطاني ما أثار سخرية عامة بين الروس والخبراء والصحافة البريطانية على حد سواء.

في النتيجة، هل من المنطقي تجاهل دعوة براتوايث بعدم الانجرار وراء استخدام مصطلح "الحرب الباردة"؟ كيف يمكن إذا تفسير هذا التصعيد؟، الذي يرتبط أيضا بإعلانات روسية متواترة عن تطوير نظم أسلحتها وإدخال أسلحة غير مسبوقة إلى الخدمة، وإعلان الجاهزية للقتال في أي وقت إذا لم يكن الصراع يتطور نحو حرب باردة فعلا، تريد روسيا فيها تثبيت مواقعها المكتسبة في السياسة والنفوذ الدولي، ويريد الغرب في المقابل تحجيمها وعدم خسارة ما كسبه من تمدد منذ تفكك الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية.