Menu
حضارة

الكيان الصهيوني قادر تماما على إنتاج غاز Novichok

تقريرلماذا يزج الآن باسم سوريا في قضية الغاز المميت

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

التلعثم البريطاني حول الأدلة المتعلقة بهجوم روسي مزعوم بسلاح كيميائي في سالزبوري، والامتناع عن تقديم أدلة حقيقية على هذا التورط، يعزز حقيقة أن القضية أعقد وأكثر تركيبا من مجرد حادثة محاولة الاغتيال. وفي الحقيقة يبدو الاتهام البريطاني شديد التعجل لموسكو مثيرا للارتباك، ولا أقل منه سرعة تجند الولايات المتحدة في هذه المعركة، ووقاحة المندوبة الأمريكية في مجلس الأمن، ما يذكرنا بسلوك العاصمتين أثناء التحضيرات للعدوان على العراق.

ولكن هل موسكو اليوم هي بغداد التسعينيات؟ من البديهي ربما أن ظروف العالم تغيرت، وموسكو النووية التي تنازع الولايات المتحدة على نفوذها في العالم ليست بغداد التي كانت أنهكتها الحروب والحصار وتآمر الجيران.

لذلك يبدو التفكير بسيناريوهات أخرى منطقيا، ولكن طبعا تبقى في القلب منه محاولة التضييق على روسيا وقص أجنحتها وإجبارها على التراجع إلى الهامش الذي حشرت فيه إثر سقوط الاتحاد السوفييتي، واكتفائها بسلامة أراضيها واستقرارها الداخلي وترك الملعب الدولي للولايات المتحدة وحليفتها التابعة بريطانيا.

ولكن الأمور تغيرت اليوم، وموسكو استعادت عافيتها العسكرية والاقتصادية، واستعادت هيبتها السياسية سواء كان المرء من معجبي بوتين أو كارهيه فقد عادت الخارطة لتتأرجح من جديد بتأثير الوزن الإضافي على ميزانها، واستعادت موسكو القرم وسيفاستوبول أو أعادت ضمهما دون أن يتجرأ الغرب على أي رد فعل مبالغ به إلا بما يحفظ ماء وجهه من عقوبات أو تصريحات منددة.

إقرأ أيضا: ماذا تريد لندن

يمكن للمرء أن يستنتج إذا أن الحملة الأخيرة ستنتج عن مجرد هراء دبلوماسي والكثير من الضجيج الإعلامي والسياسي، ولكن ماذا إذا لم تكن موسكو هي المستهدفة فعلا، وماذا إذا كان الضجيج في مكان والضرب في مكان آخر، وهذا يطرح سؤالا كبيرا عن احتمال تنسيق المواقف الأمريكية –البريطانية لضرب سوريا، وإيجاد ذريعة مماثلة تلك التي اخترعت ضد العراق وتكشفت عن كذب كبير وحقارة سياسية مارسها توني بلير بالنيابة عن واشنطن وكقفاز لها.

يثير هذا التقرير الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت في عددها الأسبوعي، والذي كتبه مؤرخ الموساد رونين بيرغمان، والذي يطرح فيه، أو يعيد فيه إلقاء الضوء على ما يزعم أنه علاقة سوريا غامضة بغاز الأعصاب المستخدم في سالزبوري، بينما يبقى بدون تفسير تأخر البيان الصهيوني الذي صدر تعليقا على الحادثة أسبوعا كاملا دون أن يشير إلى روسيا رغم أن بريطانيا أرسلت رسائل إلى أصدقائها ومن ضمنهم تل أبيب لإصدار بيانات ومواقف نتدين موسكو.

ما علاقة سوريا؟

يزعم بيرغمان أن أحد مديري برنامج الأسلحة الكيميائية الروسية الذي كان يعتبر رئيسًا لمشروع Novichok - والذي شهد تطوير سلسلة من غازات الأعصاب من قبل الاتحاد السوفييتي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان في مهداف المخابرات الصهيونية لسنوات عديدة قبل وفاته الغامضة في رحلة جوية من حلب إلى موسكو.

طبعا لا يتردد المحلل الصهيوني من القول بدون أي تردد وبلغة حتى لم يجزم بها البريطانيون، أن الغاز الذي طوره ذلك العالم السوفييتي أو أشرف على تطويره هو الذي استخدم في نهاية المطاف على أراضي المملكة المتحدة في وقت سابق هذا الشهر ضد العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال.

من المعروف أن روسيا كحال الدول الأخرى وأساسا الولايات المتحدة كانت قد بدأت بالفعل بعد الحرب العالمية الثانية في تطوير أسلحة كيميائية وكان هذا غير مستغرب في ظل الحرب الباردة وسباق التسلح، وكان ينظر إلى هذه الأمور في الغرف المغلقة للمداولات الدبلوماسية على أنها أمور طبيعية في سياق تحقيق التوازن الدولي بغض النظر عن التصريحات العلنية.

يزعم بيرغمان، أنه في بداية سبعينيات القرن العشرين بدأ العلماء السوفييت في تركيب مزيد من غازات الأعصاب ومن بينها "Novichok"، الذي كان يشرف على إنتاجه الجنرال أناتولي كونتسيفيش Anatoly Kuntsevich، وهو خبير في الفيزياء والمواد الكيميائية العضوية ويعتبر أحد الخبراء الأوائل في المجال في الاتحاد السوفياتي.

وقد أعلن ميخائيل غورباتشوف أواسط الثمانينيات أن الاتحاد السوفييتي سيوقع على اتفاقية حظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية. وفي عام 1987 أعلنت الحكومة السوفييتية أنها ستوقف إنتاجها من جانب واحد، وفي عام 1989، قال وزير الخارجية إدوارد شيفرنادزة إن بلاده ستتخلى تماما عن إنتاج الغاز السام. ومن وقائع التاريخ أن روسيا وعلى مدى العقد التالي وفي عهد بوريس يلتسين، شهدت انهيارًا اقتصاديًا وكانت بحاجة إلى مساعدة من الغرب.

وكانت الولايات المتحدة تجد في هذا فرصة لتجريد روسيا من أسلحة الدمار الشامل، ويبدو أن بوريس يلتسين تجاوب جزئيا مع الابتزاز الأمريكي، بدليل أن روسيا نزعت بالفعل جزءا من ترسانتها من تلك الأسلحة الكيميائية خصوصا، في وقت كان الجنرال كونتسيفيش هو ضابط اتصال يلتسين مع الغرب والولايات المتحدة،  ومع ذلك، يبدو أن روسيا لم تتخلص إلا من جزء من ترسانتها من الأسلحة الكيميائية، ويزعم بيرغمان عند هذه النقطة أن هذه القصة كانت معروفة بين الجواسيس والصحفيين في الغرب، أي قصة تلاعب روسيا بتعهداتها للغرب.

وفي ذلك الوقت أثارت صحيفة بالتيمور صن ضجة كبرى عندما نشرت ما زعمت أنه شهادات أدلى بها علماء روس وكشفوا فيها عن الغاز المقصود هنا، وزعمت أن أحد العلماء احتك بدون قصد بالمادة القاتلة وتوفي، وأن الآخرين الذين أدلوا بالمعلومات تمت محاكمتهم في روسيا ولكن الروس أنكروا تلك التقارير في حينها على لسان كونتسيفيش. 

يزعم بيرغمان أن صلة الكيان الصهيوني بهذه القضية بدأت في التسعينيات، عندما بدأت المعلومات تتسرب بأن روسيا كانت تجري تجارب لتطوير أسلحة كيميائية أكثر تقدمًا من غاز الخردل وغاز الأعصاب البسيط الذي كانت عليه في السابق. ولكن ما علاقة النشاط الروسي بالكيان؟

ويزعم التقرير أنه في تموز/يوليو عام 1995 وكجزء من العلاقات العسكرية بين موسكو ودمشق، نجح كونتسيفيش في إقامة صلات شخصية مع القادة السوريين، ويزعم بيرغمان أن كونتسيفيش حصل على أموال من سوريا مقابل الكشف عن معرفته بالسلاح الكيميائي وتوفير معدات لتطوير أسلحة كيميائية قاتلة.

 يضيف بيرغمان أن بعض تفاصيل الصفقة المزعومة هذه، وصلت إلى الموساد الصهيوني نهاية التسعينيات، حيث أن أيهود باراك رئيس حكومة الكيان اتصل بالقيادة الروسية للتحذير من هذه المخططات ولكن لم يكن هناك أي جدوى من محاولاته، ويزعم التقرير الصهيوني أنه في ذلك الوقت إما أن يلتسين لم يستطع التدخل بسبب غياب نفوذه في المخابرات والجيش الروسي أو أنه لم يرغب في التدخل.

لاحقا مايكل روس، وهو ضابط سابق في موساد يحمل الجنسية الكندية وقد لعب أدوارا هامة بعضها تحت غطاء دبلوماسي، ومن ضمن خدمته كانت فترة في وحدة قيسارية في الموساد التي كانت تعمل في سورية، نشر عام 1997 كتاب "المتطوع" والذي يقر فيه بعمالته للموساد وملئ بالمادة المعادية لكفاح الشعب الفلسطيني، حيث ماثل بين أيدولوجية القاعدة والأيدولوجية الوطنية الفلسطينية، وقد طلبت الموساد منه التظاهر بأنه باحث مستقل.

المهم هنا أن روس زعم في كتابه أنه اتصل مرارا بكبار المسؤولين في الكرملين وقال لهم إنه وفقا للمعلومات الموجودة في حوزته، فإن الأسلحة الكيميائية كانت تباع من قبل كونتسيفيش إلى السوريين. كان الهدف هو تخويف موسكو لأن المعلومات سرعان ما سيتم نشرها. لكن هذا الجهد أيضا، الذي من الواضح أنه كان منسقا مع القيادة الصهيونية فشل في تحقيق نتائج.

هل قتل الموساد كونتسيفيش ردا على هذا الفشل؟ حيث توفي الجنرال والعالم الروسي يوم 29 نيسان /أبريل 2002 أثناء رحلة جوية من حلب إلى موسكو. وتشير التقارير أن السوريين واثقين أن "إسرائيل" قتلته.

ينقل بيرغمان زعم وثيقة سرية رفيعة المستوى لوكالة الاستخبارات المركزية من الفترة نفسها إن سوريا تمكنت، قبل وفاته، من إنتاج مخزون كبير من الأسلحة الكيميائية المميتة بشكل خاص. ووفقا لمصادر أخرى مختلفة مزعومة من الكاتب الصهيوني فإن كونتسيفيش، خلال زيارته الأخيرة إلى سوريا، جلب معه مخططات لتطوير "Novichok".

بعيدا عن الزعم بوجود هذا السلاح بالذات من المعروف أن سوريا تخلصت من الأسلحة الكيميائية التي تم انتاجها بمساعدة كونتسيفيش المزعومة في تاريخ لاحق ضمن صفقة توسط بها الروس.

عودة إلى الهراء البريطاني

من الواضح أن عبارة "من النوع الذي طورته روسيا" المستخدمة في الخطاب الرسمي البريطاني في سياق أزمة سالزبوري، هي هراء تام، ومثلها محاولة ربط سوريا بالغاز السام، الذي سبق وأن توضح أنه يمكن أن يتم إنتاجه في أي منشأة كيميائية في العالم.

عموما على سبيل المثال، يذكر السفير البريطاني السابق في أوزباكستان  كريج موراي أن أول تسجيل صحيح لوجود Novichok Synthesis قد تم في عام 2016 من قبل إيران، بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وكان كل نشاط إيران بهذا الصدد بالتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وأبلغت المنظمة على الفور بالنتائج حتى يمكن إضافتها إلى قاعدة بيانات الأسلحة الكيميائية. ومادامت إيران تمكنت من صناعة هذا الغاز تحت الإشراف الدولي، بدون وجود كونتسيفيش ومعلوماته ومعارفه ومعداته، فإن من البديهي أن تتوصل إليها دول أخرى وخاصة دول مارقة لا تخضع للرقابة مثل الكيان الصهيوني.

إقرأ أيضا: السم الروسي خدعة مثل السلاح العراقي وبريطانية تكذب

وإذا كانت إيران التزمت بالتعاون التام كما هو معروف مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فإن هناك دولتين على الأقل ترفضان التصديق على اتفاقية الأسلحة الكيميائية، أو الانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو تدمير مخزوناتهما من الأسلحة الكيميائية هما الكيان الصهيوني وكوريا الشمالية وهذه الأخيرة ليس لها أي مصلحة في قضية سالزبوري، والتحريض على روسيا أو الإيقاع بها.

هل يعرف البريطانيون عما يتحدثون

يؤكد السفير موراي، الذي تحاول الخارجية البريطانية إسكاته حاليا، أنه تلقى تأكيدا من مصدر موثوق في وزارة الخارجية والكومنويلث بأن علماء بورتون داون المختبر البريطاني الوحيد للكشف عن وتشخيص السلاح الكيميائي، غير قادرين على تحديد غاز الأعصاب باعتباره من صنع الروس، وقد استاءوا من الضغط الذي يوضع عليهم للقيام بذلك. وبحسب ما زُعم، فإن الروس يدرسون، في برنامج "Novichok"، جيل من غازات الأعصاب يمكن إنتاجه من سلائف متاحة تجارياً مثل المبيدات الحشرية والأسمدة. هذه المادة هي "Novichok" بهذا المعنى  تصبح عبارة "طوره الاتحاد السوفييتي" شبيهة بالقول بأن المرء يستخدم جهاز حاسب محمول من النوع الذي طورته الولايات المتحدة ولكن تم إنتاجه في الصين!

يشير موراي إلى أن الضغط الحالي على علماء بورتون داون، يذكره بالضغط الشديد على موظفي وزارة الخارجية وغيرهم من موظفي الخدمة المدنية للتوقيع على الملف القذر بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية.

وبشكل منفصل، كتب موراي إلى المكتب الإعلامي في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لكي يطلب منهم تأكيد عدم وجود أي دليل مادي على وجود Novichok الروسي، وأن برنامج التفتيش وتدمير الأسلحة الكيميائية الروسية قد تم في العام الماضي.

حقائق أخرى

أتيح لمفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الوصول الكامل إلى جميع مرافق الأسلحة الكيميائية الروسية المعروفة منذ أكثر من عقد - بما فيها تلك التي حددها المبلغين المزعومين المنشقين "ميرتشايانوف" - ميرزايانوف - وفي العام الماضي أكمل مفتشو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تدمير آخر 000 40 طن من الأسلحة الكيميائية الروسية، وعلى النقيض من ذلك، فإن برنامج تدمير مخزونات الأسلحة الكيماوية الأمريكية لا يزال أمامه خمس سنوات.

هل تعلم أيضا أن لدى الكيان الصهيوني مخزونات كبيرة من الأسلحة الكيميائية، لكنه رفض على الدوام الإعلان عن أي منها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. و"إسرائيل" ليست دولة طرف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية ولا عضو في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ورغم أن الكيان وقع عام 1993 لكنه رفض التصديق لأن ذلك يعني التفتيش وتدمير أسلحته الكيميائية. لا شك في أن "إسرائيل" لديها القدرة التقنية مثل أي دولة لتوليف "Novichok".

ويبقى السؤال معلقا، لماذا الزج باسم سوريا في هذا الملف في مقال مخابراتي صهيوني أعيد نشره مرارا وتكرارا في الصحف الصهيونية والأمريكية، ولماذا تأخر الكيان الصهيوني أسبوعا كاملا في إصدار بيان تعاطف مع لندن دون ذكر اسم موسكو، أم إنه لم يجرؤ على ذكرها لأسباب قد تكون بعيدة تماما عن التفاهمات في سوريا؟